الصيادون

وفجأة سمعت حركة خلفها. التفتت. كان الأسد الضخم واقفًا على مسافة بعيدة. خلفه أفراد القطيع. لم تتحرك إيميلي. ولم يحاول الاقتراب. ظل ينظر إليها فقط. ثم أطلق زئيرًا هادئًا. ابتسمت إيميلي وقالت: “أنا مش هنسى اللي عملته.” استدار الأسد. ومشى ببطء داخل السافانا. لكن بعد خطوات قليلة، توقف. التفت إليها مرة أخيرة. ثم اختفى بين الأعشاب.
بعد شهر تقريبًا، حدثت المفاجأة. ألقت السلطات القبض على زعيم الصيادين أثناء محاولته عبور الحدود. وبعد التحقيق معه، اعترف بكل شيء. اعترف بالمخازن. واعترف بالشركاء. واعترف بأنه أمر رجاله بترك إيميلي في السافانا. لكن عندما سألوه عن الأسود، تغير وجهه. قال: “أنا ماكنتش فاهم اللي حصل.” سأله المحقق: “يعني إيه؟” قال: “الأسود كانت تقدر تاكلها بسهولة.” ثم صمت. وأضاف: “لكنها ماقربتش منها.”
بعد مرور عام، أقامت المحمية احتفالًا كبيرًا بمناسبة نجاح حملة القضاء على شبكة الصيد غير الشرعي. كانت إيميلي تقف أمام مجموعة من الزوار والصحفيين. تحدثت عن الحيوانات. عن حماية الطبيعة. وعن خطورة الصيد غير القانوني. ثم سألتها إحدى الصحفيات: “إيميلي… هل فعلًا تعتقدين أن الأسد أنقذك؟” ابتسمت إيميلي. وقالت: “أنا مش هقدر أقول إن الحيوان كان فاهم كل حاجة زي الإنسان.” ثم نظرت بعيدًا. “لكن اللي حصل معايا عمره ما هيكون مجرد صدفة بالنسبة لي.”
في تلك اللحظة، وصل أحد الحراس مسرعًا. كان يحمل منظارًا. قال لها: “إيميلي… لازم تيجي تشوفي.” ذهبت معه إلى مكان مرتفع يطل على السافانا. رفع الحارس المنظار. ثم أعطاه لها. نظرت إيميلي من خلاله. وفي البعيد، ظهر القطيع. كان الأسد الضخم في المقدمة. وبجانبه كانت تسير لبوة تحمل شبلًا صغيرًا. ابتسمت إيميلي. لكن شيئًا لفت انتباهها. الأسد كان يقف فوق تل صغير. وكان يراقب المكان الذي تقف فيه. بقي الاثنان ينظران إلى بعضهما للحظات. ثم خفض الأسد رأسه. واختفى مع القطيع. أنزلت إيميلي المنظار. قال الحارس: “غريب… كل مرة تيجي هنا، بيظهر.” ضحكت إيميلي وقالت: “يمكن هو اللي فاكرني.” ثم نظرت إلى السافانا وقالت: “الحيوانات مش دايمًا بتتكلم… بس ده مش معناه إنها مبتحسش.”
مرت السنوات. واصلت إيميلي عملها في المحمية. وأصبحت قصتها واحدة من أشهر القصص التي يتداولها العاملون هناك. لكنها لم تسمح لأحد بتحويل الأسد إلى وحش أسطوري. كانت دائمًا تقول: “هو مش أنقذني لأنه بطل.” ثم تضيف: “هو أنقذني لأن الإنسان أحيانًا بينسى إن الرحمة اللي بيزرعها في الدنيا… ممكن ترجع له في الوقت اللي يكون محتاجها فيه.”
وفي آخر مرة رأت فيها الأسد، كانت تقف على حدود المنطقة المحمية. كان قد أصبح أكبر سنًا. ولبدته أكثر بياضًا. لكنه ما زال يحتفظ بالندبة نفسها بجوار عينه. توقف بعيدًا عنها. نظر إليها. ثم أطلق زئيرًا واحدًا. رفعت إيميلي يدها ولوحت له. وقالت بابتسامة ودموع في عينيها: “سلام يا صاحبي القديم.” استدار الأسد. ومشى مع القطيع نحو قلب السافانا. ومنذ ذلك اليوم، لم تره إيميلي مرة أخرى. لكنها كانت تعرف أن شيئًا منه سيظل معها إلى الأبد. لأنها في أكثر لحظة شعرت فيها أنها وحيدة في هذا العالم… اكتشفت أن من أنقذها لم يكن إنسانًا. بل مخلوقًا كانت هي نفسها قد أنقذته قبل سنوات… وكأن الحياة قررت أن ترد لها الجميل بالطريقة التي لم تكن تتوقعها أبدًا.
النهاية.




