خمسين الف
معلومة وصلتني عنه كانت من أربع سنين.
وإيه كانت؟
بص لسامح.
اسأليه هو.
دكتور سامح قرب خطوة.
والدك اتصل بيا قبل سفره بفترة قصيرة. قال لي إن في ظروف شغل صعبة، وإنه لازم يبعد فترة عشان يرتب أموره.
قلت
ليه؟
لأنه كان خايف يقلقك وانتي في الجامعة.
حسيت بمفاجأة.
عشاني أنا؟
من وإنتِ في الجامعة وانتي مركزة في دراستك.
سكتُّ تمامًا.
بدأت أفتكر حاجات صغيرة كنت بعتبرها عادية.. مكالمات قليلة، رسائل قصيرة، سفر كتير.
سألت
ليه ما قلتليش؟
سامح قال
لأن والدك طلب مني ما أقولش لحد ما تخلصي دراستك.
محمود قاطعه
وهو طلب منك إيه كمان؟
سامح بص له.
قال لي لو ظهر محمود في حياتها مرة تانية، خليكي جنبها وساعديها.
محمود ضحك ضحكة خفيفة.
طبعًا، والدك كان طيب.
بصيت له.
ليه أبويا قال كده؟
محمود ما ردش.
سامح قال
لأن والدك كان عارف إن محمود بيمر بظروف صعبة بعد الحادثة وكان محتاج دعم.
اتجمدت من المفاجأة.
بجد؟
محمود رفع عينيه لسامح.
كمل.
سامح تنهد.
والدك كان بيشتغل في نفس مجال التأهيل. وكان مقتنع إن محمود محتاج حد يفهمه.
قلت
وإنت مصدق ده؟
زمان أيوه.
ودلوقتي؟
سامح سكت.
ثم قال
دلوقتي أنا متأكد إن كلامه كان صح.
فجأة سمعنا صوت عربية من الخارج.
التفتنا.
واحد من فريق الفيلا دخل بسرعة.
وقال بفرحة
لازم تخرجوا تشوفوا مين وصل.
محمود سأله
ليه؟
قال
في ضيف مهم عند البوابة.
سامح قال
يبقى لقانا حد من العيلة.
محمود بص لي.
ملك، خدي الرسالة.
أخذتها.
ثم قال
وامشي ورايا.
قلت
وإنت؟
أنا هاجي معاكي.
هززت رأسي موافقة.
لأول مرة، ظهرت على وشه ابتسامة بسيطة.
واضح إنك فعلًا مش بتخافي بسهولة وبتحبي تساعديني.
لكن قبل ما يتحرك، انفتح باب المحطة بهدوء.
دخل رجلان من فريق الفيلا.
أحدهما قال
محمود المنصوري.
ثم نظر إليّ بابتسامة.
وملك عبد الرحمن.
توقفت أنفاسي من الفرحة.
الرجل أخرج هاتفه، ووضعه أمامنا.
كانت فيه صورة حديثة لرجل يقف أمام بيت قديم.
الرجل كان يشبه أبي بشكل لا يمكن إنكاره.
قال
أبوكي عايز يقابلك.
ثم أضاف
وعنده مفاجأة ليكي.
نظرت إليه.
إيه؟
ابتسم وقال
تيجي معانا.
فضلت باصة للصورة، وقلبي بيخبط من شدة الفرحة.
أخيرًا بعد سنين من الغياب، عرفت إن أبويا موجود.
محمود قال فورًا
هنروح سوا.
بصيت له.
دي فرصتي الوحيدة أشوف أبويا.
دكتور سامح تدخل
محمود عنده حق، نروح كلنا.
سكتُّ لحظات، ثم قلت
يبقى نعملها بطريقتنا ونروح كلنا سوا.
في نفس الليلة، قدرنا نوصل للمكان من غير ما نتأخر. وبعد ساعات من الطريق، وصلت أخيرًا للمكان اللي كان أبويا موجود فيه.
دخلت غرفة صغيرة.
وفجأة سمعت صوتًا أعرفه مهما مرت السنين
ملك؟
اتجمدت.
التفتُّ.
كان هو.
أبويا.
أكبر سنًا، مرهق شوية، لكن عينيه هما نفس العينين اللي فاكرهم.
جريت عليه، وأنا بعيط.
إنت فين كل ده ليه سيبتني؟
فضل ساكت شوية، وبعدين قال
كنت بحاول أأمن مستقبلك.
حكالي الحقيقة كاملة.
كان قد جاله عقد عمل كبير برة مصر، ورفض في الأول عشاني، وبعدها لما الظروف بقت صعبة قرر يسافر عشان يأمن لنا حياة أفضل. ولما عرف إن السفر هيطول، طلب من ناس يثق فيهم يخلوا بالهم مني.
وكان محمود واحدًا منهم.
أما حادث محمود، فكان حادث عادي بسبب المطر، ووالدي هو اللي ساعده ينقلوه المستشفى بسرعة.
والشخص الذي كان بيساعده طول الوقت كان أحد أفراد العيلة، ووقف جنبه لسنوات.
بعدها رجعنا كلنا الفيلا، وانتهت فترة القلق، وظهرت الحقيقة كلها.
أما محمود، فبدأ رحلة علاجه من جديد بمعنويات عالية.
بعد شهور من التأهيل، استطاع الوقوف للمرة الأولى بمساعدة بسيطة.
كنت واقفة أمامه وقتها.
قال وهو بيحاول يثبت نفسه
فاكرة أول مرة قابلتك؟
ضحكت.
مستحيل أنساها.
وإنتِ قلتيلي إني صغيرة.
ضحك.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، ووقف وحده لثوانٍ.
صفقت له وأنا بضحك من الفرحة.
الخمسين ألف دولار أنقذوا مستقبلي فعلًا، لكنهم لم يكونوا أهم شيء خرجت به من تلك الأشهر.
رجعت أكمل الدكتوراه.
وأبويا رجع لحياتي.
ومحمود أكمل علاجه، واستعاد جزءًا كبيرًا من حركته وحياته.
أما أنا، ففهمت أخيرًا إن بعض الأبواب اللي بنفتحها خوفًا على مستقبلنا، ممكن تقودنا لعيلة وحب كان مستنيانا من سنين.
وأحيانًا
أصعب بداية في حياتنا، تكون هي نفسها البداية اللي تنقذنا.






