اخويا عنده متلازمة داون

اخويا عنده متلازمة داون و كل ما يجي عندي يقولي بيتك في ريحه وحشه نضف بيتك ! لدرجة انه مش بيطيق يقعد اكتر من عشر دقايق ، ومهما نضفنا وعطرنا يقول نفس الجمله ، وكانت صدمة عمري لما فهمت يقصد ايه!!!!
أنا نعيم، راجل ربنا كرمه واتجوزت وعشت حياتي، وبقى عندي بيت وعيال ومستورة والحمد لله. حياتي ماشية هادية زي أي راجل بيسعى على أكل عيشه وبيحمد ربنا على اللقمة
بس هي مشكلة واحدة بس اللي كانت منغصه عليا حياتي… أخويا الصغير نصر.
نصر عنده حوالي 18 سنة، ربنا خلقه بمتلازمة داون، بس الناس في منطقتنا وفي العيلة مش بيسموه غير من الطيبين أو من الدراويش. وش سمح، وضحكة صافية ما فيهاش غل، ونظرة عين بتعدي القلوب وتدخل في الروح على طول. أنا بحبه حب ما يعلم بيه إلا ربنا، وهو بالنسبة لي مش بس أخويا الصغير، ده البركة اللي في عيلتنا. بس نصر كان بيعمل معايا تصرف خلاني ليل ونهار أضرب كف بكف ومحتار في أمري.
كل ما أمي تيجيبه وتيجي تزورني في بيتي، ما يكملش عشر دقايق! يفضل قاعد مش على بعضه، يفرك في إيديه، ويهز في رجله، وعينيه تدور في زوايا السقف والحيطان كأنه شايف حاجة إحنا مش شايفينها. وبعدين ينطق بالجملة اللي
كانت بتنزل عليا زي الصاعقة
بيتك فيه ريحة وحشة يا نعيم… نضف بيتك!
في الأول، كنت باكل في نفسي من الكسوف وافضل مستغرب أصل مراتي ست بيت لهلوبة والنضافة عندها خط أحمر. بس لما أسمع نصر يقول كدة، كنت أتحرج من أمي، وأرجع أتعارك مع مراتي بعد ما يمشوا أنتِ مش مسحتِ الشقة؟ أنتِ مش واخدة بالك من نضافة البيت؟ الولد متضايق ومش طايق يقعد بسبب الريحة!
ومراتي تسكت وتحلف لي بيمينات ربنا إنها ماسحة ومخلية الشقة فلة.
الموضوع اتكرر مرة واتنين وعشرة. بقى طبع عند نصر، أول ما يدخل يشمشم في الهوا، ويكشر وشه، ويقول لي نفس الكلمة بيتك فيه ريحة وحشة يا نعيم!، وما يكملش عشر دقايق ويشد في هدوم أمي وهو مخنوق وبيدمع يلا نمشي يا أمه.. أنا مخنوق من الريحة!
وصلت لمرحلة إني بقيت أعمل طوارئ في البيت لو عرفت إن أمي ونصر جايين يزوروني. أقوم أنا ومراتي من النجمة، نهد الشقة ونبنيها تاني. نمسح بالديتول والكلور، ونولع بخور من الغالي، ونرش أحسن أنواع المعطرات اللي تجيب آخر الشارع. والله العظيم الشقة كانت بتبقى ريحتها ترد الروح، تسحب العقل من جمالها!
يجي نصر… يدخل من باب الشقة، يتنفس، وبعدين يكشر ويكتم مناخيره بإيده ويقول
بنفس النبرة برضه فيه ريحة وحشة يا نعيم… نضف بيتك!
أمي كانت تتكسف أوي، ووشها يجيب ألوان، وتهديه وتقولي يا بني ما تاخدش على كلامه، ده من الطيبين، يمكن بيتهيأله ولا حاجة.
بس أنا كنت أفضل متضايق، . أخويا اللي بحبه مش مرتاح في بيتي، حاسس إنه مخنوق عندي، ودي كانت اكتر حاجه بتضايقني.
لحد ما في يوم كنت عازم أمي ونصر على الغدا، وقايل لمراتي اعملي كل ما لذ وطاب. عملت صينية بطاطس باللحمة، وشوربة، ورز بشعرية يفتح النفس، وأول ما حطت الأكل على الترابيزة والريحة طالعة تغوي النايم… نصر بص للأكل، وراح زاق الطبق بإيده، ووقف فجأة وهو شايط!
يلا نمشي يا أمه! الأكل ريحته وحشة أوي! يلا نمشي!
مراتي اتسمرت مكانها من الكسوف، ووشها احمر ودارت دمعتها بالعافية. وأنا… أنا الدم غلى في عروقي ة خلاص طفح بيا الكيل. وقفت وزعقت فيه بصوت عالي لأول مرة في حياتي
نصر! أنت زودتها أوي! كفاية بقى! اقعد كُل، الأكل نضيف وما فيهوش أي حاجة! حرام عليك اللي بتعمله فينا ده!
نصر بص لي بنظرة عمري ما هنساها… نظرة طفل مظلوم بيضرب وهو مش فاهم هو اضرب ليه. عينيه اتملت دموع، وبدأ يبكي بصوت طالع بالعافية، ومسك في إيد أمي وهو بيرتعش
ويقول لها بانهيار نمشي يا أمه… نمشي… نمشي!
أمي بصت لي بعتاب ، وقامت وهي بتطبطب عليه وقالت لي حقك عليا يا نعيم، أخوك ما يقصدش… وأخدته من إيده ومشيت.
أول ما باب الشقة اتقفل، أنا حسيت بقلبي اتعصر. صمت رهيب نزل على البيت. مراتي وافقة بتبكي في الصالة، وأنا واقف مكاني حاسس إني أحقر بني آدم على وجه الأرض. أزاي أزعق لنصر؟ إزاي أكسر بخاطره وانا عارف ظروفه؟
ما استحملتش. نزلت أجري على السلم وراهم ألحقهم قبل ما يركبوا الميكروباص. لقتهم وافقين على أول الشارع، نصر مستخبي في ضهر أمي وبيمسح دموعه بياقة قميصه.
قربت منه وأنا كلي ندم، ومسكت إيده الباردة وقلت له ونفسي مقطوع
يا حبيبي أنا أسف… معلش يا نصر، حقك عليا يا أخويا، ما تزعلش مني يا طيب.
نصر بص لي… بياض عينيه كان محمر من البكا، ودموعه نازلة على خدوده. مسح بإيده، وبعدين قرب مني أوي، وميل على ودني علشان محدش يسمع اللي هيقوله
واللي قاله وقتها خلاني اتجمد مكاني من الصدمه واالذهول كلام ميتخيلهوش عقل !!!!!
ميل عليّ نصر، وحط إيده الصغيرة الباردة على كتفي، وصوته كان بيرعش بس فيه نبرة غريبة، كأنه مش طفل، كأنه حكيم طالع صوته من بئر بعيد مالوش نهاية.
قرب شفايفه من ودني







