كل يوم

العمدة لم يجب.
أحمد أمسكه من كتفه
فين محمود؟
العمدة قال
لو عرفتم مكانه دلوقتي، هتخلوه في خطر.
إحنا شرطة.
وده بالضبط سبب خوفي.
فجأة رن هاتف العمدة.
نظر للشاشة.
تغير وجهه.
أحمد لاحظ ذلك.
مين؟
العمدة لم يرد.
رن الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة ظهر على الشاشة اسم
محمود.
الحاجة ليلى شهقت.
ابني!
مدت يدها للهاتف.
لكن العمدة منعها.
ماترديش.
أحمد قال
رد.
العمدة هز رأسه
لو رديت، هيعرفوا إننا لقينا الحقيبة.
أحمد خطف الهاتف وضغط على الإجابة.
لم يسمع أحد شيئًا.
ثم جاء صوت شاب من الطرف الآخر
ماما موجودة؟
ليلى بدأت تبكي
محمود؟!
الصوت قال
ماما… أنا آسف.
ثم انقطع الخط.
أحمد حاول الاتصال مرة أخرى.
الهاتف أصبح مغلقًا.
كريم بص للعمدة
كان بيتصل منين؟
العمدة قال
من المكان اللي محدش يقدر يوصل له.
فين؟
العمدة رفع عينيه نحو السقف.
تحتنا.
ساد الصمت.
أحمد فهم فجأة.
في أنفاق تحت السفينة.
العمدة هز رأسه.
وفيها محمود.
الحاجة ليلى تقدمت نحو الباب
وديني له.
العمدة قال
لسه بدري.
لكن قبل ما يكمل…
اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
سقطت بعض الصناديق.
ثم سمعوا صوت ارتطام قوي من أسفل.
كريم صاح
في حد تحتنا!
أحمد أمسك الكشاف ووجهه للأرض.
كان هناك شق صغير ظهر بين بلاطات الأسمنت.
ومن خلاله…
وصلهم صوت ضعيف جدًا.
صوت رجل يصرخ
ماما!
ليلى جرت ناحية الأرض.
محمود!
ثم جاء صوته مرة أخرى
ماما… ماتخليش أحمد ينزل!
أحمد تجمد.
كريم بص له.
والعمدة تراجع خطوة.
ثم فجأة…
ظهر تحت الشق ظل شخص آخر.
كان واقفًا بجوار محمود.
وصوت غريب قال
لو أحمد نزل… محمود مش هيطلع.
الحاجة ليلى حطت إيدها على بوقها.
أما أحمد…
فأدرك أن هناك شخصًا آخر في النفق.
شخصًا كان يعرفه منذ سبع سنوات.
وشخصًا لم يكن اسمه موجودًا في أي ملف صرخة الحاجة ليلى دوّت في الغرفة.
كل العيون اتجهت ناحية الشخص الموجود في الصورة.
كان رجلًا يعرفه أهل القرية جيدًا…
عمدة القرية.
كريم بص للصورة ثم قال
العمدة؟!
الحاجة ليلى كانت بتترعش.
أيوه… هو.
المقدم أحمد فضل ساكت، كأنه بيحاول يجمع قطع ذاكرته.
قال
الصورة دي اتاخدت إمتى؟
ليلى ردت
قبل اختفاء محمود بأسبوع.
كريم التفت لأحمد
يعني حضرتك كنت تعرف محمود قبل سبع سنين.
أحمد مسك رأسه.
أنا مش فاكر.
فجأة الرجل الغامض قال
لأنك ماكنتش عايز تفتكر.
أحمد رفع عينيه بغضب
إنت بتتهمني بإيه؟
أنا مش بتهمك.
ثم أشار إلى جهاز التسجيل.
محمود هو اللي اتهمك.
ضغط زرًا آخر.
خرج صوت محمود
أحمد مش شرير… لكنه اتورط في حاجة أكبر منه.
أحمد اتنفس ببطء.
ثم تابع التسجيل
ولو وصل اليوم اللي أحمد ينسى فيه كل حاجة، يبقى لازم ترجّعوله ذاكرته.
كريم قال
إزاي يعني نرجع له ذاكرته؟
وفجأة…
انفتح درج صغير في الحائط.
خرج منه شريط تسجيل قديم.
وعليه ورقة مكتوب عليها
شغلوه قدامه.
أحمد قال
شغلوه.
وضع كريم الشريط في جهاز قديم موجود على الطاولة.
خرج صوت تشويش…
ثم أصوات أشخاص بيتكلموا.
صوت محمود
إحنا لازم نوقف الموضوع.
صوت رجل آخر
لو وقفت، ناس كتير هتتأذي.
محمود
أنا مش هسمح لهم يكملوا.
ثم جاء صوت ثالث.
أحمد بمجرد ما سمعه…
تجمد.
كان صوت العمدة.
محمود، آخر مرة بقولك… ابعد.
ثم جاء صوت أحمد نفسه
سيبه يا محمود… الموضوع أكبر منك.
كريم بص له بصدمة.
لكن أحمد قال
أنا مش فاكر الكلام ده.
استمر التسجيل.
محمود قال
لو حصل لي حاجة، الحاجة ليلى عارفة مكان الملفات.
العمدة قال
والشرطة؟
أحمد رد
الشرطة هتدخل لو حصل خطر.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
صمت ثقيل سيطر على الغرفة.
الحاجة ليلى قالت
محمود ماكانش بيحاول يهرب.
أحمد بص لها
أمال كان بيعمل إيه؟
كان بيحاول يحمي أهل القرية.
كريم سأل
من مين؟
ليلى أشارت إلى الملفات.
من اللي كانوا بيجمعوا أسماء الناس وبيستغلوا خوفهم واحتياجهم.
الرجل الغامض أضاف
ومحمود كان بيجمع الأدلة.
أحمد فتح ملفًا آخر.
وجد أسماء عشرات الأشخاص.
لكن اسمًا واحدًا كان عليه خط أحمر.
محمود.
وتحته جملة
تم إسكاته.
أحمد قلب الصفحة.
وجد صورة لمحمود.
لكن خلف الصورة كان هناك تاريخ.
بعد تاريخ وفاته المعلن بأسبوعين.
كريم قال
مستحيل.
الحاجة ليلى اقتربت ببطء.
أمسكت الصورة.
وبمجرد ما شافتها، قالت
أنا كنت عارفة.
أحمد التفت لها
إنتِ كنتِ عارفة إن محمود كان عايش بعد التاريخ اللي قالوا إنه مات فيه؟
هزت رأسها.
أيوه.
طب ليه سكتي؟
دموعها نزلت.
لأنه هو اللي طلب مني.
طلب منك إيه؟
ليلى رفعت عينيها.
قال لي يا أمي، لو عايزة تفضلي عايشة… كل يوم اشتري ستين كيلو لحمة، وروحي بيها للسفينة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
وما تسأليش مين اللي هيستلمها.
وفجأة…
صدر صوت طرق على الباب.
ثلاث طرقات.
ثم صوت رجل
الحاجة ليلى…
ليلى اتجمدت.
الصوت تابع
الوقت خلص.
أحمد أشار للشرطة بالاستعداد.
ثم سمعوا صوت مفتاح يدخل في القفل من الخارج.
كريم همس
حد هيقتحم المكان.
أحمد رفع سلاحه.
وفي اللحظة التي بدأ فيها الباب يتحرك…
جاء صوت محمود من جهاز التسجيل
لو الباب اتفتح…
توقف التسجيل لثانية.
ثم أكمل
ما تثقوش في الشخص اللي هيكون أول واحد يدخل.
وانفتح الباب ببطء.
وظهر شخص أمامهم…
لكن المفاجأة لم تكن في هويته.
المفاجأة كانت في الشيء الذي كان يحمله في يده لم يستطع أحمد الكلام.
كريم بص إليه ثم إلى الرجل.
يا فندم… حضرتك تعرفه؟
أحمد لم يرد.
الحاجة ليلى كانت تحدق في الرجل وكأنها ترى شخصًا عاد من عالم آخر.
مستحيل…
الرجل قال بهدوء
مش مستحيل يا حاجة.
ثم نظر لمحمود.
قول لها.
محمود اقترب من أمه.
ماما… هو ما ماتش.
ليلى كانت بتترعش.
بس أنا حضرت دفنته.
الرجل ابتسم بحزن.
اللي اتدفن كان شخص تاني.
كريم قال
إنت عايز تقول إن الجنازة كلها كانت تمثيلية؟
الرجل رد
مش تمثيلية.
ثم أشار إلى الصندوق المعدني.
كانت خطة.
أحمد استعاد تماسكه وقال
ليه؟
الرجل بص له مباشرة
علشان ننقذ محمود.
أحمد اقترب
وتخلوا القرية كلها تعتقد إنك مت؟
كان لازم.
من مين؟
الرجل سكت.
محمود قال
من الناس اللي كانوا بيدوروا عليا.
أحمد نظر لمحمود
إنت اختفيت سبع سنين ليه؟
محمود رد
لأني اكتشفت إن اللي قدامي مش مجرد سرقة أو تجارة ممنوعة.
سكت لحظة.
كنت باكتشف شبكة بتستغل أهل القرية وتجمع معلومات عنهم، وتستخدمها لتهديدهم والسيطرة عليهم.
كريم قال
واللحمة؟
محمود ابتسم
كانت وسيلة.
وسيلة لإيه؟
كل شحنة كانت بتوصل لبيت محتاج. لكن جوه كل كيس كان فيه جزء من رسالة.
أحمد عقد حاجبيه.
رسائل مشفرة.
محمود هز رأسه.
بالضبط.
العمدة قال
وكانت الرسائل بتوصلنا لمكان الملفات.
أحمد نظر إليه
يعني إنت كنت شريكهم؟
العمدة قال
كنت بحاول أحميهم.
فجأة جاء صوت ارتطام من آخر الممر.
محمود تغير وجهه.
هم وصلوا.
كريم رفع سلاحه.
مين؟
محمود قال
الناس اللي فضلوا يدوروا عليا سبع سنين.
أحمد قال
كام واحد؟
محمود بص ناحية الظلام.
مش عارف.
ثم سمعوا خطوات كثيرة تقترب.
أحمد أشار للشرطة
استعدوا.
الحاجة ليلى أمسكت يد محمود.
مش هسيبك تاني.
محمود ضغط على يدها.
المرة دي أنا اللي هحميكي.
وفجأة…
انطفأ الضوء.
ثم اشتغل جهاز صغير في الصندوق المعدني.
ظهر على شاشة قديمة رقم يتناقص
10… 9… 8…
كريم صرخ
إيه اللي بيحصل؟!
محمود اندفع ناحية الصندوق.
حد شغّله!
أحمد أمسك ذراعه
اقف!
محمود صرخ
لو الرقم وصل للصفر، كل الملفات هتتحرق!
أحمد بص للشاشة.
7… 6… 5…
كريم قال
نوقفه إزاي؟
محمود قال
المفتاح!
الحاجة ليلى أخرجت المفتاح رقم 17 من جيبها.
محمود نظر إليها.
ماما… إنتِ لسه محتفظة بيه؟
طبعًا.
محمود قال
حطيه في الصندوق!
لكن قبل ما تتحرك…
ظهر شخص من آخر الممر.
ورفع صوته
متعمليش كده!
الجميع التفت.
كان يحمل حقيبة سوداء.
وقال
لأن المفتاح ده مش هيوقف الجهاز…
ثم ابتسم.
هيفتحه المكان كله سكت.
أحمد قرب من الشق في الأرض وقال
إنت مين؟
الصوت من الأسفل
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”








