قصص وروايات

امي الحقيقية

وساعتها انهارت.
حضنت إيدي لصدرها.
آسر قعد على الناحية التانية.
فضلنا ساكتين.
ولا واحد فينا كان محتاج تفسير وقتها.
بعد شوية…
قالت:
— هي قالتلكم؟
قلت:
— سمعتها بالصدفة.
وشها اتوتر.
— سهير؟
هزيت راسي.
غمضت عينيها.
قالت:
— أنا كرهتها سنين.
سكتت.
— وبعدين بطلت.
بصينا لها.
قالت:
— الكره كان بياكل العمر اللي فضلي.
آسر قال:
— هي خدت مننا عمر كامل.
أمي مسحت دموعه.
— ما تخلوهاش تاخد الباقي.
الجملة دي…
فضلت جوايا.
بعد ساعة، الدكتور دخل.
قال إن حالتها مستقرة لكن محتاجة متابعة وعلاج.
قلت من غير تفكير:
— هتخرج معانا.
أمي بصتلي.
— يا ابني…
قلت:
— كفاية عشرين سنة.
آسر ابتسم.
— وعندنا أوضة فاضية.
قالت:
— مش عايزة أكون حمل عليكم.
ضحكت لأول مرة.
— إنتِ لسه ما تعرفيش ولادك كويس.
ابتسمت وهي بتعيط.
لكن قبل ما نمشي…
قالت:
— فيه حاجة لازم تعرفوها.
بصينا لها.
قالت:
— سهير مش هي اللي بدأت الموضوع.
سألت:
— يعني إيه؟
قالت:
— أمها.
افتكرت الست اللي كانت قاعدة معاها في المطبخ.
أمي كملت:
— أم سهير كانت شغالة في المستشفى اللي ولدت فيه.
آسر اتسمر.
قالت:
— وهي اللي قالتلي إنكم موتوا.
الفصل السادس
الحساب القديم
رجعنا بيت سهير بعد يومين.
المرة دي…
ما رحتش لوحدي.
آسر كان معايا.
ومعانا المحامي اللي كلمناه بعد ما احتفظنا بنسخة من التسجيل والخطابات.
ماكناش رايحين نعمل فضيحة.
ولا نصرخ.
كنا عايزين الحقيقة كاملة.
سهير فتحت الباب.
أول ما شافتنا…
عرفت.
قالت:
— لقيتوها؟
قلت:
— آه.
سكتت.
آسر قال:
— وأمك فين؟
سهير اتوترت.
— مشيت بيتها.
قلت:
— كويس.
دخلنا.
حطيت الخطاب على الترابيزة.
وقلت:
— احكي من الأول.
سهير قعدت.
فضلت ساكتة دقايق.
وبعدين قالت:
— ماما عرفت إني مش بخلف.
— وبعدين؟
— جوزي كان رافض التبني في الأول. بعدين بدأ يفكر فيه.
بلعت ريقها.
— ماما قالتلي إنها تعرف حالة طفلين توأم… أمهم لوحدها، وأبوهم ميت.
آسر قال:
— فخدتونا؟
سهير هزت راسها.
— أنا وقتها كنت فاكرة إنها سابتكم فعلًا.
بصيت لها.
— بس عرفتي الحقيقة بعدين.
— آه.
— إمتى؟
— بعد حوالي سنة.
ضغطت على إيدي.
— وبعدها؟
— خفت.
— فسكتي.
— آه.
آسر قال:
— وأمك؟
سهير بكت.
— هي اللي زورت الورق الأول.
المحامي سألها بهدوء:
— عندك أي دليل؟
سهير قامت.
دخلت أوضة.
رجعت بملف.
حطته قدامنا.
— أنا كنت محتفظة بيه.
فتحناه.
أوراق قديمة.
أسماء.
تواريخ.
خطاب بخط أم سهير.
ونسخة من أوراق خروجنا من المستشفى.
المحامي فضل يبص فيها.
وبعدين قال:
— الموضوع أكبر مما توقعت.
سهير قالت:
— أنا مستعدة أقول كل حاجة.
آسر ضحك بسخرية.
— بعد عشرين سنة؟
قالت:
— عارفة إن ده مش هيصلح حاجة.
بصتلي.
— بس أبوكم… الراجل اللي رباكم… كان بيحبكم فعلًا.
قلت:
— عارف.
— ومات وهو فاكر إنه أنقذكم.
دموعي لمعت.
— وعشان كده مش هسمح إن اسمه يدخل في اللي عملتيه.
هزت راسها.
— معاك حق.
قمت.
قالت:
— آدم.
بصيتلها.
— هتسامحني؟
فضلت ساكت.
وقت طويل.
وبعدين قلت:
— مش النهارده.
عينيها نزلت.
قلت:
— ويمكن مش بكرة.
— فاهمة.
— لكن أمي قالتلي حاجة.
رفعت عينيها.
قلت:
— قالت ما نخليش الكره ياخد باقي عمرنا.
سكتت.
— فمش هعيش وأنا بحاول أنتقم منك.
تنفست.
لكن كملت:
— وده مش معناه إن مفيش حساب.
سيبت المحامي يكمل معاها.
ومشيت أنا وآسر.
بره العمارة…
آسر بصلي.
— حاسس بإيه؟
فكرت.
قلت:
— لأول مرة… مش حاسس إني مرمي.
ابتسم.
— وأنا كمان.
الفصل الأخير
أول عيد ميلاد حقيقي
عدى ست شهور.
أمي صحتها اتحسنت.
انتقلت تعيش قريب مننا، مش معانا زي ما كنا مصرين.
قالت:
— إنتوا ضيعتوا عشرين سنة من غيري، مش هضيع عليكم استقلالكم وأنا جاية في الآخر أتحكم فيكم.
اكتشفنا إنها بتحب الشاي تقيل.
إن آسر واخد منها طريقة الضحك.
وإني واخد منها عادة إني أسكت لما أزعل.
اكتشفنا إن عندنا خال.
وبنت خال كانت تعرف إن ليها اتنين أولاد خالة ضايعين في الدنيا.
واكتشفنا صور لأبونا الحقيقي.
كان اسمه محمود.
مات في حادث قبل ولادتنا بأربع شهور.
أمي كانت محتفظة بصورته.
يوم ما وريتهالنا…
بصيت أنا وآسر لبعض.
كان شبهنا بشكل يخوف.
أما سهير…
فقالت كل اللي تعرفه في التحقيق.
وأمها واجهت مسؤولية اللي عملته بعد ما ظهرت المستندات والشهادات القديمة.
ما كنتش مهتم أعرف هتتحاسب إزاي قد ما كنت مهتم بحاجة واحدة:
إن الحقيقة أخيرًا اتقالت.
وفي عيد ميلادي أنا وآسر…
أمي عملت لنا تورتتين.
قلت لها وأنا بضحك:
— إحنا توأم يا ماما، تورتة واحدة كانت تكفي.
قالت:
— لأ.
حطت واحدة قدامي.
وواحدة قدام آسر.
— أنا فاتني عشرين عيد ميلاد لكل واحد فيكم… سيبوني أدلعكم براحتي.
ضحكنا.
وبعدين طلعت من دولابها صندوقين صغيرين.
فتحت واحد.
لقيت عربية لعبة قديمة.
نفس العربية اللي كانت بتشتري زيها كل سنة.
قالت:
— دي أول هدية اشتريتها لك وإنت عندك ست سنين.
مسكتها.
وماعرفتش أقول حاجة.
آسر سألها:
— وإنتِ كنتِ بتعملي إيه يوم عيد ميلادنا؟
قالت:
— كنت بعمل تورتة.
سكتنا.
كملت وهي مبتسمة:
— وأحط عليها شمعتين… واحدة ليك وواحدة لآدم.
قلت:
— لوحدك؟
هزت راسها.
— وأدعي ربنا يجمعني بيكم قبل ما أموت.
قمت من مكاني.
حضنتها.
آسر حضننا إحنا الاتنين.
وفي اللحظة دي…
افتكرت سهير وهي بتقول:
“كل حاجة مشت زي ما كنت مخططة.”
ابتسمت بين دموعي.
لأنها كانت غلط.
خطتها نجحت عشرين سنة.
لكنها ما نجحتش للأبد.
الحقيقة ممكن تتأخر.
ممكن تتدفن تحت كدب سنين.
وممكن ناس كاملة تبني حياتها فوقها.
لكن أحيانًا…
جملة واحدة بتتقال من غير حساب…
تفتح باب كان مقفول عشرين سنة.
وأنا طول عمري كنت فاكر إن أصعب حقيقة ممكن أعرفها…
إن أمي رمتني.
لكن اكتشفت إن الحقيقة كانت العكس تمامًا.
أمي ما رمتناش.
أمي فضلت عشرين سنة…
مستنيانا نرجع.
تمت
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري، ممنوع النسخ.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى