قصص و روايات

بعد ٤ بنات ربنا رزق جوزي ولد

— ما لحقش يقول لك! أنت أكلت حقه وراميته في السجن قبل ما يفرح ببيته! مراته ماتت من حزنها بعد ما اتسجن بشرين، وأنا اللي أخدت البنت وربيتها. طول السنين دي وأنا مستنية اليوم اللي أرجع فيه حق أخويا، وعرفت كل حاجة عنك… تابعت حياتك، وعرفت إنك لسه بتدور على ولد يشيل اسمك، وعرفت المستشفى اللي مرتك كانت بتولد فيها!
نزلت كلماتها عليّ كالمياه الباردة، شعرت ببرودة تسري في أطرافي وصرخت فيها بقلب أم مفجوع:
— أنتِ تقصدي إيه؟ اتكلمي بصراحة! الولد ده ابني… التحليل أثبت إنه ابننا! أنتِ جاية تعملي إيه هنا؟

التفتت إليّ إلهام، ولأول مرة تحن ملامحها القاسية وهي تنظر إلى دموعي، وقالت بصوت خفضت نبرته قليلاً:
— يا هانم… أنا مش جاية أتبلى عليكِ ولا أظلمك، التحليل صح… الطفل ده ابنكم البيولوجي فعلاً، لكن الحقيقة اللي محمود ما يعرفهاش إن الجينات والأحفاد مابتموتش. بنت عادل كبرت، واتجوزت… وقبل تسع شهور، كانت بتولد في نفس المستشفى ونفس الليلة اللي أنتِ كنتِ بتولدي فيها!
وقفت مشدوهة لا أفهم شيئاً، بينما رفعت إلهام رأسها وقالت بكلماتزلزلت أركان الغرفة:
— بنت عادل ولدت ولد، وفي نفس الساعة أنتِ ولدتي الولد ده. أنا ما بدلش أطفال ولا سرقت…

بس لما شفت ابن بنت أخويا اللي اتولد بنفس ملامح عادل بالضبط، وشفت ابنكم اللي نزل بملامح عائلتك الخمرية… عرفت إن ربنا بعت لي الفرصة على طبد من ذهب!
شهقت بقوة وقلت:
— عملتِ إيه يا مجنونة؟
قالت ببرود مرعب:
— اتفقت مع ممرضة ضعيفة النفوس في المشتل… وبدلت العينات، وبدلت الأسورة من أيد الأطفال في لحظة السهو الأولى! الولد اللي في حضنك ده… هو ابن بنت عادل! والولد اللي نزل من بطنك بملامح محمود وعيلتك… هو اللي بيكبر دلوقتي في حضن بنت أخويا!
سقطت على الأرض وركبتي لم تعد تحملانني، والصغير بدأ يصرخ بين يديّ.

مقالات ذات صلة

قام محمود كالمجنون وهجم عليها يمسك بتلابيبها وهو يصرخ بهستيريا:
— أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ جنيتي؟ بدلتِ الولاد؟ يعني الولد ده مش ابني؟ التحليل طلع إيجابي إزاي؟
دفعت يده عنها بقوة وقالت بثقة:
— التحليل طلع إيجابي لأن الممرضة اللي أخدت العينة للتحليل كانت تبعي كمان! زورنا النتيجة عشان تقعد شاكك في مرتك وتتأكل من جوة، عشان تدوق طعم الشك والعذاب اللي عادل عاشه في السجن! عشان تفتكر كل يوم إنك أكلت حق يتيمة!
كانت الشقة تغلي، البنات الأربع خرجن من الغرف يبكين من صراخنا، ومحمود يتنفس بصعوبة وشفتيه تزرقان من الصدمة. أفكاري كانت تتضارب بشكل جنوني…

الطفل الذي أرضعته لمدة أسبوع وأحببته واعتبرته عوض سنوات تعبي، ليس ابني؟ وابني الحقيقي، القطعة مني ومن أحشائي، يتربى في بيت أناس غرباء بسبب انتقام قديم؟
سقط محمود على الأرض فاقداً للوعي من هول الصدمة، بينما وقفت إلهام تنظر إلينا وقالت ببرود قبل أن تتجه نحو الباب:
— النتيجة الحقيقية للتحليل الأولاني والتحليل الأصلي معايا… ابنك الحقيقي موجود يا محمود، لو عاوز ترجع ابنك وتنقذ بيتك… هترجع أرض عادل وبزيادة، وهتكتب نص أملاكك باسم بنته يتيمة الأب اللي أنت حرمتها من أبهًا! قدامك 48 ساعة…

يا إما هختفي بالولد الحقيقي، وهتفضل طول عمرك مربي ابن الراجل اللي أنت قتلتوه بظلمك!
خرجت وإغلاقت الباب خلفها بقوة، لترن صدامات كلماتها في أذني كأجراس الخطر.
أنحنيت على محمود أحاول إفاقته وأنا أبكي بحرقة، ممسكة بالطفل الذي ضممته إلى صدري… طفل لا ذنب له، أصبحت أراه فجأة كقنبلة موقوتة تهدد بدمار عائلتي بالكامل. هل أضحي بهذا الصغير الذي ارتبطت به ليعود إليّ ابني الحقيقي؟ أم كيف سنواجه هذا الذي هدّد شرفنا وأموالنا وأطفالنا؟

ستعدت وعيي وصحوت على صوت أنفاسي المتلاحقة، بينما كان محمود مستلقياً بجواري على الأرض كالجسد بلا روح. استجمعت بقايا قوتي وقمت بسحبه وصنع كمادات باردة له حتى بدأ يفتح عينيه ببطء.
كانت عينان محمود تنطقان بالانكسار والضياع. لم يتكلم، بل أخذ ينظر إلى السقف بجمود تام، بينما كان الصغير الملتف في الفراش المجاورة يبكي بصوت خافت كأنه يشعر بالزاوية الحرجة التي وضع فيها.
جلست أمامه على الأرض، وأمسكت بيده المرتعشة وقلت له بصوت حازم وجاد:
— محمود… القعدة والانهيار مش هيحلوا حاجة. قدامنا أقل من يومين، وعندنا قرارات لازم تتاخد حالا

ابننا الحقيقي برة في إيد ناس غرباء، والطفل ده مالوش أي ذنب في القرف والتار اللي بينكم!
جلس محمود ببطء، ووضع يديه على وجهه وهو ينتحب بصوت مكتوم:
— أنا السبب يا نادية… أنا اللي جبت لكم الشوم ده كله! طمعي زمان هو اللي بيحرقنا دلوقتي. أنا مستعد أكتب لها كل ما أملك، مستعد أبيع هدومي، بس أرجع ابني وأخلص من الكابوس ده!
لكن قلبي كان يعتصر. كيف أترك هذا الطفل الصغير الذي غمرته بحناني وأرضعته من صدري وصار جزءاً من كياني، حتى لو لم يكن من أحشائي؟ كيف أسلّمه لامرأة ملأ الانتقام قلبها حتى صار كالحجر؟

في صباح اليوم التالي، قرر محمود عدم الانتظار لانتهاء المهلة. قام باتصالات مكثفة وحرر كل الأوراق القانونية التي تنازل بموجبها عن الأرض القديمة، بالإضافة إلى كتابة نصف عقاراته وممتلكاته باسم “بنت عادل”. كان يوقع الأوراق بآلية شديدة، وكأنه يوقع على وثيقة نجاته من النار.
اتصلنا برقم إلهام، واتفقنا على اللقاء في مكان محايد داخل إحدى المستشفيات الكبرى، لضمان إجراء الفحوصات الطبية وتحاليل البصمة الوراثية الحقيقية فوراً قبل أي تسليم أو تسلم.
وصلنا إلى المستشفى، وكانت إلهام تنتظرنا هناك، وبجوارها فتاة شابة في عشرينيات عمرها، ملامحها هادئة يكسوها الحزن، وتحمل بين يديها طفلاً رضيعاً ملوفاً بدثار أزرق.

عندما وقعت عيني على الرضيع الذي تحمله تلك الفتاة… شعرت بقشعريرة تسري في جسمي بأكمله. نداء الأمومة لا يخطئ؛ كان الطفل يملك نفس البشرة الخمرية الناعمة، ونفس الملامح التي تماثل بناتي الأربع تماماً عند ولادتهن. انهارت دموعي رغماً عني، وأدركت في تلك اللحظة أن هذا الرضيع هو قطعتي المفقودة وابني الذي حملته تسعة أشهر.
تقدم محمود ونشَر الأوراق والكتب الرسمية أمام إلهام، وقال بصوت جاد ومجهد:
— الأوراق أهي… التنازلات كاملة وموثقة ومصحوبة بتوقيعي ورقمي القومي. الأرض والممتلكات بقت باسم بنت عادل. أظن كدة حَقكم رجع وزيادة.
أخذت إلهام الأوراق وتفحصتها بدقة مع محاميها الخاص الذي كان يرافقها، ثم أومأت برأسها وقالت:
— كدة حق أخويا رجع، والبنت أخدت حقها اللي انحرمت منه سنين.
تقدمت الفتاة الشابة (بنت عادل) نحو محمود، وكانت عيناها مليئتين بالدموع، وقالت له بنبرة مؤثرة:
— أنا ما كنتش اعرف إن عمتي هتعمل كل ده… ولا كنت أعرف إنها بدلت الولاد. أنا عرفت الحقيقة منها من يومين بس، ولما شفت ابنكم معايا وعرفت إن ابني عندكم، قلبي اتكسر. أنا مش عاوزة فلوسك يا أستاذ محمود… أنا بس كنت عاوزة أعرف ليه حرمت أبايا من حريته.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى