قصص و روايات

حماتي كتبت علي الحيطة

محمود وقف ومسك تليفونه وهو مش مصدق: — “أنتي بتهدديني بـ أمي؟” — “أنا مابهددش.. أنا باخد حقي وحق الـ 30 سنة اللي عشتهم في خدمتكم وفي الآخر تطلعوني بصورة مش كويسة.”

في نفس الليلة، محمود جمع العيلة كلها في صالون شقة المقطم بناءً على طلبي.

أنا دخلت الصالون، كانت الحاجة هدى قاعدة وحاطة رجل على رجل، وأخواته الاثنين قاعدين باصين لي بقرف ومستنيين محمود يجيب لي حقهم أو يخليني أعتذر.

الحاجة هدى أول ما شافتني قالت بتهكم: — “خير يا ست إلهام؟ جاية ترجعي الفلوس ولا جاية تعتذري عن طول لسانك؟”

ما رديتش عليها.. مشيت ببطء وحطيت حزمة الأوراق ورسالة المحكمة على الطاولة في النص بين الكل.

الحاجة هدى بصت للورق اللي على الطاولة باستهزاء، وقالت وهي بتميل بدماغها:
— “إيه الكراكيب دي كمان؟ جاية تورينا فواتير الشاي والسكر اللي جبتيهم من 20 سنة؟”

أخت جوزي الصغيرة ابتسمت بشماتة وقالت:
— “سيبك منها يا بابا، دي جاية تعمل شو عشان تهرب من الفضيحة اللي عملتها في البلد.. صور الباب مالية وسائل التواصل والناس كلها بتدعي عليكي.”

أنا قعدت على الكرسي قدامهم، حطيت رجل على رجل وركبت الثبات الانفعالي كله في لحظة. بصيت لمحمود وقلت له بصوت هادي:
— “اقرأ لهم يا محمود.. اقرأ لأمك وأخواتك عشان يعرفوا مين اللي دفع وسترهم.”

محمود كان واقف ورا الكنبة، وشه أصفر زي الليمونة المعتصرة، شفايفه بترتعش وما كانش قادر ينطق كلمة.

الحاجة هدى نترت الورق بإيدها وهي بتقول بعصبية:
— “ما تنطق يا محمود! في إيه؟ الورق ده جايب إيه معه؟”

محمود سحب نفس بالعافية، ومسك أول ورقة، صوته كان طالع بالعافية ومكسور:
— “ده… ده إعلان بالطرد من الشقة يا أمي.”

الصالون كله سكت فجأة. السكوت كان تقيل زي الجبل.

الحاجة هدى ضحكت ضحكة عصبية وقالت:
— “طرد إيه؟ دي شقة ابني! الشقة دي محمود شاريهالك بفلوسه وعرقه عشان نعيش فيها أنا وأبوك!”

محمود بصلها والأرض مش شايلاه وقال:
— “لا يا أمي… الشقة مش شقتي. الشقة دي إلهام هي اللي دفعت أقساطها من مرتبها 14 سنة. وأنا… أنا تنازلت لها عن حصتي فيها رسمياً في الشهر العقاري من 8 سنين لما وقعت في ديون الشركة وهي اللي سددت عني المبلغ عشان ما أتسجنش.”

أخت جوزي الكبيرة وقفت مصدومة:
— “إيه اللي أنت بتقوله ده يا محمود؟ أنت اتجننت؟ يعني الشقة دي باسمها هي؟!”

أنا سحبت الورقة التانية وحطيتها تحت عين الحاجة هدى مباشرة:
— “مش بس الشقة يا حاجة… شايفين الورقة دي؟ ده بلاغ رسمي للجهات المختصة بتهمة الإتلاف العمد للممتلكات والتشهير، ومرفق معاه أسطوانة مدمجة عليها تفريغ كاميرات المراقبة بتاعة السوبر ماركت… الكاميرا جابتك وأنتي نازلة الساعة 4 الصبح بطرحتك السودا وبتعملي كده بالرش، والشهود مستعدين يشهدوا إنك أنتي اللي كتبتي العبارات دي.”

الحاجة هدى عينها وسعت، إيدها راحت لقلبها وبدأت تتنفس بصعوبة، لونها خطف وبصت لمحمود بنظرة رجاء ومفاجأة:
— “أنت تسيب مرتك تعمل في أمك كده يا محمود؟ عايزة تحبسني؟ عايزة ترميني في الشارع أنا وأبوك الراجل المريض؟”

محمود بص للأرض ودموعه نزلت:
— “أنا قلت لك بلاش يا أمي… قلت لك دي فلوس مكافأتها وتعبها، أنتي اللي أصريتي تفضحينا.”

هنا أخت جوزي الصغيرة جرت عليا بأسلوب هجومي:
— “أنتي فاكرة نفسك مين؟ أنتي وحدة ظالمة! والله لنفضحك في كل مكان ونقول إنك طردتي حماكي وحماتك!”

بصيت لها بمنتهى الحسم وقلت:
— “اعمليها… وريني شطارتك. ووسائل التواصل اللي شيرتم عليه صورة الباب، بكره هينزل عليه عقد الشقة بالتاريخ والمبالغ، وينزل عليه فيديو أمك وهي بترش البوية بالليل. ساعتها الشارع والقرايب هيعرفوا مين اللي عاش 30 سنة يخدمكم وينفق عليكم ومين اللي رد الجميل بشكل سيء.”

أبو جوزي (الحاج كمال) خرج من أوضته ببطء على عكازه، كان سامع كل حاجة. بصلهم كلهم بنظرة خيبة أمل وقال بصوت مكسور:
— “صحيح الكلام ده يا محمود؟ أنتي يا هدى عملتي كده؟ تروحي ترشي بوية على بيت ست طيبة ربت بنتها بشرفها؟ الشقة دي مش بتاعتنا؟”

الحاجة هدى ما عرفتش ترد، بدأت تعيط بهستيريا وتصوت:
— “يا لهوي يا فضيحتي… يا خرابي يا ناس!”

وقفت من مكاني، عدلت شنطتي على كتفي، وبصيت للحاجة هدى وقلت لها بكل حسم:
— “عندك خيارين يا حاجة هدى.
الأول: بكره الصبح الساعة 8 تكوني أنتي وبناتك في البلد عند أمي. تنزلوا من العربية، وتمسكوا السلك والمذيب، وتمسحوا الكلام بإيديكم قدام أهل الشارع كلهم، وتتأسفوا لأمي وتُبوسوا إيدها ورأسها قدام الناس.
وتاني حاجة: بناتك ينزلوا منشور اعتذار رسمي على المجموعة اللي شهروا بيا فيها ويكتبوا الحقيقة.
لو ده حصل… هتنازل عن المحضر، وهسيبكم قاعدين في الشقة بعقد إيجار رمزي لحين وفاتكم، بس الشقة تفضل باسمي.
لو ده ما حصلش… بكره المحضر هينزل للجهات المختصة، وخلال 15 يوم هتوصلكم الإنذارات بعقد الإخلاء، ومجموعة العيلة هعرف الحقيقة بالورق والمستندات.”

سيبتهم ومشيت. صوت صريخ الحاجة هدى وخناقهم مع محمود كان مسموع لحد الشارع تحت.

تاني يوم الصبح… الساعة 7:30 صباحاً.
كنت واقفة في صالة بيت أمي في البلد، بنشرب الشاي.

فجأة، سمعنا صوت عربية وقفت قدام الباب.
أمي بصت لي بخوف:
— “في إيه يا إلهام؟ مين اللي بره؟”

قلت لها برضا وثقة:
— “تعالي يا أمي… تعالي شوفي الحق وهو بيرجع لأصحابه.”

خرجنا على الباب… كانت الحاجة هدى نازلة من العربية، وراها أختين محمود، ومعاهم جردل ومادة تنظيف. وشوشهم كانت في الأرض، والجيران بدأوا يتجمعوا ويتفرجوا.

الحاجة هدى مشيت بخطوات تقيلة، وبصت لأمي وبكت بكسرة:
— “سامحيني يا أم أحمد… أنا أخطأت في حقك.”

ومسكت أداة التنظيف، وبدأت هي وبناتها يمسحوا الطلاء الأحمر بدموع وحسرة قدام الشارع كله. محمود كان واقف بعيد، مش قادر يحط عيني في عيني.

أمي بصت لي ودمعتها نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وفخر. مسكت إيد أمي وقلت لها:
— “البيت ده اتبنى بعرقي، وكرامتك خط أحمر ما حدش يقدر يدوس عليه طول ما أنا عايشة.”

دخلنا البيت الجديد، قفلنا الباب الصاج النظيف، وبدأنا حياتنا الجديدة… من غير ما نسيب حقنا ولا نسيب كرامتنا تحت رجليين حد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى