عام

خمسين الف

خمسين ألف دولار مقابل ثلاثة أشهر من العمل بدت لي طوق نجاة، لحد ما اكتشفت إن الشغلانة بتتضمن إني أساعد رجل أعمال قاعد على كرسي متحرك في جلسات التأهيل، خصوصًا إن آخر تلات ممرضات اشتغلوا معاه استقالوا.

وافقت، لأن فكرة إني أخسر الدكتوراه كانت بتخوفني أكتر من أي شغل صعب ممكن أقابله. لكن أول ما قابلت محمود المنصوري، فهمت إن الفلوس يمكن تكون أسهل حاجة في الاتفاق ده.

اسمي ملك عبد الرحمن، وبحلول آخر أكتوبر، كان مستقبلي كله متلخص في رقم واحد .
تلات دفعات دراسية متأخرة.
كنت عندي سبعة وعشرين سنة، وبشتغل في مركز لإعادة التأهيل في القاهرة، وفي نفس الوقت بحاول أكمّل دراستي للدكتوراه في العلاج الطبيعي العصبي. وفي الليلة اللي فاتت، وصلني إنذار نهائي بيقول إن لو ما دفعتش خلال أسبوعين، هخسر المكان اللي حاربت عشانه من وأنا عندي تسعتاشر سنة.

مقالات ذات صلة

وفي وسط ، اتصلت بيا صاحبتي سارة.
اتقابلنا في كافيه صغير بعد ظهر يوم مليان غيوم، وكانت بتبصلي وأنا محدقة في الرقم اللي عرضته عليّ.

قلت وأنا مش مصدقة
خمسين ألف دولار؟
هزت راسها.
مقابل تلات شهور.
ضحكت من شدة الصدمة.
محدش بيدفع خمسين ألف دولار مقابل رعاية منزلية عادية.
سارة ما ضحكتش.
وقالت بهدوء
دي مش رعاية عادية.

حسيت بمعدتي اتقبضت.
سارة كانت محامية لعائلات كبيرة، وكانت بتتعامل مع ناس أغنيا ووراهم شركات كبيرة، وكانت بتعرف تقول الحقيقة من غير ما تقولها كاملة.

سألتها
مين هو؟
شبكت إيديها قدامها وقالت
محمود المنصوري.

الاسم ما كانش مألوف بالنسبالي.
لسه.
كملت
اتصاب من تلات شهور. في العمود الفقري بعد عربية صعبة. عمل كذا عملية، والدكاترة شايفين إن ممكن يكون مؤقت.
رجعت بضهري للكرسي.

هو محتاج إيه؟
قالت
أدوية في مواعيدها، مساعدة في الانتقال من السرير للكرسي، واللبس، تمارين الحركة، وبرنامج تأهيل منتظم.
وبعدين سكتت لحظة.
آخر تلات ممرضات مشيوا.
سألتها
ليه؟
ثبتت عينيها في عيني.
لأن محمود قبل الحادث كان متعود يسيطر على كل حاجة حواليه وينجح في شغله.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
دلوقتي هو مش قادر حتى يتحكم في رجليه، ففقد ثقته في نفسه وبقى عصبي.
فهمت المعنى فورًا.
قلت
يعني مريض صعب؟
ردت بصوت منخفض
مريض فاقد الأمل.

فجأة حسيت إن الكافيه بقى أبرد.
قربت مني وقالت
عيلة المنصوري عايزين حد يكون فاهم شغله، ما يضغطش على محمود، وما يخافش من عصبيته، وفي نفس الوقت يكون ذكي كفاية إنه يرجعله الأمل.

بصيت لفنجان القهوة قدامي.
وعيلة المنصوري دي نوعها إيه؟
قالت
عيلة كبيرة عندها شركات كتير.

سألتها
الخمسين ألف دولار مضمونين؟
قالت
أيوه.
حتى لو ما اتحسنش؟
أيوه.
وبعد تلات شهور أمشي؟
قالت
لو لسه عايزة تمشي.

بعد يومين، كانت عربية بتعدي بيا من بوابة كبيرة، في طريقها لفيلا حجرية ضخمة على أطراف القاهرة، محاطة بأشجار عالية.

وكان محمود المنصوري مستنيني، واقف جنب شبابيك ضخمة بتطل على الحديقة.
كان أصغر مما توقعت.
يمكن في أواخر الثلاثينات.
شعره أسود، جسمه قوي، لابس بدلة سوداء أنيقة، وعينيه كانوا حزينة لدرجة إن الواحد يحس بالوجع قدامه.

بصلي من فوق لتحت مرة واحدة.
وبعدين قال
إنتِ صغيرة.
حطيت شنطتي الطبية على الترابيزة.
وقلت
وإنت محتاج حد يساعدك تبدأ من جديد.
اللي واقف ورايا اتوتر.
محمود فضل باصصلي.
محدش اتحرك.
وبعدين، ولأول مرة من يوم الحادث، حسب كلام كل الموجودين في الفيلا، محمود المنصوري ضحك.
ضحكة قصيرة، ما استمرتش أكتر من ثانية.
لكنها كانت كفاية.
لأني كنت جيت للفيلا دي عشان أعلّم محمود المنصوري إزاي يمشي تاني.
وما كنتش أعرف إني هكون أول واحدة تفتكره إزاي يعيش.

في صباح اليوم التالي، بدأت أول جلسة تأهيل حقيقية.
دخلت غرفة محمود وأنا ماسكة ملفه الطبي، وكنت متوقعة ألاقيه متوتر أو عصبي.
لكن اللي شوفته كان أسوأ.
كان قاعد قدام النافذة، ساكت تمامًا، وعينيه مثبتة على رجليه.

قلت بهدوء
جاهز نبدأ؟
رد من غير ما يبصلي
التلاتة اللي قبلك قالوا نفس الجملة.
فتحت الملف.
وأنا مش التلاتة اللي قبلي.
رفع عينيه ليا.
عارفة هما مشيوا ليه؟
قالولي إن التعامل معاك صعب.
ابتسم ابتسامة حزينة.
هما كانوا فاكرين إني مش عايز أتعالج.
قفلت الملف.
يبقى قولّي الحقيقة.
سكت ثواني.
وبعدين قال
واحدة منهم كانت بتستعجل النتيجة وأنا كنت لسه تعبان.
اتجمدت إيدي فوق الملف.
قلت
وأنا مالي؟
رد فورًا
لحد دلوقتي مالكيش، انتي دكتورة شاطرة وجاية تساعديني.

بدأنا التمارين، وكانت عضلاته أضعف بكتير مما توقعت. كل حركة كانت محتاجة مجهود، لكنه كان بيرفض أي مساعدة زيادة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، بدأ العرق يظهر على جبينه.
قلت
كفاية النهارده.
رد بعناد
لأ.
جسمك محتاج راحة.
قلت لأ.
قربت منه وقلت بحزم
وأنا المسؤولة عن خطة التأهيل. لو فضلت تضغط على نفسك بالشكل ده، ممكن تضر نفسك.

سكت.
وبعدين فجأة قال
إنتِ أول واحدة تتكلمي معايا كده.
يمكن عشان أنا جاية أعالجك، مش أخاف منك.
فضل باصصلي للحظات.
ثم مد إيده ناحية الكرسي.

وفجأة سمعنا صوت خبط قوي جاي من الممر.
اتفتح الباب بسرعة، ودخل واحد من فريق الفيلا.
وشه كان متوتر.
قال
محمود بيه في ملف ناقص.
محمود رفع عينيه.
إيه؟
الموظف بص ناحيتي، واتردد.
محمود قال بحدة
اتكلم.
اقترب الموظف وهمس
الملف الطبي اللي وصل من المستشفى من شوية فيه ورقة ناقصة.

لاحظت إن ملامحه اتغيرت.
قال
دوروا عليه كويس.
الموظف خرج بسرعة.
بصيت لمحمود.
في حاجة ضاعت؟
رد
لسه مش عارف، يمكن ورقة تحاليل.

ثم نظر إلى حقيبتي الطبية.
ملك إنتِ حطيتي حاجتك كلها هنا؟
أيوه.
ممكن نفتحها سوا ونتأكد إن كل الملفات معانا؟
استغربت بس وافقت.
فتحتها قدامه.
الأدوية، جهاز قياس الضغط، أدوات العلاج، وكل حاجة كانت في مكانها.
بدأت أطلع الأشياء واحدة واحدة.
لحد ما إيدي لمست حاجة في الجيب الداخلي.
كانت فلاشة صغيرة عليها ملفات العلاج الطبيعي بتاعتي اللي كنت محضراها له.
طلعتها.
محمود أول ما شافها، ملامحه اتغيرت للراحة.
قال
حطيها على الترابيزة، دي أكيد عليها التمارين.
عملت اللي قاله.

سألني
مين ساعدك في الشنطة من وقت ما دخلتي؟
فكرت.
السواق شالها وبعدها واحد من الفريق دخلها الفيلا.
محمود قال بهدوء
تمام، يبقى الملف الناقص أكيد في الإدارة، هنلاقيه.

ساد الصمت للحظة، ثم قال وهو بيبص للفلاشة
واضح إنك محضرة شغلك كويس يا دكتورة ملك، وده مطمني

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى