قصص وروايات

امي الحقيقية

طول عمري كنت فاكر إن أمي الحقيقية رمتني أنا وأخويا التوأم في دار أيتام… لكن بعد عشرين سنة، سمعت أمي اللي ربتنا بتقول جملة كشفت الحقيقة كلها: “كل حاجة مشت زي ما كنت مخططة.” أنا واسمي آدم… وأخويا التوأم آسر. العيلة دي تبنونا وإحنا عندنا تلات سنين… ومن يوم ما وعيت على الدنيا…

 

وأنا مصدق الحكاية اللي كانوا بيحكوها لنا… إن أمنا الحقيقية رمتنا أول ما اتولدنا… وسابتنا في دار أيتام… واختفت… على الأقل… دي كانت الرواية اللي سمعناها طول عمرنا… أبويا اللي رباني كان راجل طيب… ما فاتش يوم احتفال في المدرسة إلا وكان حاضر… كان بيجيب لنا لعب… وكل يوم جمعة ياخدنا ناكل آيس كريم ونتمشى… لكن مراته… سهير… كانت مختلفة تمامًا. كل شوية تسمعنا نفس الكلام: “افتكروا كويس… ان لولا إحنا كنتوا لسه مرميين في دار الأيتام.”
“اشكروا ربنا إننا أنقذناكم من الحياة اللي محدش كان هيبص لكم فيها.” وأبويا كان كل مرة يدافع عننا.
لكن لما بقينا عندنا عشر سنين.. توفى… ومن اليوم ده… كل حاجة اتغيرت… بقت سهير أقسى من الأول… ولما خلصنا الثانوية… ما حضرتش حتى حفلة التخرج.
كل اللي قالته وهي واقفة عند الباب: “خلاص بقيتوا رجالة… يلا شوفوا حياتكم بعيد عن بيتي.”
ومشينا… أنا وآسر أجرنا شقة صغيرة… دخلنا الجامعة.
اشتغلنا…. وبنينا حياتنا بنفسنا… وخلال السنين دي… سهير كانت يدوب بتكلمنا كل فين وفين.. لكن امبارح… كان عيد ميلادها… ورغم كل اللي عملته… حسيت إن من الواجب أروح أقولها كل سنة وإنتِ طيبة.
لما وصلت… لقيت باب الشقة مفتوح.. دخلت بهدوء.
كانت واقفة في المطبخ… بتقطع التورتة… وبتتكلم مع أمها.
كنت لسه هنده عليها… لكن فجأة سمعتها بتقول:
“دول أغبى اتنين شفتهم في حياتي… صدقوا كل كلمة قلتها لهم طول العشرين سنة اللي فاتوا.” وسكتت لحظة…
وبعدين ضحكت… وقالت: “كل حاجة مشت بالظبط زي ما كنت مخططة.” اتسمرت مكاني… ولزقت ضهري في الحيطة… قلبي بيدق بعنف… وفجأة… قالت الجملة اللي كشفت الحقيقة اللي اتدفنت عشرين سنة. الحقيقة عن أمنا… وإزاي اختفت من حياتنا. وفي اللحظة دي… نسيت حتى إزاي أتنفس.

الفصل الثاني
الجملة اللي قلبت كل حاجة
سهير حطت السكين جنب التورتة، ومسحت إيديها في فوطة المطبخ وهي بتقول لأمها:
— لحد النهارده فاكرين إن أمهم رمتهم بإيديها ومشيت.
ضحكة أمها طلعت واطية ومستفزة.
— وأهو أحسن… الحقيقة كانت هتفيدهم بإيه؟
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
أمهم؟
يعني أمي… ما رمتناش؟
قربت أكتر من باب المطبخ وأنا بحاول حتى صوت نفسي ما يطلعش.
سهير كملت:
— المشكلة إن آدم بالذات طلع عنيد… شبهها بطريقة تخوف.
ردت أمها بسرعة:
— ما تجيبيش سيرتها النهارده.
سهير ضحكت.
— خايفة من إيه يا ماما؟ عشرين سنة عدوا. حتى لو ظهرت دلوقتي، هتقول لهم إيه؟ هتقول لهم إني أنا اللي منعتها عنهم؟
إيدي اترعشت.
حطيتها على بوقي عشان ما أطلعش صوت.
أمها قالت:
— كان المفروض تخلصي من الخطابات من زمان.
خطابات؟!
سهير بصتلها بضيق.
— أنا خلصت من معظمهم… بس سيبت كام واحدة احتياط.
— احتياط لإيه؟
— عشان لو في يوم احتجت أثبت إنها كانت بتلاحقنا وتعمل مشاكل.
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
كنت عايز أدخل عليها في اللحظة دي.
أمسكها من كتافها وأسألها:
فين أمي؟ عملتي فيها إيه؟
لكن حاجة جوايا وقفتني.
لو دخلت دلوقتي… ممكن تنكر. ممكن تخبي الأدلة. ممكن تتخلص من الخطابات.
فطلعت موبايلي من جيبي بهدوء… وفتحت التسجيل.
وفي اللحظة دي، سهير قالت الجملة اللي دمرت العشرين سنة اللي فاتوا:
— الست الغلبانة كانت فاكرة إن ولادها ماتوا.
غمضت عيني. ماقدرتش أستوعب.
أمها همست:
— وطي صوتك.
لكن سهير كانت مسترسلة.
— ما أنا قلتلك… يومها لو كنا قولنالها إنهم عايشين، عمرها ما كانت هتوافق تسيبهم. وإحنا كنا محتاجين طفلين بسرعة قبل ما جوزي يغير رأيه في موضوع التبني.
أمها بصتلها:
— وهو مات وهو فاكر إنها اللي تخلت عنهم.
سهير سكتت.
وأنا… حسيت إن آخر حاجة جوايا كانت لسه بتحاول تبرر لأبويا اللي رباني اتكسرت.
بس بعدها سهير قالت:
— هو مالوش ذنب. أنا عمري ما قلتله الحقيقة.
ساعتها دموعي نزلت.
لأول مرة من وقت ما بدأت أسمعهم… حسيت براحة وسط الصدمة.
الراجل اللي حضني. اللي علمني أركب العجلة. اللي كان يقف جنبي وأنا تعبان. ماكانش عارف. اتضح إنه كان ضحية زيي.
أم سهير قالت:
— طب والخطابات اللي كانت بتيجي بعد ما عرفت إنهم عايشين؟
سهير ردت ببرود:
— كنت برميها.
— كلها؟
سهير سكتت ثواني. وبعدين قالت:
— ما عدا آخر خطاب.
قلبي وقف.
أمها سألت:
— ليه؟
سهير ردت:
— لأنها كتبت فيه عنوانها.
مافكرتش. ماحسبتش. دخلت المطبخ.
سهير رفعت عينيها… والسكين وقعت من إيدها. لون وشها اختفى. أمها قامت بسرعة من على الكرسي.
بصيت لسهير وقلت:
— عنوان مين يا سهير؟
ما ردتش. قربت خطوة.
— عنوان مين؟!
قالت بصوت مهزوز:
— آدم… إنت جيت إمتى؟
ضحكت. بس ضحكتي كانت مليانة وجع.
— بدري كفاية عشان أعرف إن أمي ما رمتنيش.
فتحت بوقها. لكن قاطعتها:
— وبدري كفاية عشان أعرف إنها كانت فاكرة إننا موتنا.
أمها قالت بسرعة:
— إنت فاهم غلط.
طلعت موبايلي ووريتهالهم.
— التسجيل شغال من عشر دقايق.
الصمت اللي وقع بعدها… كان أثقل من أي صريخ.
سهير قربت مني.
— آدم… اسمعني.
رجعت خطوة.
— عشرين سنة وأنا بسمعك. صوتی اتكسر.
— المرة دي… إنتِ اللي هتسمعيني.
بصيت في عينيها.
— هتطلعيلي الخطاب.
— آدم…
صرخت:
— الخطاب يا سهير!
اتنفضت. ولأول مرة في حياتي… شفت الخوف في عينيها. مش القسوة. مش التعالي. الخوف.
لفت ناحية أمها، كأنها مستنية منها حل. لكن أمها نزلت عينيها للأرض.
سهير قالت:
— هو مش هنا.
— فين؟
— في مكان تاني.
مسكت مفاتيح عربيتها من فوق الرخامة.
— هنروح نجيبه.
قالت:
— دلوقتي؟
بصيت للتورتة. وللشموع اللي عليها رقم ستين. وقلت:
— عيد ميلاد سعيد.
وبعدين بصيت في عينيها:
— دلوقتي.

الفصل الثالث
صندوق أبويا
كنت متوقع إن سهير تاخدني لخزنة. أو بنك. أو حتى بيت قديم.
لكن العربية وقفت قدام الشقة اللي أنا وآسر اتربينا فيها. نفس العمارة. نفس البلكونة. نفس المدخل اللي خرجنا منه وإحنا عندنا تمنتاشر سنة بشنطتين صغيرين.
نزلت سهير. وقالت:
— الحاجة في المخزن اللي فوق السطح.
طلعت وراها. كل خطوة على السلم كانت بترجعني سنين. هنا وقعت وأنا صغير وركبتي اتفتحت. هنا أبويا شالني على كتفه. هنا آسر كان بيستخبى عشان يخضني.
وصلنا للسطح. سهير فتحت أوضة صغيرة مليانة كراتين. وفي آخرها كان فيه صندوق خشب.
قالت:
— أبوك كان محتفظ بحاجاته هنا.
بصيتلها.
— أبويا؟
قالت بسرعة:
— اللي رباك.
نزلت عينيها.
فتحت الصندوق. طلعت صور قديمة. شهادات مدرسة. رسومات أنا وآسر عملناها وإحنا صغيرين.
وبعدين… ظرف أبيض. قديم. عليه كتابة بإيد ست.
سهير مدتهولي. أخدته. إيدي كانت بتترعش.
مكتوب عليه:
“إلى من عنده ولادي آدم وآسر… أرجوكم اقرأوا.”
فتحت الظرف. وكان جواه أربع ورقات. بدأت أقرا.
“أنا اسمي ليلى محمود. ولو الرسالة دي وصلت لكم… فأنا مش جاية آخد منكم حاجة. أنا بس عايزة أشوف ولادي. قالولي يوم ولادتي إن الاتنين ماتوا بعد ساعات. دفنت صندوقين مقفولين من غير ما يسمحولي أشوف وشوشهم. وعشت خمس سنين وأنا بروح المقابر أكلمهم. لحد ما ممرضة كانت شغالة في المستشفى زمان قابلتني بالصدفة… وقالتلي الحقيقة. ولادي ما ماتوش. خرجوا من المستشفى أحياء.”
وقفت عن القراءة. ماقدرتش أكمل. ركبي خانتني. قعدت على الأرض.
سهير كانت واقفة بعيد. ولا نطقت.
رجعت أبص للورق.
“أنا دورت عليهم سنين. عرفت إنهم دخلوا دار رعاية فترة قصيرة. وبعدين خرجوا مع أسرة. وصلت لاسم الأسرة بصعوبة. وعرفت عنوانكم. أنا مش عايزة أهد بيتكم. لو هما بيحبوكم، أنا مش هطلب منهم يسيبوكم. أنا بس نفسي يشوفوني. نفسي أقول لهم إني ما سبتهمش. إني ما اخترتش أعيش من غيرهم. لو سمحتوا… قولوا لهم إن أمهم بتحبهم.”
دموعي نزلت على الورقة. وفي آخر الصفحة كان فيه رقم تليفون. وعنوان. وتاريخ. من 15 سنة.
بصيت لسهير.
— الرسالة دي وصلت وأنا عندي كام سنة؟
قالت بصوت واطي:
— تمانية.
حسيت بحاجة بتخبط في صدري.
— يعني وهي كانت بتدور علينا… كنتِ بتقولي لنا إنها رمتنا؟
سهير ما ردتش.
قمت وقربت منها.
— سألتك سؤال.
قالت:
— كنت خايفة.
ضحكت بمرارة.
— من إيه؟
فجأة صوتها علي:
— من إنها تاخدكم!
بصيتلها. سهير بدأت تعيط. أول مرة أشوفها بتعيط بالطريقة دي.
— أنا ما كنتش بخلف يا آدم! أبوك كان نفسه يبقى عنده ولاد. ولما لقيناكم… البيت اتغير. بقى فيه ضحك. بقى فيه حياة.
قلت:
— فكدبتي.
— آه.
— وحرمتينا منها.
— كنت خايفة تحبوها أكتر مني.
اتسمرت. دي كانت الحقيقة كلها بالنسبة لها. مش مصلحتنا. مش حمايتنا. غيرة. أنانية. خوف.
قلت:
— ولما أبويا مات؟
ما ردتش.
— ليه طردتينا؟
مسحت دموعها. وقالت الجملة اللي وجعتني أكتر من كل اللي فات:
— لأن كل ما كنت ببص في وشوشكم… كنت بفتكر اللي عملته.
سكت. هي كملت:
— وكنت بكره نفسي.
قلت:
— فبدل ما تصلحي غلطك… عاقبتينا إحنا؟
نزلت عينيها.
بصيت للعنوان. قلت:
— هي لسه عايشة؟
سهير هزت راسها.
— معرفش.
لفيت ومشيت. نادتني:
— آدم.
وقفت. قالت:
— لو لقيتها…
بصيت لها. قالت بصوت مكسور:
— ماتقولهاش إني كنت عارفة من الأول.
رديت:
— إنتِ لسه فاكرة إن اللي يهمني دلوقتي صورتك قدامها؟
وسبتها.
أول ما نزلت الشارع… كلمت آسر.
رد وهو بيضحك:
— يا عم إنت اختفيت فين؟ رحت عيد الميلاد ولا نفضت؟
ماعرفتش أتكلم. لاحظ سكوتي.
— آدم؟
قلت:
— آسر…

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى