قصص و روايات

جارتي سوزان

أخذت جارتي سلوى، ذات الستة والسبعين عامًا، إلى بيتي بعدما تركتها عائلتها وحدها خمس سنوات… ثم ظهروا أمام بابي واتهموني بمحاولة سرقة منزلها «إنت عايز تسرق بيتها!» كان أحمد يصرخ أمام باب شقتي بصوت مرتفع، حتى بدأ بعض الجيران يخرجون من شققهم ليروا ما يحدث.

 

وقال وهو يشير إليَّ بعصبية:

مقالات ذات صلة

«إنت مستغل إنها بتموت ومفيش حد من أهلها جنبها! إحنا هنبلغ الشرطة حالًا!»

وقفت أمامه ولم أجب.

خمس سنوات.

هذه هي المدة التي مرت منذ أن زارت عائلة سلوى والدتهم للمرة الأخيرة.

وأنا أعرف ذلك جيدًا، لأنني كنت أعيش في العمارة المقابلة لبيتها في أحد أحياء القاهرة الهادئة، وكنت أراها وحدها كل يوم تقريبًا.

اسمي سامح، أبلغ واحدًا وثلاثين عامًا، وأعمل من المنزل.

كانت حياتي هادئة، إلى أن بدأت حالة سلوى الصحية تتدهور.

كانت في السادسة والسبعين، ضعفت كثيرًا خلال الشهور الأخيرة، وأصبحت بالكاد تستطيع الاهتمام بنفسها.

لم يكن لديها من يعتني بها.

فاتخذت قرارًا لم يتوقعه أحد.

عرضت عليها أن تنتقل إلى شقتي مؤقتًا، إلى أن تتحسن حالتها أو نجد لها من يرعاها.

وافقت.

ومنذ ذلك اليوم، تغيرت حياتي بالكامل.

أصبحت أيامي تدور حول مواعيد الأدوية، وإعداد الطعام، ومواعيد الأطباء، وغسل الملابس، وتغيير أغطية السرير، والاطمئنان عليها طوال الليل.

كان أصدقائي يسألونني باستمرار:

«إنت بتعمل كل ده ليه؟ دي مش قريبتك حتى.»

وكنت أكتفي بالقول:

«لأنها محتاجة حد جنبها.»

لكن عائلة سلوى لم تكن ترى الأمر بهذه الطريقة.

فبعد أن علموا أنها تقيم في شقتي، بدأوا يتهمونني باستغلال ضعفها.

قال أحمد، ابن شقيقها، إنني أحاول السيطرة عليها.

وقالت منى، ابنة شقيقتها، إنني أريد الحصول على أموالها.

وبدأوا يلمحون إلى أنني أحاول الاستيلاء على منزلها.

بل إن أحمد هدد أكثر من مرة بإبلاغ الشرطة، مدعيًا أنني أعزل سلوى عن أهلها وأمنعهم من رؤيتها.

لكن الحقيقة كانت أبسط بكثير.

أنا لم أمنع أحدًا من زيارتها.

هم الذين لم يأتوا أصلًا.

خمس سنوات كاملة.

لم يسألوا خلالها عنها إلا نادرًا.

ولم تكن هناك أي أوراق نقل ملكية، ولا توكيلات، ولا حسابات مشتركة بيني وبينها.

كل ما فعلته أنني فتحت لها باب شقتي عندما لم تجد بابًا آخر تطرقه.

ومع ذلك، لم أجادلهم.

كلما زادت اتهاماتهم، كنت أغلق الباب وأعود إلى غرفة سلوى.

أعدل وسادتها.

أعطيها دواءها.

وأتأكد أنها مرتاحة.

لكن هناك شيئًا واحدًا لم يعرفه أحد.

شيء كان يحدث داخل تلك الغرفة كل ليلة، في تمام الساعة التاسعة.

بعد أن تتناول سلوى دواءها، وتستقر تحت الغطاء، كنت أسحب الكرسي الخشبي نفسه وأضعه بجوار سريرها.

كان ضوء الغرفة خافتًا، ولا يبقى مضاءً سوى مصباح صغير بجوار السرير.

ثم أجلس إلى جوارها.

وأخبرها بشيء أخفيه عن الجميع منذ سنوات.

سر.

ندم.

وحقيقة لم أجرؤ على الاعتراف بها لأي شخص من قبل.

لم تكن سلوى تقاطعني.

ولم تكن تسألني أسئلة كثيرة.

كانت تستمع فقط.

وأحيانًا، كنت أرى الدموع تتجمع في عينيها.

وأحيانًا كانت تمد يدها المرتجفة وتضع أصابعها فوق يدي.

ثم تقول بهدوء:

«كمّل يا سامح… أنا سامعاك.»

وفي الليلة التالية، كنت أعود إلى الكرسي نفسه.

وفي الليلة التي بعدها أيضًا.

حتى أصبحت الساعة التاسعة بالنسبة إليَّ موعدًا لا أستطيع تفويته.

كانت عائلة سلوى تظن أنني أستغل امرأة مريضة.

وكانوا مقتنعين بأنني أريد منزلها.

وكانوا يعتقدون أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث خلف باب غرفة نومها.

لكنهم لم يعرفوا أبدًا ما الذي كنت أقوله لها كل ليلة.

ولو عرفوا الحقيقة…

ربما لم يكونوا قد وقفوا أمام بابي أصلًا.

بعد ثلاثة أسابيع من انتقال سلوى إلى شقتي، ساءت حالتها فجأة.

اتصلت بالطبيب، ونقلتها إلى المستشفى.

وقضيت الليل كله بجوارها.

وفي صباح اليوم التالي، اتصلت بي منى.

قالت ببرود:

«إحنا عرفنا إنها في المستشفى. هنعدي ناخدها ونرجعها بيتها.»

أجبتها:

«هي مش قادرة ترجع تعيش لوحدها.»

فقالت:

«إنت مالك؟ هي أمنا إحنا.»

نظرت إلى سلوى التي كانت نائمة على سرير المستشفى، ثم قلت:

«اسألوها هي.»

بعد ساعات، جاء أحمد ومنى إلى المستشفى.

ولأول مرة منذ سنوات، اجتمعت العائلة حول سلوى.

لكن سلوى لم تكن غافلة.

نظرت إليهم واحدًا تلو الآخر.

ثم قالت بصوت ضعيف:

«فين كنتوا من خمس سنين؟»

لم يجب أحد.

كان الصمت كافيًا.

بعد يومين، عادت سلوى إلى شقتي بإرادتها.

وهنا قرر أحمد أن يتصرف.

في صباح اليوم التالي، وقف أمام باب شقتي ومعه منى، وبدأ يصرخ أمام الجيران:

«إنت بتحاول تستولي على بيتها! إحنا هنبلغ الشرطة!»

فتحت الباب.

كان عدد من الجيران قد تجمعوا في الممر.

قال أحمد:

«سلّمنا خالتي، وإلا هنطلب الشرطة دلوقتي!»

نظرت إليه وقلت:

«اتصل.»

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى