لو نفسك يا امي في الحفيد الولد

أنا ما قدرتش أتكلم.
لكن مريم قالت بصوت صغير:
— بابا… تيتة خدت الجمبري بتاعي لياسين.
أحمد سكت.
ثواني طويلة عدت كأنها دقايق.
وبعدين مد إيده وخد الكيس من إيد أمه.
فتحه.
شاف الجمبري لسه زي ما هو.
بص لأمه وقال بهدوء غريب:
— مريم حتى ما لحقتش تدوقه.
حماتي بدأت تتكلم بسرعة:
— يا ابني أنا أمك، وياسين ولد، والولد أولى بالحاجات دي، وبعدين إنت مراتك هي اللي مكبرة الموضوع…
أحمد قاطعها:
— أمي، كفاية.
سكتت.
أول مرة أشوفه بيتكلم معاها بالشكل ده.
حط الكيس على السفرة وقال:
— من النهارده، محدش هياخد حاجة من بنتي.
حماتي شهقت:
— إنت بتتكلم معايا أنا كده؟
قال:
— أيوه.
وبعدين مسك موبايله واتصل بأخوه سامح.
— سامح، تعالى خد أمي.
سامح رد عليه من الناحية التانية.
أحمد قال:
— أمي بتقول إنها عايزة تعيش معاكم.
سكت شوية.
وبعدين سمعنا صوت سامح بيقول:
— يا أحمد، إنت عارف إن البيت عندي صغير، ولورين مش هتقدر تستحمل وجود حد معانا دلوقتي… خليها عندك وإحنا نشوف الموضوع بعدين.
وش أحمد اتغير.
قفل المكالمة وبص لأمه.
حماتي كانت مصدومة.
لكن بدل ما تعترف إنها غلطانة، بصت لي أنا وقالت:
— كل ده بسببك إنتِ! من ساعة ما دخلتي البيت وإنتِ بتحاولي توقعي ابني في أمه!
وبعدين بصت لمريم وقالت بغضب:
— والبنت دي هي اللي خلتك تنسى أهلك!
مريم خافت وجريت استخبت ورا أبوها.
أحمد ضمها لصدره.
وبص لأمه بنظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده.
لكن اللي حصل في الليلة دي ما كانش مجرد خناقة على كيس جمبري.
حماتي قررت تنتقم.
واللي عملته بعدها كشف سر قديم في العيلة… سر أحمد نفسه ما كانش يعرفه.
سر خلى كل حاجة حصلت خلال الست سنين اللي فاتوا تاخد معنى مختلف تمامًا.
وفي صباح اليوم التالي…
دخلت علينا واحدة من غير ميعاد.
وأول ما حماتي شافتها، وشها اتغير تمامًا.
لأن الست دي كانت آخر إنسانة تتمنى إنها تظهر قدامنا.
الفصل الثاني
الست اللي دخلت فجأة كانت لابسة عباية سودة شيك، وملامحها حادة ومش ناسية أي تفصيلة من وشها، رغم إن السنين سابت علاماتها تحت عينيها. كانت ماشية بثقة كأنها صاحبة المكان، وفي إيدها شنطة جلد قديمة بس متصانة كويس. أول ما حماتي شافتها، كيس النايلون اللي كان في إيدها وقع، ورجليها ما شالتهاش، فقعدت على أول كرسي قابلها وهي بتبص للست بدهشة خالتها خوف حقيقي.
أحمد بصلها باستغراب، ونزل مريم من حضنه ببطء وهو بيسأل بصوت متوتر:
— خير يا طنط؟ إنتِ مين؟ ودخلتي إزاي كده؟
الست بصت لأحمد بابتسامة غريبة، ابتسامة فيها وجع على حصرة على شفقة، وقالت بصوت هادي بس يرن في الصالة كلها:
— أنا خالك يا أحمد… قصدي، أنا خالته لسامح. أنا “جمالات”، أخت أباك الله يرحمه الصغيرة. اللي مقاطعة العيلة دي من يجي عشرين سنة بسبب الساحرة اللي قاعدة عندك في الصالة دي.
حماتي وقفت بسرعة وهي بتصرخ وصوتها بيرتعش من الغيظ:
— اطلعي برة يا جمالات! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ جاية تخربي بيوت ولادي بعد العمر ده كله؟ امشي برة قبل ما أنادي على البواب يرميكي!
الست جمالات ضحكت بتهكم وربعت إيدها:
— ترميني؟ ده أنا جاية أنقذ باقي عمر ابن أخويا اللي إنتِ دايسة عليه ورامية شقاه تحت رجليين ابنك سامح! جاية أقول الحق اللي سكتت عنه عشان خاطر المحروم أخويا قبل ما يموت، بس لما عرفت باللي بتعمليه في العيلة وبنت أحمد الصغيرة، قلت لأ… لحد هنا والظلم لازم يقف.
أنا واقفة جمب أحمد ماسكة إيده، وحاسة إن في مصيبة كبيرة مستنية تتكشف. أحمد كان بيتنفس بصعوبة، بص لأمه وقال بصوت جامد:
— اقعدي يا أمي. وإنتِ يا طنط جمالات، قولي اللي عندك. سر إيه ده اللي بتتكلمي عنه؟ وإيه علاقته بيا وبسامح وأبويا الله يرحمه؟
جمالات قعدت على الكنبة بكل هدوء، وفتحت شنطتها الجلد وطلعت منها أوراق قديمة لونها أصفر، ملفوفة بحبل رفيع. بصت لأحمد وقالت:
— إنت فاكر إن أبوك كان بيحب سامح أكتر منك؟ فاكر إن أبوك هو اللي كتب الشقة والأرض والمحل لسامح عشان هو الكبارة اللي هيشيل اسم العيلة؟
أحمد هز رأسه بمرارة وقال:
— ده اللي طول عمرنا بنسمعه. ده اللي أمي كانت بتقولهولنا كل يوم. سامح الكبير، سامح اللي هيقف جمبنا… وأنا طلع عينيا في المصاريف والتعليم وفي الآخر ما طلعتش بحاجة غير الشقة المتوسطة دي، وبدفع ديونهم ومرض أمي.
جمالات ضحكت بصوت عالٍ كله حسرة:
— أبوك الله يرحمه ما كتبش حاجة لسامح يا أحمد! أبوك مات وهو سايب كل حاجة مقسومة بالعدل بينك وبين أخوك، بل بالعكس، كان كاتب الشقة المترهنة دي باسمك إنت عشان عارف إنك الغلبان، والأرض والمحل كانوا للنص بالظبط!








