منوعات

بعد تلت مرات اجهاض

في اللحظة نفسها، رن هاتف الدكتور مرة تانية.
أول ما رديت، قال بسرعة
متروحوش الأرشيف لوحدكم… لأن حد سبقكم هناك من أقل من ساعة، وكاميرات المراقبة سجلت إنه كان بيدور على نفس الخزانة.
ثم خفّض صوته وقال
والأخطر… الشخص ده كان معاه أمر رسمي بإتلاف الملفات تجمد الدم في عروقي.
قلت للدكتور بسرعة
مين الشخص ده؟
رد بصوت منخفض
الكاميرات صورته وهو لابس كمامة وقبعة، لكن قبل ما يخرج بلحظة… بص للكاميرا.
سكت ثانية، ثم قال
واضح إنه كان عارف إننا هنراجع التسجيل.
قفلت المكالمة، وأنا حاسس إن كل دقيقة بتعدي بتضيع جزء
عليها التحليل مش عينة سارة أصلًا…
يبقى نتيجة إنها ليست الأم ممكن تكون خاطئة من الأساس.
لكن السؤال الأخطر ظل قائمًا…
مين أخفى العينة الأصلية؟
وقبل ما حد يرد، سمعنا باب المبنى يُغلق من الخارج بالمفتاح…
وتردد صوت خطوات تقترب نحونا ببطء، بينما قال شخص من خلف الباب
أخيرًا… لقيتكم تجمدنا في أماكننا.
الخطوات كانت هادئة… ثابتة… وكأن صاحبها عارف المكان حرفًا حرفًا.
اتفتح الباب ببطء.
دخل رجل في أواخر الستينات، ماسك حقيبة جلد قديمة.
أول ما شافه فؤاد، اتسعت عينيه وقال بدهشة
دكتور حازم…!

الرجل تنهد وقال
كنت أتمنى اليوم ده ما يجيش.
بصيت له وقلت
إنت تعرف كل اللي بيحصل؟
هز رأسه وقال
أعرف جزءًا منه… والجزء التاني فضلت أدور عليه سنين.
فتح حقيبته، وأخرج ملفًا سميكًا.
حطه على المكتب وقال
دي نسخ احتفظت بيها لنفسي لما بدأت أشك إن حد بيتلاعب بالأوراق.
بدأنا نقلب الملفات.
كلها كانت متطابقة تقريبًا مع اللي لقيناه…
إلا ورقة واحدة.
كانت عبارة عن خطاب موجه لإدارة المستشفى.
مكتوب فيه
يُعاد إجراء اختبار التطابق بعد استبعاد أي عينات محفوظة قديمة، والاعتماد فقط على عينات حديثة تُسحب بحضور الطرفين.
رفعت رأسي بسرعة.
قلت
يعني التحليل اللي قال إن سارة مش أم الطفل… ماكانش المفروض يعتمد عليه؟
رد الدكتور حازم
بالضبط.
وأضاف
في بعض التحاليل، استخدام عينة محفوظة أو مُرقمة خطأ ممكن يطلع نتيجة مضللة. وده سبب إني طلبت إعادة الاختبار، لكن قبل ما يتم… اختفت العينة، واختفى التقرير.
سارة بدأت تبكي من شدة الانفعال.
همست
يعني… ممكن أكون فعلًا أم ابني؟

ابتسم الدكتور لأول مرة وقال
أنا ما أقدرش أقول غير لما نعيد الفحوصات بالطريقة الصحيحة… لكن مفيش أي دليل علمي مؤكد يثبت العكس.
في اللحظة دي، مدام نوال طلعت ورقة صغيرة من جيبها.
قالت وهي بتسلمها للدكتور
أنا خبيت دي من سنين… لأني كنت خايفة.
فتح الورقة.
كانت رقم ملف مختبر. .. ومعاه اسم موظف سابق.
اتغيرت ملامح الدكتور فجأة.
وقال
الموظف ده… هو آخر واحد استلم العينة الأصلية قبل اختفائها.
بصيت له بسرعة.
هو فين دلوقتي؟
رد وهو يقلب الصفحة الأخيرة في الملف
ده اللي كنت هقوله…
لكن الصفحة الأخيرة كانت ممزقة بعناية، وكأن حد نزعها من وقت قريب.
ولاصق مكانها ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط واضح
لو عايزين العينة الأصلية… دوروا في المكان الوحيد اللي محدش فكر يفتشه.
ثم في أسفل الورقة ثلاث كلمات فقط
تحت غرفة الحضانة نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
قلت للدكتور حازم
تحت غرفة الحضانة؟ يعني فيه مخزن؟
هز رأسه ببطء وقال
زمان كان فيه قبو صغير تحت القسم. بعد تجديد المستشفى اتقفل واتبنى فوقه، ومعظم العاملين الجداد ما يعرفوش إنه موجود أصلًا.
فؤاد قال وهو يحاول يتذكر
صح… كان فيه أرشيف للأجهزة القديمة وعينات كان بيتم حفظها مؤقتًا قبل نقلها.
قررنا نرجع للمستشفى القديمة قبل طلوع النهار.
وصلنا، ونزلنا إلى نهاية الممر.
خلف دولاب معدني صدئ، لقينا بابًا حديديًا صغيرًا، مقفول بقفل قديم.
بعد محاولات، قدرنا نفتحه.

مقالات ذات صلة

نزلنا سُلّمًا ضيقًا، وكل خطوة كانت تثير غبارًا كثيفًا، كأن المكان لم يدخله أحد منذ سنوات.
في آخر السلم كانت غرفة صغيرة.
رفوفها مليانة صناديق معدنية وملفات متآكلة.
وفجأة، سارة أشارت إلى زاوية الغرفة.
بصوا هناك!
كان فيه صندوق حفظ عينات، وعليه ملصق باهت يحمل تاريخًا مطابقًا ليوم ولادتها.
فتحناه بحذر.
وجدنا داخله أنابيب حفظ قديمة… لكن معظمها فارغ.
وبينها ظرف بلاستيكي محكم الإغلاق.
فتح الدكتور حازم الظرف.
كان بداخله سجل استلام وتسليم.
تصفحه بسرعة، ثم توقف عند توقيع واحد.
اتسعت عيناه.
قال بصوت منخفض
ده مستحيل…
سألته بلهفة
إيه اللي لقيته؟
رد
التوقيع ده مش لموظف المعمل… ولا لممرضة… ده توقيع شخص من لجنة التفتيش اللي كانت جاية تحقق في خطأ ترقيم العينات.
ساد الصمت.
لو لجنة التفتيش نفسها كانت آخر من تعامل مع العينة…
فالقصة أكبر بكتير مما كنا متخيلين.
وبينما كنا نفحص بقية الصندوق، لاحظت ورقة صغيرة مطوية في القاع.
فتحتها.
كانت مكتوبة بخط يد واحد
العينة الأصلية لم تُفقد… تم نقلها لحمايتها حتى لا تُستخدم لإخفاء الحقيقة.
وفي آخر السطر

إذا وجدتم هذه الرسالة، فلا تثقوا بأي ملف لا يحمل الختم الأزرق.
رفع فؤاد أحد الملفات الموجودة على الرف.
كلها كانت مختومة بالأحمر…
إلا ملف واحد فقط في آخر الرف…
كان يحمل ختمًا أزرق اقترب الدكتور حازم ببطء من الملف ذي الختم الأزرق، وكأنه يخشى أن يلمسه.
قال بصوت منخفض
لو الرسالة صحيحة… يبقى ده أول ملف أصلي بنشوفه من أول ما بدأت الحكاية.
مددت يدي، لكن فؤاد أوقفني.
استنى… بص على الختم كويس.
دققت النظر.
الختم لم يكن ختم المستشفى، بل ختم لجنة المراجعة الطبية التي حققت في الواقعة قبل سنوات.
فتحت الملف بحذر.
أول صفحة كانت عبارة عن تقرير رسمي مكتوب في أعلاه
النتيجة النهائية للجنة بعد مراجعة جميع العينات والسجلات.
بدأ الدكتور يقرأ بصوت مسموع.
بعد مراجعة سجلات غرفة الولادة… وسجلات المعمل… والاستماع إلى جميع العاملين…
سكت فجأة.
قلب الصفحة.
كانت الصفحة التالية ممزقة بالكامل.
لم يتبق منها إلا السطر الأخير
…ولهذا تقرر حفظ التقرير الكامل في مكان منفصل، وعدم إرفاقه بالملف الرئيسي.
ضربت بيدي على الطاولة بغضب.
يعني حتى هنا ناقص!
لكن فؤاد لم يكن ينظر إلى التقرير.
كان ينظر إلى الغلاف الداخلي للملف.
ثم قال
استنوا…

مرر أصابعه على الورق، وضغط بخفة.
فانفتح جيب سري داخل الغلاف.
أخرج منه مفتاحًا صغيرًا جدًا، وبطاقة ورقية عليها رسم تخطيطي للمستشفى.
وفي الرسم، كانت هناك دائرة حمراء حول مكان لم يكن موجودًا في الخرائط الحالية.
تحتها عبارة قصيرة
غرفة السجلات الأصلية مدخلها أُغلق أثناء التوسعة.
رفع الدكتور حازم البطاقة وقال
إذن… كل اللي لقيناه لحد دلوقتي مجرد نسخ.
سألت بسرعة
والأصل؟
أجاب وهو يطوي الخريطة
لو الغرفة دي لسه موجودة… فالإجابة عن كل الأسئلة هناك.
وقبل أن نغادر، سمعنا صوت اهتزاز خفيف في هاتف سارة.
وصلتها رسالة جديدة من الرقم المجهول.

لم تكن مكتوبة هذه المرة.
كانت صورة فقط…
صورة قديمة جدًا لغرفة السجلات.
وفي منتصف الصورة وقف شخص يواجه الكاميرا، لكن وجهه ممسوح بالحبر الأسود.
أما الشيء الوحيد الواضح في الصورة…
فكان أنه يحمل في يده الصفحة الأخيرة المفقودة من التقرير، وتحت الصورة جملة واحدة
أنتم متأخرون… لكنه لم يقرأها بعد.
انتهت الرسالة، وبقي السؤال الذي زاد الغموض
إذا كانت الصفحة ما زالت موجودة… فمن هو الشخص الذي يحتفظ بها؟ ولماذا ينتظر كل هذه السنوات دون أن يكشفها؟خرجنا من القبو وكل واحد فينا بيفكر في نفس السؤال.
مين الشخص اللي معاه الصفحة الأخيرة؟

وليه سايبنا نجري وراه بدل ما يسلمها؟
وأول ما طلعنا لساحة المستشفى، لقينا عربية قديمة واقفة، ورجل أمن مسن نازل منها.
أول ما شاف فؤاد قال
الحمد لله إني لحقتكم.
فؤاد عرفه فورًا.
عم جابر؟! إنت لسه عايش؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال
أنا آخر واحد كان ماسك مفاتيح المبنى قبل ما يتقفل.
فتح شنطة صغيرة كانت معاه، وأخرج دفترًا قديمًا.
قال
كنت فاكر الدفتر ده مالوش قيمة… لكن بعد اللي سمعته، افتكرت حاجة.
بدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف عند يوم محدد.
نفس تاريخ ولادة سارة.
قرأ بصوت مسموع
الساعة 1140 مساءً… تم دخول لجنة المراجعة.
ثم الصفحة اللي بعدها
الساعة 215 صباحًا… خرج أحد أعضاء اللجنة ومعاه حقيبة معدنية مختومة، ورفض يسيبها في الأرشيف.
سألته بسرعة
كتبت اسمه؟
هز رأسه.
أيوه… لأن التعليمات كانت تلزمني أسجل أسماء كل اللي يدخل ويخرج.
قلب الصفحة الأخيرة.

لكن الاسم كان ممسوحًا بمادة بيضا، كأن حد حاول يخفيه.
رغم كده، كان باقي أول حرفين واضحين.
د. س…
الدكتور حازم عقد حاجبيه.
وقال
في اللجنة دي كان فيه أكتر من دكتور يبدأ اسمه بحرف السين.
وفجأة تذكر فؤاد شيئًا.
قال
استنوا… لجنة المراجعة كانت بتصور كل جلساتها.
بصينا له جميعًا.
يعني فيه تسجيل؟
هز رأسه.
كان فيه… لكنه اتحفظ على شرائط
فيديو منفصلة.
سألته
وفين الشرائط؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
في المكان الوحيد اللي محدش طلب يفتشه.
قلت بسرعة
فين؟
رد
مخزن الأجهزة القديمة… لأنه رسميًا ماكانش تابع للأرشيف.
اتجهنا إلى المخزن.
فتحناه بصعوبة.
كان مليئًا بأجهزة أشعة قديمة، وشاشات مكسورة، وصناديق خشبية.
وبين الركام، وجدنا دولابًا حديديًا صغيرًا.
فتحناه.
في الداخل كانت عشرات أشرطة الفيديو.
كلها مرقمة…

إلا شريط واحد فقط.
كان عليه ورقة صفراء مكتوب عليها بخط اليد
جلسة اللجنة الأخيرة… لا تُعرض إلا بحضور جميع الأطراف.
نظرنا إلى بعضنا.
الدكتور حازم قال
لو الشريط ده شغال… فهو ممكن يجاوب على كل الأسئلة.
مددت يدي لألتقطه…
لكن سمعنا صوت طَق.
التفتنا بسرعة.
باب المخزن كان قد أُغلق من الخارج…
ثم جاءنا صوت الشخص المجهول نفسه، يقول بهدوء
قبل ما تشوفوا الحقيقة… جاوبوني هل أنتم مستعدين تتحملوا نتائجها؟تبادلنا النظرات.
أحسست أن الصوت لم يعد يحاول إخافتنا… بل كان يختبرنا.
قلت بصوت ثابت
إحنا مش بندور على فضيحة، ولا عايزين  من حد. إحنا عايزين نعرف الحقيقة وبس.
ساد صمت لثوانٍ.

ثم سمعنا صوت المفتاح يدور في الباب.
انفتح الباب ببطء.
لكن لم يكن هناك أحد.
على الأرض، أمام الباب مباشرة، كانت حقيبة جلدية سوداء.
حملها فؤاد بحذر وفتحها.
في الداخل وجدنا جهاز تشغيل أشرطة فيديو قديم، ورسالة مكتوبة بخط اليد
مش كل الأسرار لازم تتدفن… لكن لازم تُفهم قبل ما تُحكموا على أصحابها.
وصلنا الجهاز بالكهرباء بعد محاولات طويلة.
أدخلنا الشريط.
بدأ التسجيل.
ظهر أعضاء لجنة المراجعة جالسين حول طاولة كبيرة.
كان الصوت ضعيفًا، لكن الصورة واضحة.
أحد الأعضاء قال
إحنا راجعنا ملفات الولادة، وراجعنا نتائج المعمل، ومافيش أي دليل على خيانة أو تبديل متعمد للأطفال.
تنفست سارة بارتياح لأول مرة منذ شهور.
لكن عضوًا آخر قال بعدها مباشرة

المشكلة الحقيقية في سلسلة حفظ العينات. فيه عينة خرجت من المعمل بدون تسجيل، ورجعت بعد ساعات، وده خلى نتيجة أحد الاختبارات غير قابلة للاعتماد.
الدكتور حازم همس
وده نفس اللي كنت بقوله…
ثم ظهر رجل آخر في التسجيل، وجهه لم يكن واضحًا لأنه كان جالسًا بعيدًا عن الكاميرا.
قال
إعادة الاختبار هتحل المشكلة علميًا، لكن في حاجة أخطر اكتشفناها أثناء المراجعة.
كلنا اقتربنا من الشاشة.
الرجل أكمل
فيه ملف قديم جدًا يخص عائلة سارة، والملف ده لازم يتراجع قبل إصدار أي تقرير نهائي.
وفجأة…
توقف الشريط.
ليس لأنه انتهى.
بل لأن الجزء الأخير منه كان مقطوعًا بعناية.
نظر فؤاد إلى الشريط في ذهول.
وقال
حد قص آخر خمس دقائق بنفسه.

وفي اللحظة نفسها،  من داخل علبة الشريط ظرف صغير لم نكن قد انتبهنا إليه.
فتحته.
كان بداخله مفتاح آخر، أصغر من الأول.
ومعه بطاقة مكتوب عليها
المرحلة الأخيرة لم تبدأ بعد… لأن الحقيقة ليست في الأوراق، ولا في التحاليل… بل في الشخص الذي أخفى الدقائق الخمس الأخيرة من هذا الشريط.
رفعت البطاقة وأنا أشعر أن كل إجابة تقود إلى سؤال أكبر.
وقبل أن يتكلم أحد…
رن هاتف الدكتور حازم.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
سألته
مين؟
رد بصوت يكاد لا يُسمع
المتصل… هو نفس الموظف الذي اختفى منذ ثلاثين سنة، والمسجل في كل الملفات على أنه متوفى الدكتور حازم ظل ينظر إلى الهاتف كأنه لا يصدق ما يراه.
الاسم الذي ظهر على الشاشة كان مكتوبًا كما هو في السجلات القديمة.
محمود السيوفي.
الرجل الذي أعلنت الأوراق الرسمية وفاته قبل ثلاثين عامًا.
ساد الصمت.
رن الهاتف مرة ثانية.
ثم الثالثة.
قلت له
رد.
ضغط زر الإجابة ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
جاء صوت رجل مسن، هادئ وواضح
متخافوش… أنا مش جاي أهددكم.
سأل الدكتور حازم بسرعة
إنت عايش؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى