سمع المليونير

فتح الملف.
وأخرج شهادة زواج قديمة.
ثم صورة لامرأة شابة.
شهق كريم.
المرأة في الصورة…
كانت تشبه ندى بصورة تكاد تكون مطابقة.
قال فؤاد:
“بعد الولادة، المستشفى أعلنت إن الطفلة ماتت.”
“لكن بعدها بأيام… وصلت لوالدك رسالة مجهولة.”
أخرج ظرفًا أصفر باهتًا.
كان مكتوبًا عليه بخط اليد:
“بنتك عايشة… لكن لو حاولت تدور عليها، هتخسرها للأبد.”
ساد الصمت.
ثم همس كريم:
“يعني… ممكن ندى تكون…”
قاطعه فؤاد.
“ممكن.”
“لكن فيه حاجة أخطر.”
“إيه هي؟”
نظر فؤاد إليه بقلق.
“أنا بحثت في الأوراق القديمة.”
“ولقيت إن شهادة ميلاد ندى… اتسجلت بعد ولادتها بثلاثة أسابيع، وباسم أب غير معروف.”
تجمد كريم.
وقبل أن ينطق…
رن هاتفه.
كان المتصل…
ندى.
رد بسرعة.
لكن صوتها لم يكن طبيعيًا.
كانت تبكي.
“أستاذ كريم… ماما وقعت فجأة، والدكتور بيقول لازم عملية عاجلة… وأنا معنديش المبلغ.”
وقف كريم فورًا.
وأغلق الملف.
فالسر الكبير يمكن أن ينتظر…
أما حياة والدة ندى، فلا.تجمد كريم في مكانه.
نظر إلى والدة ندى، ثم إلى فؤاد.
لكن الطبيب اقترب سريعًا.
“المريضة لسه تحت تأثير البنج… ممكن تقول كلام مش مترابط.”
أومأ كريم برأسه، لكنه لم يقتنع.
كان يرى الذعر في عيني المرأة قبل أن تغلقهما من جديد.
…
في اليوم التالي…
استعادت والدة ندى وعيها بالكامل.
دخلت ندى إليها أولًا.
احتضنتها بقوة.
“خوفتيني عليكي يا أمي.”
ربتت الأم على شعرها بحنان.
“أنا بخير يا حبيبتي.”
ثم نظرت إلى كريم، الذي وقف عند الباب.
“ممكن… أتكلم مع الأستاذ كريم لوحدنا؟”
استغربت ندى.
لكنها خرجت احترامًا لرغبة والدتها.
ما إن أُغلق الباب، حتى امتلأت عينا المرأة بالدموع.
قالت بصوت متهدج:
“أنا عارفة إنك بدأت تدور.”
لم ينكر كريم.
“مين ندى؟”
أغلقت المرأة عينيها للحظة.
ثم قالت:
“ندى بنتي… بالقلب.”
“لكن… مش بالدم.”
ساد صمت طويل.
وأضافت:
“من خمسة وعشرين سنة… كنت بشتغل ممرضة في مستشفى خاص.”
شعر كريم بأن قلبه بدأ يخفق بعنف.
“وفي ليلة مطر شديدة… حصلت كارثة.”
تنهدت.
“واحدة من الممرضات كانت مدينة بمبلغ كبير لعصابة بتتاجر في الأطفال.”
اتسعت عينا كريم.
“إيه؟”
“العصابة كانت بتخطف أطفال حديثي الولادة… وتزوّر شهادات الوفاة.”
قبض كريم على حافة الكرسي.
“كملي.”
“في الليلة دي… حاولوا ياخدوا طفلة من حضّانة الأطفال.”
“ولما اكتشفتهم… هددوني بالقت/ل.”
توقفت للحظة وهي تبكي.
“قدرت أخطف الطفلة منهم قبل ما يهربوا… وجريت بيها.”
همس كريم:
“ندى.”
هزت رأسها.
“أيوه.”
“ليه مبلغتيش الشرطة؟”
أجهشت بالبكاء.
“بلغت.”
“لكن قبل ما التحقيق يكتمل… كل الأدلة اختفت.”
“واتق/تل اتنين من الشهود.”
ساد الصمت.
“خفت.”
“وخفت أكتر لما وصلتني رسالة.”
أخرجت من درج صغير بجوار السرير ظرفًا قديمًا احتفظت به كل تلك السنين.
فتحه كريم.
كانت داخله ورقة صفراء.
ومكتوب عليها:
“لو الطفلة رجعت لأهلها… هتموت هي وإنتِ.”
تنهدت المرأة.
“هربت بيها من محافظة لمحافظة.”
“وغيرت اسمها.”
“وربيتها كأنها بنتي.”
رفع كريم عينيه إليها.
“ليه بتقولي الحقيقة دلوقتي؟”
ابتسمت وسط دموعها.
“لأن اللي هددوني… ماتوا من سنين.”
ثم أضافت وهي تنظر إليه مباشرة:
“ولأنك الشخص الوحيد اللي أقدر أسلّمه أمانتي.”
في تلك اللحظة…
رن هاتف كريم.
كان المتصل…
مختبر التحاليل.
رد فورًا.
وجاءه صوت الموظف:
“أستاذ كريم… نتيجة تحليل الحمض النووي ظهرت.”
توقف الزمن بالنسبة له.
“والنتيجة؟”
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال الموظف:
“النتيجة أكدت إن مفيش صلة أخوة بين حضرتك وبين الآنسة ندى.”
أغمض كريم عينيه ببطء.
شعر براحة غريبة…
لم يفهم سببها في البداية.
لكن بعد لحظة، أدرك الحقيقة.
الارتياح الذي شعر به…
لم يكن لأنه اكتشف أنها ليست أخته.
بل لأنه كان قد بدأ يقع في حبها، دون أن يعترف بذلك حتى لنفسه.ظل كريم ممسكًا بالهاتف لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة.
أعاد سماع الجملة في رأسه مرة بعد مرة.
“لا توجد صلة أخوة.”
تنفس بعمق.
ثم نظر إلى والدة ندى.
قالت وهي تراقب ملامحه:
“مش أخته… صح؟”
هز رأسه.
“لأ.”
ابتسمت ابتسامة مرتاحة.
“الحمد لله.”
استغرب كريم.
“إنتِ ليه ارتحتي؟”
ابتسمت بحنان.
“لأن الطريقة اللي كنت بتبص بيها لها… عمرها ما كانت نظرة أخ.”
احمر وجه كريم لأول مرة منذ سنوات.
ولم يجد ردًا.
…
في الخارج…
كانت ندى تجلس أمام غرفة والدتها، تقلب بين يديها إيصال المستشفى.
رأت الرقم المكتوب.
كادت تسقط الورقة من يدها.
أكثر من ستمائة ألف جنيه.
همست لنفسها:
“مستحيل…”
في تلك اللحظة خرج كريم.
ناولته الورقة.
“أنا لازم أرجع الشغل وأشتغل سنين… بس هرجعهم.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”







