عندي ٦٧ سنة

سيبت الأثر.
بصيت حواليّا.
في الضحك.
وفي الزرع.
وفي الناس اللي رجعت تعيش.
وفهمت قصده.
بعد شهور قليلة…
رحل داوود.
في هدوء.
زي ما كان عايش.
بكيت…
بكيت كتير.
لكن لأول مرة…
كان الحزن مخلوط بالامتنان.
الفصل الحادي عشر – بعد خمس سنوات
وقفت قدام البيت الأزرق.
الشعر الأبيض زاد.
والتجاعيد كترت.
لكن الابتسامة…
رجعت زي زمان.
على باب البيت…
علقت لافتة صغيرة.
مكتوب عليها:
“قل نعم للحياة… مهما تأخر العمر.”
كل ضيف كان يسألني:
— مين كتب الجملة دي؟
أبتسم.
وأرد:
— صاحب أجمل مفاجأة حصلت في حياتي.
ثم أفتح الباب…
وأرحب بكل قلب مكسور…
عارفة إنه ممكن يخرج من المكان ده…
وهو بيضحك من قلبه مرة تانية.
الفصل الثاني عشر – الزائر الغامض
مرّت سبع سنين.
والبيت الأزرق بقى معروف بين الناس.
كل شهر…
كان ييجي حد جديد.
وفي صباح خريفي…
وقفت عربية قديمة قدام البيت.
نزل منها شاب في أواخر الثلاثينات.
ملامحه هادية…
لكن عينيه مليانة حزن.
قرب مني وقال:
— حضرتك الأستاذة نادية؟
ابتسمت.
— أيوه.
مدلي ظرف أصفر قديم.
وقال:
— ده كان عند والدي.
وقال ما يتفتحش غير لما أوصله لحضرتك.
بصيت للظرف.
كان مكتوب عليه بخط داوود:
“لا يُفتح إلا بعد سبع سنوات.”
قلبي دق بسرعة.
الفصل الثالث عشر – الرسالة الأخيرة
دخلت أوضتي.
قفلت الباب.
وفتحت الظرف.
كان فيه جواب طويل.
أول سطر فيه خلاني أبتسم وأنا بعيط.
“لو الرسالة دي وصلتلك… يبقى إنتِ لسه بتقولي للحياة: أيوه.”
كملت القراءة.
“أنا عارف إنك زعلانة إني مشيت قبلك.
بس أوعي تعتبري إن قصتنا انتهت.
فيه حاجة عمري ما حكيتها ليكي.
قبل ما أقابلك بسنتين… كنت ناوي أنهي حياتي.
كنت فاقد كل معنى.
وكنت رايح البحر آخر مرة.
لكن طفل صغير وقع قدامي وهو بيلعب.
شيلته… وضحكلي.
ومن يومها فهمت إن ربنا لسه مأجلني لحاجة.
والحاجة دي… كانت إنتِ.”
وقفت القراءة.
الدموع كانت نازلة على الورق.
الفصل الرابع عشر – الوصية
كملت الرسالة.
“في الدرج اللي جنب سريري في البيت الأزرق… هتلاقي مفتاح صغير.
المفتاح ده يفتح صندوق خشب.
والصندوق فيه كل ذكرياتي مع مراتي… وصوري القديمة… ورسائلها.
لو جه اليوم اللي تحسين فيه إنك جاهزة… احرقي كل الرسائل.
مش لأن ذكرياتها وحشة.
لكن لأن الذكرى مكانها القلب… مش الورق.
وأنا واثق إنك هتعرفي إمتى الوقت المناسب.”
قفلت الرسالة.
وقعدت أبكي…
مش على فراقه.
لكن على كمية السلام اللي كان سايبها في كل كلمة.
الفصل الخامس عشر – حفيدة صغيرة
بعد أسبوع…
وصلتني بنت صغيرة مع جدتها.
كان عندها حوالي عشر سنين.
أول ما دخلت الجنينة قالت:
— هو هنا؟
ابتسمت.
— مين؟
قالت:
— الراجل اللي بيخلي الناس تضحك.
اتجمدت.
قلت:
— عرفتيه منين؟
قالت:
— جدو قبل ما يموت كان دايمًا يحكيلي عنه.
ويقول:
“لو حسيتِ الدنيا ضاقت… روحي البيت الأزرق.”
بصيت لجدتها.
قالت وهي تبتسم:
— جوزي كان من أوائل الناس اللي استضافهم داوود هنا.
خرج من البيت ده إنسان تاني.
وقبل ما يموت…
وصاني أجيب حفيدته.
ساعتها…
فهمت إن الخير عمره ما بيقف عند شخص.
بيكمل…
وينتقل…
من قلب لقلب.
الفصل السادس عشر – النهاية التي لا تنتهي
في عيد ميلادي الخامس والثمانين…
كان البيت مليان ناس.
كبار في السن.
وأحفادهم.
وضحك.
وأغاني قديمة.
وقفت قدام صورة داوود.
وقلت بصوت واطي:
— فاكر أول يوم قلتلي عندك مفاجأة؟
ابتسمت.
وكملت:
— طلعت المفاجأة مش العشا…
ولا البيت…
ولا حتى الحب.
المفاجأة…
إنك رجعتني لنفسي.
قبل ما أسافر مالطا…
كنت مستنية الأيام تعدي.
لكن بعد ما عرفتك…
بقيت أعد الأيام اللي عشتها بجد.
رفعت عيني للسماء.
وهمست:
— الحمد لله…
إني قلت للحياة…
“أيوه.”
ومن يومها…
كل حد يدخل البيت الأزرق…
كان يلاقي على الحائط جملة واحدة مكتوبة بخط داوود:
“لا يوجد عمر متأخر لتبدأ الحياة… يوجد فقط قلب قرر ألا يبدأ.”
بعد انتهاء الموسم…
رجعت مصر.
رجعت لنفس الشقة…
ونفس الشارع…
لكن أنا…
ماكنتش نفس الست.
بقيت أصحى بدري.
أمشي.
أقابل الجيران.
وأضحك من غير سبب.
وفي يوم…
لقيت جواب تحت باب الشقة.
مكتوب عليه:
“إلى الأستاذة نادية.”
فتحته.
كان من بنت صغيرة اسمها مريم.
كتبت:
“أنا شوفت حضرتك في البيت الأزرق السنة اللي فاتت. كنت فاكرة إن الحياة خلصت بعد وفاة جوزي وأنا عندي ستة وثلاثين سنة. حضرتك قلتيلي: «الحزن مش نهاية الطريق… هو أول خطوة فيه.»
أنا رجعت اشتغلت… وربيت ولادي… وفتحت مشروع صغير.
كنت عايزة أقول لحضرتك شكرًا.”
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين حطيتها جنب رسالة داوود.
وقلت وأنا بابتسم:
— أهو الخير بيكمل.
الفصل الثامن عشر – المفاجأة الجديدة
بعد أسبوعين…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت بنتي.
ومعاها أحفادي.
كلهم داخلين بابتسامات غريبة.
قلت:
— خير؟
ضحكت بنتي وقالت:
— المرة دي… دورنا إحنا نفاجئك.
نزلنا كلنا تحت العمارة.
وقفت قدام عربية ميكروباص.
مكتوب عليها:
“رحلة الحياة تبدأ من هنا.”
استغربت.
قالت بنتي:
— فاكرة لما رجعتي من السفر وقلتي إن نفسك تشوفي الأقصر وأسوان؟
هزيت راسي.
قالت:
— إحنا حجزنا لك رحلة نيلية كاملة.
ومش لوحدك…
فيه عشرين ست ورجل في سنك…
كلهم أول مرة يسافروا.
حطيت إيدي على وشي.
والدموع نزلت.
قلت:
— يعني أنا هبقى سبب إن حد تاني يعيش اللي أنا عشته؟
قالت وهي حضنتني:
— إنتِ السبب من زمان.
الفصل التاسع عشر – لقاء غير متوقع
في أول يوم من الرحلة…
كنت قاعدة على سطح المركب.
بشرب شاي.
لقيت راجل كبير قرب مني.
وقال وهو بيضحك:
— واضح إنك أول مرة تيجي هنا.
ضحكت بصوت عالي.
وقلت:
— الجملة دي سمعتها قبل كده.
قعد جنبي.
وقال:
— أنا اسمي يوسف.
قلت:
— وأنا نادية.
ابتسم وقال:
— تحبي نحكي لبعض حكاياتنا؟
بصيت للنيل.
وافتكرت أول مرة قابلت داوود.
وساعتها…
ابتسمت.
وقلت:
— أيوه…
بس المرة دي…
أنا اللي هبدأ الحكاية.
الفصل العشرون – الحكاية التي لا تنتهي
قعد كل اللي على المركب يسمعوا.
حكيت لهم عن خوفي.
وعن أول طيارة.
وعن مالطا.
وعن الراجل اللي علمني إن العمر مش بيتقاس بالسنين.
لما خلصت…
لقيت الستات كلها بتسقف.
واحدة منهم قامت وقالت:
— بسببك…
أنا قررت أول ما أرجع أتعلم أقرأ وأكتب.
وقال راجل تاني:
— وأنا هصالح أخويا بعد خصام عشرين سنة.
وفي اللحظة دي…
بصيت للسماء.
وهمست:
— شوفت يا داوود؟
لسه الناس…
بتقول للحياة…
“أيوه.”
وهكذا، اكتشفت نادية أن بعض القصص لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تبدأ في قلوب أشخاص آخرين يحملون نفس النور ويكملون الطريق.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








