الاف النمل

أصلًا.
كان مجرد أثر ضيق بتستخدمه الحيوانات وسط الأشجار.
فضلت ماشية فيه من غير ما تنتبه.
ولما أدركت إنها ابتعدت وحاولت ترجع…
ما عرفتش الطريق.
كل الأشجار بقت شبه بعضها.
والضباب بدأ يزيد.
حاولت ترجع من نفس الاتجاه.
لكنها ضاعت أكتر.
وبعدين…
وقعت.
رجلها اتلوت تحت جسمها.
وسمعت صوت فرقعة واضحة من عند الكاحل.
الألم كان شديد لدرجة إنها للحظات ما قدرتش تتحرك.
لكنها كانت لسه معاها موبايلها.
حاولت تطلب مساعدة.
وبسبب ضعف الشبكة والبطارية…
الموبايل انتهى تمامًا.
وبعدها…
بدأ الليل.
ودرجة الحرارة نزلت.
مريم قالت
بدأت أزحف.
ما كانتش قادرة تمشي على رجلها.
فبدأت تتحرك
بإيديها وركبتها.
سنتيمترات…
وبعدين أمتار.
تقف ترتاح.
وبعدين تزحف تاني.
في الأول…
كانت لسه حاسة بابنها بيتحرك جوا بطنها.
ركلة هنا.
حركة هناك.
وكانت كل حركة بتديها سبب إنها تكمل.
لكن مع زيادة البرد…
حصل الشيء اللي رعبها.
حركة الطفل بدأت تقل.
مريم سكتت للحظة.
غمضت عينيها.
وقالت
كل شوية كنت بحس بيه أقل.
سعاد فضلت ساكتة وهي بتسمعها.
مريم حطت إيدها فوق بطنها.
وقتها فهمت إني ممكن أموت.
وسكتت ثواني.
وبعدين قالت
أنا ممكن أموت… لكن هو مالوش ذنب في أي حاجة من دي.
فضلت تزحف.
والليل حواليها كان ظلام كامل.
لحد ما بعد ساعات…
إيدها لمست حاجة.
شيء غريب.
كان دافي.
في الأول ما فهمتش إيه ده.
حركت إيدها على التراب.
وبعدين بدأت تتحسس شكل الكومة الكبيرة اللي قدامها.
وفجأة…
افتكرت.
عش نمل.
وفي اللحظة دي، كلام جدتها رجع في دماغها.
لما الغابة تبرد… بعض المستعمرات الكبيرة بيفضل جواها دفء.
مريم قالت
وقتها ما فكرتش كتير.
ما كانش قدامها اختيارات أصلًا.
بدأوا يمشوا فوق هدومها.
على رجلها.
على الجاكيت.
وعلى دراعها.
مريم كانت .
قالت
كنت عايزة أقوم وأبعدهم… بس افتكرت كلام جدتي.
كانت تعرف إن العبث بعش النمل أو ضربه بعنف ممكن يحولها فورًا لتهديد بالنسبة للمستعمرة.
لكن لو فضلت ثابتة…
وما حاولتش تدمر العش…
يمكن ما يهاجموهاش.
ففضلت مكانها.
من غير حركة تقريبًا.
بعد شوية…
عدد النمل زاد.
عشرات.
وبعدين مئات.
وبعدها…
بدأ يحصل شيء مريم نفسها ما كانتش قادرة تفسره.
النمل بدأ ينقل مواد.
إبر صنوبر.
قطع نباتات.
ألياف صغيرة.
فتافيت من لحاء الأشجار.
بطنها بطلت تبرد بنفس سرعة باقي جسمها.
وبعد فترة…
حصلت المعجزة بالنسبة لها. ابني اتحرك تاني.
سعاد رفعت إيدها وحطتها على بوقها من شدة التأثر.
مريم كملت
أول ما حسيت بيه بيرفس… عرفت إني لازم أفضل هنا.
تقريبًا ليلتين…
رجلها بتوجعها.
البرد بيزيد.
والمية خلصت.
كانت بتحاول تجمع قطرات الرطوبة اللي متكونة فوق الأوراق وتشرب منها.
قطرة ورا
قطرة.
وأهم حاجة…
كانت بتحاول ما تعملش أي حركة مفاجئة.
لأنها كانت خايفة النمل يعتبرها خطرًا.
كانت ساعات تفقد الوعي.
وبعدين تفوق.
وكل مرة تفوق فيها…
تحط إيدها على بطنها.
وتستنى.
مريم قالت وهي بتعيط
كل مرة كنت أحس برفسة صغيرة منه… كنت أقول لنفسي لسه معايا.
سعاد ما قدرتش تمنع دموعها.
مسكت إيد مريم.
لكن فجأة…
صوت أغصان بتتكسر جه من وراهم.
سعاد لفت بسرعة.
كان عم حسين راجع وهو بيجري.
وكان بيصرخ
الإسعاف الجوي جاي!
وصل عندهم وهو بياخد نفسه.
فيه طيارة إنقاذ جاية. الفريق هيوصل هنا في أقل من أربعين دقيقة.
سعاد أخيرًا أخدت نفس ارتياح.
لكنها لاحظت إن ملامح عم حسين لسه متوترة.
قالت له
فيه إيه؟
عم حسين بص لمريم.
وبعدين لسعاد.
الشرطة قدرت تتواصل مع أحمد.
سعاد قالت
جوزها؟
أيوه.
وسكت لحظة.
واكتشفوا حاجة.
إيه؟
عم حسين قال ببطء
أحمد كان عارف مريم راحت فين.
سعاد اتجمدت.
يعني إيه عارف؟
عم حسين قال
قبل ما بطارية موبايلها تخلص… مريم بعتت له موقعها.
سعاد بصت لمريم بسرعة.
إنتِ بعتيله مكانك؟
مريم ما ردتش.
لكن نظرة عينيها كانت كفاية.
عم حسين كمل
الشرطة راجعت الرسائل. هو كان عنده فكرة واضحة عن المنطقة اللي هي موجودة فيها.
سعاد ملامحها اتغيرت من الصدمة للغضب.
طب ما بلغش ليه؟!
عم حسين
قال
دي المشكلة.
أحمد، رغم إنه كان عارف إن مراته حامل في الشهر السابع…
ورغم إنه عارف إنها موجودة في منطقة جبلية…
ورغم إنها بعتت له موقعها…
استنى تقريبًا أربع وعشرين ساعة قبل ما يطلب مساعدة من أي حد.
سعاد بصت ناحية مريم.
مش قادرة تستوعب.
ليه يعمل فيكي كده؟
مريم قفلت عينيها.
نفسها بدأ يضعف من جديد.
سعاد قربت منها.
مريم؟
مريم فتحت عينيها بصعوبة.
وقالت
قبل ما أخرج من البيت…
سكتت تاخد نفسها.
وبعدين كملت
أحمد قالي…
سعاد قربت أكتر عشان تسمع.
ومريم همست بالجملة اللي كشفت جزءًا مرعبًا من الحقيقة
طالما عايزة تثبتي إنك تقدري تعملي كل حاجة من غيري… ابدئي بأنك ترجعي لوحدك.
سعاد بصت لعم حسين بصدمة.
وفي نفس اللحظة…
بدأ صوت بعيد يظهر فوق الأشجار.
في الأول كان مجرد اهتزاز خافت.
وبعدين الصوت زاد.
طائرة الإنقاذ.
عم حسين رفع رأسه.
ومن بين قمم أشجار الصنوبر، بدأ صوت مروحية الإنقاذ يملأ المكان.
النجدة وصلت أخيرًا.
مريم وابنها أخيرًا بقى عندهم فرصة حقيقية للنجاة.
لكن في اللحظة اللي كان فيها رجال الإنقاذ بيقتربوا منهم…
كانت الشرطة في مكان تاني بتراجع موبايل أحمد ورسائله.
وكل دقيقة كانت بتكشف حاجة جديدة.
لأن تأخر أحمد في الإبلاغ عن اختفاء مراته…
ما كانش مجرد إهمال.
والجملة القاسية اللي قالها لها قبل ما تخرج ما كانتش كل الحكاية.
كان فيه سبب تاني وراء انتظاره كل الساعات دي.
سبب
.
والحقيقة الكاملة وراء تصرف أحمد…
كانت لسه بتبدأ تظهر.
يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث والأخير
صوت طيارة الإنقاذ كان بيقرب أكتر وأكتر.
الهواء اللي نازل من المروحية بدأ يهز قمم أشجار الصنوبر، وعم حسين خرج ناحية مساحة مفتوحة وهو بيرفع دراعاته عشان يحدد للفريق مكانهم.
سعاد فضلت جنب مريم.
مسكت إيدها وقالت
خلاص يا مريم… النجدة وصلت. إنتِ وابنك هتخرجوا من هنا.
مريم
حاولت تفتح عينيها.
ابني…
كويس. نبضه موجود.
مريم ابتسمت ابتسامة ضعيفة جدًا.
وبعدين فقدت الوعي مرة تانية.
بعد دقائق، وصل فريق الإنقاذ.
لكن أول ما المسعفين شافوا جسم مريم والنمل اللي متجمع حواليها، واحد منهم مد إيده ناحية جهاز رش كان موجود ضمن المعدات.
سعاد صرخت
لأ! محدش يرش حاجة!
الراجل وقف.
سعاد شرحت لهم بسرعة إن مريم كانت ملتصقة بجوار المستعمرة لفترة طويلة، وإنهم لازم يبعدوها بحذر شديد من غير ما يدمروا العش أو يستخدموا مواد ممكن تضرها.
بدأوا يشيلوا إبر الصنوبر والألياف المتراكمة فوق بهدوء.
وبعدين رفعوا جسمها على نقالة حرارية.
أثناء نقلها…
حصل شيء خلّى عم حسين يفضل واقف مكانه ويبص.
مع ابتعاد مريم عن العش…




