Uncategorized

سمع المليونير

ابتسمت ندى.

“أكيد.”

نظرت دينا إلى كريم.

“ومين الأستاذ؟”

أجاب كريم بنفسه:

“كريم المنشاوي.”

اتسعت عينا دينا.

فهي تعرف الاسم جيدًا.

بل إن والد العريس كان يحاول منذ أشهر الحصول على موعد معه لعقد شراكة ولم ينجح.

ارتبكت.

“أهلًا وسهلًا…”

ثم التفتت إلى ندى بسرعة.

“ما كنتيش قولتي إنك مرتبطة.”

ردت ندى بهدوء:

“لأنك ما سألتيش.”

شعرت دينا وكأن الصفعة جاءت أمام الجميع.

بعد دقائق…

بدأت الهمسات تنتشر في القاعة.

“إزاي اتعرفوا؟”

“هي مش كانت شغالة؟”

“واضح إنها بنت ناس.”

“أكيد في حاجة مستخبية.”

أما كريم…

فلاحظ رجلًا في أواخر الستينيات يراقبه من بعيد دون أن يقترب.

كان يحمل ملفًا بنيًا قديمًا.

وعندما التقت عيناهما…

تغير وجه الرجل فجأة.

وكأنه رأى شبحًا.

همس لنفسه:

“مستحيل… دي نسخة منها.”

لم يكن ينظر إلى كريم…

بل كان ينظر إلى ندى.

ثم فتح الملف المرتجفة يداه، وأخرج صورة قديمة لامرأة شابة التُقطت قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا.

كانت تشبه ندى…

بشكلٍ صادم.

أما ندى، فلم تكن تعلم أن وجودها في هذا الزفاف لم يكن مجرد تمثيل…

بل بداية كشف سر دفنه الزمن لسنوات طويلة، سر سيقلب حياة كريم وحياتها رأسًا على عقب.ظل الرجل ممسكًا بالصورة، وعيناه لا تفارقان ندى.

“لا… مستحيل.”

همس بها مرة أخرى.

كانت المرأة في الصورة تبتسم بنفس الطريقة.

ونفس لون العينين.

حتى الشامة الصغيرة أسفل الذقن كانت في المكان نفسه.

أغلق الملف بسرعة قبل أن يراه أحد.

ثم اتجه نحو كريم.

في تلك الأثناء…

كانت دينا تراقب كل شيء من بعيد.

لم تستطع احتمال أن تكون ندى محط أنظار الجميع.

فاقتربت منها وهي تحمل كأس عصير.

وقالت بصوت مرتفع يكفي ليسمعه الواقفون حولهما:

“بصراحة يا ندى… أنا فرحانة إنك أخيرًا لقيتي حد.”

ابتسمت ندى بأدب.

“شكرًا.”

لكن دينا أكملت بابتسامة ساخرة:

“أصل بعد شغلك في تنظيف البيوت، كنت فاكرة إنك مش هتلاقي وقت للحب.”

ساد صمت ثقيل.

التفتت عشرات الوجوه نحو ندى.

وانخفضت ابتسامتها.

قبل أن تنطق بحرف…

تقدم كريم خطوة إلى الأمام.

وقال بهدوء جعل الجميع ينصت:

“ندى لا تخجل من عملها.”

ثم نظر إلى الحاضرين واحدًا تلو الآخر.

“العار ليس في العمل الشريف… العار في احتقار من يعمل.”

لم يجرؤ أحد على الرد.

وأضاف وهو ينظر إلى دينا مباشرة:

“البيت الذي تنظفه ندى كل صباح… هو بيتي.”

شهقت دينا.

وتبادل الحضور النظرات.

أما كريم فأكمل:

“ولو كانت عندي عشر شركات أخرى… سأكون محظوظًا لو وجدت فيها موظفين بإخلاصها.”

احمر وجه دينا خجلًا.

ولأول مرة في حياتها…

لم تجد كلمة واحدة تسخر بها.

أما ندى…

فشعرت بعينيها تمتلئان بالدموع.

ليس لأنه دافع عنها.

بل لأنه دافع عن كرامة كل شخص يعمل بيده.

في تلك اللحظة…

وصل الرجل المسن إلى كريم.

وقال بصوت منخفض:

“ممكن دقيقة… لو سمحت.”

التفت كريم إليه.

“اتفضل.”

فتح الرجل الملف ببطء.

وأخرج الصورة القديمة.

“البنت اللي معاك…”

نظر كريم إلى الصورة.

ثم إلى ندى.

وتجمد مكانه.

التشابه كان مخيفًا.

قال الرجل:

“أنا اسمي فؤاد عزام.”

“وكنت المحامي الخاص بوالدتك… الله يرحمها.”

انعقد حاجبا كريم.

“إيه علاقة ده بندى؟”

أخذ الرجل نفسًا عميقًا.

ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:

“من خمسة وعشرين سنة… والدك كان بيدور على طفلة اختفت من المستشفى بعد ولادتها بساعات.”

شحب وجه كريم.

“إنت بتقول إيه؟”

نظر فؤاد إلى ندى، ثم قال:

“لو كلامي صح… فالبنت دي ممكن تكون أختك.”

وفي اللحظة نفسها…

كانت ندى تقترب منهما وهي تبتسم، دون أن تعرف أن حياتها كلها على وشك أن تتغير بسبب سر ظل مدفونًا ربع قرن.توقفت ندى أمامهما وهي تبتسم.

“فيه حاجة؟”

أغلق فؤاد الملف بسرعة.

وقال بابتسامة متوترة:

“لا… كنت بس بسلم على أستاذ كريم.”

نظر إليه كريم نظرة فهمها الرجل فورًا.

ليس هنا.

هز فؤاد رأسه وغادر بهدوء.

أما كريم، فظل ينظر إلى ندى وكأنها شخص يراه لأول مرة.

ملامحها…

لون عينيها…

حتى طريقتها في الابتسام.

كل شيء أصبح يثير داخله ألف سؤال.

لاحظت ندى شروده.

“حضرتك كويس؟”

انتبه على صوتها.

“آه… بس عندي شوية شغل لازم أخلصه بعد الفرح.”

لم يرد أن يربكها بشيء لم يتأكد منه.

انتهى حفل الزفاف بعد ساعات.

وأثناء عودتهما في السيارة، كان الصمت يملأ المكان.

قطعت ندى الصمت قائلة:

“شكرًا.”

نظر إليها.

“على إيه؟”

“إنك ما سمحتش لحد يهيني.”

ابتسم بخفة.

“أنا قلت الحقيقة.”

ثم سألها فجأة:

“ندى… والدك فين؟”

استغربت السؤال.

“اتوفى وأنا عندي ثلاث سنين.”

“وعندك صور ليه؟”

هزت رأسها.

“ولا صورة… أمي كانت بتقول إن كل الصور ضاعت بعد الحريق اللي حصل في بيت جدي.”

ازدادت حيرة كريم.

وسأل بهدوء:

“اتولدتي في القاهرة؟”

“لا… في المنصورة.”

توقف عن السؤال.

لكنه قرر شيئًا في تلك اللحظة.

لن يخبرها بأي كلمة…

إلا بعد أن يتأكد مئة بالمئة.

في صباح اليوم التالي…

وصل كريم إلى مكتبه قبل الجميع.

وكان فؤاد ينتظره.

وضع الملف على المكتب.

وقال:

“قبل خمسة وعشرين سنة، والدك اتجوز قبل والدتك الحالية بسنة.”

رفع كريم رأسه بسرعة.

“إيه؟”

“الجواز استمر شهور قليلة… والزوجة كانت حامل.”

اتسعت عينا كريم.

“أنا أول مرة أسمع الكلام ده.”

تنهد فؤاد.

“لأن والدك أخفى الموضوع عن الكل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى