اجازه عائليه

قلت وأنا بحاول أتمالك نفسي:
— ليه ما قولتيليش من زمان؟
دمعت عينيها.
— لأني كنت جبانة.
كنت خايفة أتكلم…
حماتك كانت مسيطرة على الكل.
وأخو جوزك كان بيقولي:
“ابعدي عن المشاكل.”
بس لما شفت اللي حصل…
حسيت إن سكوتي بقى ذنب.
…
رجعت البيت…
وأول حاجة عملتها…
إني فتحت الكمبيوتر.
دخلت على النسخة الاحتياطية القديمة.
كنت محتفظة بكل حاجة.
صور.
رسائل.
إيميلات.
وأثناء البحث…
لقيت مجلد قديم.
اسمه…
“مصيف ٣”.
فتحته.
كانت فيه عشرات الصور.
لكن الغريب…
إن فيه صور كانت متحذوفة من موبايله…
ومتسجلة تلقائيًا على السحابة.
ولما كبرت أول صورة…
شهقت.
كان واقف يبتسم…
والبنت واقفة جنبه.
وأمه هي اللي مصوراهم.
أما التعليق المكتوب أسفل الصورة…
فكان من حماته نفسها:
“ربنا يتممها على خير.”
وقتها…
عرفت إن اللي اتكسر بينا…
ماكنش مجرد جواز.
كان الثقة.
وكان الاحترام.
وكان الإحساس إني زوجة لها مكان.
لكن لسه ماكنتش أعرف…
إن فيه مفاجأة أخطر مستخبيّة في آخر الملف…
وإنها هتغير مجرى القضية كلها.
قعدت قدام شاشة الكمبيوتر…
إيدي كانت بتترعش.
كل صورة كنت بفتحها…
كانت بتأكد إن اللي كنت حاسة بيه طول السنين ماكانش وهم.
لكن وأنا بقفل المجلد…
لفت نظري ملف صغير…
ماكنش اسمه “صور”.
كان اسمه:
“مستندات”.
استغربت.
فتحته.
لقيت نسخة ممسوحة ضوئيًا من عقد حجز شاليه.
لكن اللي شد انتباهي…
ماكانش تاريخ الحجز.
كان اسم الشخص اللي دفع.
مش جوزي.
ولا حماتي.
كان اسم البنت نفسها.
همست لنفسي:
— هي اللي كانت بتدفع؟
فتحت الملف اللي بعده…
ولقيت تحويل بنكي.
من حساب حماتي…
إلى حساب البنت.
وتحته ملاحظة قصيرة:
“تجهيزات السفر.”
فضلت أبص للشاشة…
وعقلي بيحاول يربط كل حاجة ببعض.
ليه حماتي كانت بتصرف عليها؟
وليه كانت حريصة إنها تكون موجودة في كل رحلة؟
وليه كانت مستعدة تخسر جواز ابنها؟
…
في اليوم التالي…
المحامية طلبت تقابلني.
أول ما دخلت مكتبها…
قلت لها:
— لقيت حاجة جديدة.
ناولتها فلاشة عليها كل الملفات.
فضلت تراجعها بهدوء…
وفجأة وقفت عند صورة معينة.
رفعت عينيها وقالت:
— عندك فكرة الصورة دي اتصورت إمتى؟
بصيت عليها.
كانت صورة جماعية…
كلهم بيضحكوا.
وجوزي واقف بعيد شوية.
قلت:
— آخر رحلة.
قالت:
— بصي كويس.
كبرت الصورة.
وفي خلفية الصورة…
كان فيه راجل لابس بدلة…
واقف بيتكلم مع أبو جوزي.
استغربت.
— مين ده؟
قالت:
— ده مأذون.
شهقت.
— مأذون؟!
هزت راسها.
— أيوه…
وده اللي خلاني أسأل نفسي…
إيه اللي كان بيعمله في رحلة مصيف؟
…
في نفس الليلة…
رن تليفوني.
كان رقم جوزي.
المرة دي…
رديت.
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال:
— أنا عرفت إنك شوفتي الصور.
قلت ببرود:
— متأخر.
قال بصوت مكسور:
— والله ما خنتك.
رديت:
— الخيانة مش دايمًا بتكون علاقة.
الخيانة إنك تسمح لحد يهين مراتك…
ويسرق مكانها…
وأنت ساكت.
سكت.
وبعدين قال:
— فيه حاجة لازم تعرفيها.
قلت:
— اتفضل.
قال:
— أمي قالتلي قبل آخر رحلة إن فيه راجل كبير في العيلة عايز يشوف بنت أختها…
وعشان كده عزمتها.
افتكرت إنها مجرد قعدة عائلية.
قلت بحدة:
— وبعد الصور؟
تنهد.
— أول ما شفت أمي بتصورنا بالطريقة دي اتخانقت معاها.
وأول ما رجعنا البيت…
قولتلها إن الموضوع انتهى.
لكن كان فات الأوان…
لأنها كانت وصلت الصور لكل قرايبنا.
…
قفلنا المكالمة…
وأنا مش عارفة أصدقه…
ولا أكذبه.
لكن في صباح اليوم التالي…
وصلني ظرف من غير اسم مرسل.
فتحته بحذر.
كان فيه فلاشة صغيرة…
وورقة مكتوب عليها بخط اليد:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها… شوفي الفيديو الأخير.”
بصيت للفلاشة…
وحسيت إن اللي جاي…
هيكشف أسرار أكبر بكتير من مجرد رحلات مصيف.
يتبع…
الفصل التاسع
فضلت الفلاشة في إيدي أكتر من خمس دقايق…
مش عارفة أشغلها…
ولا أرميها.
وأخيرًا…
دخلتها في اللاب.
ظهر عليها ملف واحد بس.
اسمه:
“الحقيقة”.
ضغطت عليه…
وظهر فيديو مدته خمس دقايق.
الصورة كانت مهزوزة…
واضح إن اللي صورها كان مستخبي.
مر شهر…
وبعدين اتنين…
وأخيرًا صدر الحكم.
خرجت من المحكمة وأنا شايلة ورقة صغيرة…
لكنها كانت بالنسبة لي إعلان ميلاد جديد.
الطلاق تم رسميًا.
وقفت على سلم المحكمة، وخدت نفس طويل.
حسيت إن أول مرة الهوا يدخل صدري من غير خوف.
لا مستنية رسالة منه…
ولا مكالمة من أمه…
ولا قلق من خناقة جديدة.
كل حاجة انتهت.
…
رجعت البيت.
البيت نفسه…
لكن الإحساس مختلف.
فتحت الشبابيك كلها.
شلت الصور اللي كانت معلقة على الحيطة.
صورتنا يوم الخطوبة.
صورة أول عيد جواز.
صورة البيت وهو لسه بيتفرش.
حطيتهم في صندوق صغير.
مش علشان أكره الذكريات…
لكن علشان ما تعيشنيش فيها.
…
بعد أسبوع…
وصلني اتصال من رقم ما أعرفوش.
رديت.
لقيت مدير البنك.
قال باحترام:
— يا فندم، فيه شخص حضر النهارده وسدد كل المديونية المشتركة الخاصة بالحساب.
استغربت.
— مين؟
قال:
— طليق حضرتك.
قفلت المكالمة وأنا مستغربة.
ماكنتش محتاجة منه فلوس.
لكن واضح إنه أخيرًا بدأ يصلح الأخطاء اللي يقدر عليها.
حتى لو متأخر.
…
بعدها بيومين…
لقيت ظرف تحت باب الشقة.
فتحته.
كان فيه مفتاح صغير.
ومعاه ورقة.
“ده مفتاح المخزن اللي كنتِ بتحلمي تعملي منه مشروعك.
أنا نقلت كل حاجتي منه.
بقى ملكك.
وأتمنى تنجحي.”
فضلت أبص للورقة.
وابتسمت.
لأول مرة…
حسيت إنه بيعتذر بالفعل…
مش بالكلام.
لكن من غير ما يحاول يرجعني.
…
بدأت أجهز المشروع اللي كنت مأجلاه سنين.
محل صغير…
كنت نفسي أفتحه من زمان.
كل مرة كنت أتكلم معاه فيه…
كان يقولي:
“لما الظروف تتحسن.”
لكن الظروف…
ما كانتش هتتحسن أبدًا وأنا مستنية حد يقرر عني.
اشتغلت بنفسي.
دهنت المكان.
اخترت الديكور.
وكنت كل يوم برجع تعبانة…
لكن سعيدة.
…
بعد ست شهور…
كان يوم الافتتاح.
أصحابي موجودين.
أخويا.
جاراتي.
حتى أبو طليقي جه.
وقف عند الباب…
ومعاه باقة ورد.
قال بابتسامة حزينة:
— فخور بيكي.
ابتسمت وشكرته.
وقبل ما يمشي…
قال:
— هو بره.
استغربت.
بصيت من الإزاز.
كان واقف بعيد.
لابس قميص بسيط.
وبيبتسم.
ما دخلش.
ولا حاول يقرب.
اكتفى إنه يشوف المكان من بعيد.
ولما لمحني بصيتله…
رفع إيده بتحية خفيفة.
رفعت إيدي أنا كمان.
سكت.
كملت وهي بتعيط:
— سامحيني.
بصيتلها بهدوء.
وقلت:
— أنا مسامحاكي.
لكن في فرق…
بين المسامحة…
وإن الزمن يرجع.
هزت راسها وهي بتبكي.
ولما خرجت من الأوضة…
حسيت إن آخر ذرة غضب كانت جوايا اختفت.
…
بعد شهور…
سمعت إنها توفيت.
طليقي هو اللي اتصل يبلغني.
قال:
— مش لازم تيجي.
بس حبيت تعرفي.
قلت:
— ربنا يرحمها.
وقفلنا المكالمة.
…
مرت خمس سنين.
وفي مساء هادئ…
كنت قاعدة في شرفة بيتي.
بشرب قهوتي.
وببص على البحر.
المكان اللي زمان كنت أتمنى أسافر له مع جوزي…
وصلتله أخيرًا.
لكن المرة دي…
بمزاجي.
وبفلوسي.
ومن غير ما أستنى دعوة من حد.
رن تليفوني.
كانت واحدة من الموظفات الجديدة.
قالت:
— يا مدام…
إحنا عاملين رحلة لكل فريق الشغل.
ابتسمت.
وقالت:
— حضرتك أول اسم كتبناه.
ضحكت من قلبي.
وقلت:
— متنسيش حد.
ردت باستغراب:
— طبعًا… ليه؟
قلت وأنا ببص للبحر:
— لأن محدش يستحق يحس إنه مستبعد…
خصوصًا من الناس اللي بيحبهم.
قفلت المكالمة.
ورفعت عيني للسما.
وأدركت إن أكبر انتقام خدته…
ماكنش المحكمة.
ولا الطلاق.
ولا خسارتهم ليا.
أكبر انتقام…
إني بطلت أستنى حد يختارني.
واخترت نفسي.
ومن يومها…
عمري ما بقيت الاسم الناقص في أي قائمة.
ولا الشخص اللي يسيبوه في البيت.
لأن الإنسان…
لما يحترم نفسه…
الدنيا كلها بتتعلم تحترمه.
تمت بحمد الله.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







