انا وسلفتي

سلفتي كانت كل مرة تيجي تاكل عندي تقول نفس الجملةالأكل حلو بس جوزي مش بيحب النوع ده.
في الأول كنت بعتبرها مجرد ملاحظة عابرة، وأضحك وأقول لها
خلاص المرة الجاية أعمل حاجة على ذوقه.
لكن الغريب إنها بعد كل أكلة كانت تبدأ تسألني أسئلة كتير جدًا.
حطيتي كام معلقة زيت؟
اللحمة بتتبلي بإيه؟
حطيتي البهارات قبل الصلصة ولا بعدها؟
والتسوية بتاخد منك قد إيه؟
حتى كنت أحيانًا أكون لسه بحط الأكل على السفرة، ألاقيها سايبة الأكل وبتبصلي
إنتِ بتعملي البشاميل بالطريقة دي إزاي؟
كنت بقول لنفسي إنها بتحب تتعلم.
وكنت فعلًا أديها الوصفات من غير تفكير.
لحد ما بدأت ألاحظ حاجة غريبة.
كل مرة أعمل أكلة جديدة وأنزل صورتها على جروب العيلة، بعدها بيومين ألاقيها بتسألني عن نفس الأكلة بالتفصيل.
وفي مرة عملت صينية بطاطس بطريقة معينة، وهي كانت عندي قالتلي
حلوة أوي بس جوزي مستحيل ياكلها كده.
وبعدها قعدت تسألني عن كل حاجة حطيتها فيها.
حتى نوع التوابل.
ضحكت وقلت
هو إنتِ هتفتحي مطعم ولا إيه؟
ضحكت هي كمان وقالت
لا يا بنتي، أصل جوزي بېموت في الأكل البيتي.
ماخدتش بالي من حاجة.
لحد يوم كنت عند حماتي، وسمعت سلفتي بتتكلم مع واحدة من قرايبنا في المطبخ.
أول ما دخلت، سكتوا.
قلت
خير؟
قالت
ولا حاجة.
لكن بعدها بأسبوع، حصل موقف خلاني أربط كل حاجة ببعض.
كنت عاملة عزومة كبيرة عندي، وعملت أكتر من صنف.
سلفتي وصلت بدري، وقعدت في المطبخ معايا كعادتها.
وبدأت تسألني
إنتِ حطيتي إيه في
التتبيلة؟
رديت عليها بشكل طبيعي.
لكن المرة دي ركزت معاها.
كل سؤال كانت بتسأله، كانت بتكتبه على موبايلها.
قلت لها
إنتِ بتكتبي إيه؟
قفلت الموبايل بسرعة.
ولا حاجة، بس بفكر أعملها عندي.
ابتسمت.
لكن قلبي بدأ يقول إن الموضوع أكبر من كده.
وبعد ما العزومة خلصت، وأنا بودّعها، قالتلي نفس الجملة المعتادة
الأكل حلو بس جوزي مش بيحب النوع ده.
المرة دي ما ضحكتش.
بصيت لها وقلت
غريبة إنتِ عارفة كل مكوناته أكتر مني تقريبًا.
وشها اتغير للحظة.
وبعدين ضحكت وقالت
بهزر معاكي.
لكن بعدها بأيام، اكتشفت الحقيقة.
كنت داخلة جروب العيلة، لقيت صورة لسفرة عند حماتي.
نفس الأكلة اللي كنت عاملاها عندي.
نفس الشكل.
نفس التتبيلة.
حتى طريقة التقديم كانت زي ما أنا بعملها.
وتحت الصورة، حماتي كاتبة
برافو يا حبيبتي أخيرًا عرفتي تعملي الأكل بالطريقة اللي جوزك بيحبها.
فضلت أبص للصورة وأنا مش مستوعبة.
لحد ما سلفتي بعتتلي بعدها بدقايق
إيه رأيك؟ طلعت حلوة؟
ساعتها فهمت إن كل مرة كانت بتقول فيها إن جوزها مش بيحب أكلي
ماكانتش بتنتقدني أصلًا.
كانت بتجمع وصفاتي واحدة واحدة.
فضلت قاعدة على السرير، عيوني مثبتة على الصورة اللي في الموبايل، وقلبي بيخفق بسرعة مش عارفة أفسّرها. مش مجرد إنها سړقت وصفاتي ده كان ممكن يهون، كنت قلت ربنا يسهلها، كل واحد حر في طبخه. لكن اللي كان بيوجع القلب ومخلي الډم يغلي في عروقي، إنها كانت بتستخدم كل تفصيلة صغيرة علشان تبني لنفسها صورة قدام العيلة، وتبدو إنها هي الست المثالية اللي بتعرف تخدم جوزها وتطبخ له
اللي بيحبه. وأنا؟ كنت مجرد مصدر إلهام مجاني، تاخد مني وتكمل حياتها، ولا كأن ليّا أي فضل أو قيمة.
رجعت بذاكرتي لورا، لكل مرة كانت تجي فيها وتقعد في مطبخي، وتسألني بكل هدوء واهتمام حطيتي كام معلقة زيت؟ إيه سر التتبيلة دي؟ إزاي البشاميل يطلع كده كريمي ومتماسك؟ وكنت أنا بكل طيبة قلب، أشرحلها بالتفصيل، وأديها المقادير بالمللي، وأقولها جربي الطريقة دي ومش هتندمي. وكل مرة كانت تنهي الحديث بجملتها السحرية بس جوزي ما بيحب النوع ده كانت بتقولها كأنها بتعزّي نفسي، وكأنها بتقول إن الأكل حلو بس المشكلة في ذوق جوزها، مش في طبخها. والحقيقة إنها كانت بتقولها علشان تمنعني من إن أروح أعمله تاني قدام الناس، أو علشان محدش يربط الأكل الحلو ده بيا أنا. كانت بتشيل اسمي من على الوصفة وتحط اسمها هي بكل بساطة.
قعدت أفكر هي بدأت الموضوع ده إمتى؟ أكيد من أول مرة شافتني بعمل صينية البطاطس بالكريمة اللي الكل اټجنن عليها في عزومة رمضان اللي فاتت. ساعتها الكل كان بيسألني عن الطريقة، وهي كانت قاعدة تتفرج وتبتسم، وقالت أيوة حلوة، بس جوزي بياكل البطاطس مقلية بس. والآن ألاقيها عاملها بالظبط نفس الطريقة، وحماتي بتكتبلها كلام مدح كأنها اختراع جديد!
لمحت رسالة تانية وصلت من سلفتي يا ستي، جوزي أكل الصينية كلها وقال إنها أحلى أكلة أكلها في حياته! شكرًا يا حبيبتي على النصايح كأنها بتسخر مني، كأنها بتضربني على الچرح بكل قوة. رديت عليها بكل برود ألف مبروك، ربنا يهنيكم. تستاهلي كل خير. ما قدرت أقول كلام أكتر من كده، لأن حلقي كان بيوجعني من الغصة اللي جتني.
في اليوم التالي، قررت أروح لحماتي، كنت عايزة أفهم حاجة واحدة هل هي كانت عارفة باللي بيحصل؟ ولما وصلت، لقيت سلفتي قاعدة هناك، بتشرب شاي وتتكلم مع حماتي بكل راحة واطمئنان. أول ما شافتني، ابتسمت وقالت أهلاً يا حبيبتي، تعالي أقعدي، كنا نتكلم عليكي. قلبي نغزني، قلت خير؟ بتقولوا إيه؟ قالت حماتي بلهجة مليانة عطف بنتي، سلفتك قالتلي إنك بتعاني شوية في ضبط الأكل، فهي قررت تاخد أيدك وتعلمك الطرق الصح، علشان جوزك يبقى مبسوط منك. ربنا يخليها لكي، قلبها أبيض.
ساعتها الدنيا كلها دارت بيا. يعني إيه؟ هي مش بس بتسرق وصفاتي لأ! دي كمان بتقول للناس إنها اللي بتعلمني أنا الأصل! إنها اللي بتعطيني من خبرتها علشان أتعلم! وقفت مكاني مش عارفة أتكلم، عيوني كانت بتدمع من غير ما أشعر، وسلفتي كانت بتتفرج عليّ وشها ملامحها مليانة براءة مصطنعة، كأنها مالهاش أي دور في الكلام ده.
جمعت شجاعتي وبصيت لحماتي وقلت يا حماتي، الحقيقة إن العكس هو الصح. كل أكلة سلفتك بتعملها دي، أنا اللي كنت أعلمهالها، وهي كانت
تجي عندي وتسألني عن كل تفصيلة وتكتبها. وكل مرة كانت تقول إن جوزها مش بيحب الأكل بتاعي، والآن ألاقيها تعمله وتنسبه لنفسها. سكتت حماتي للحظة، وبصت لسلفتي، اللي قامت فورًا وقفت وصړخت أيوة؟ يعني أنا كذابة؟ أنا اللي تعبت وسهرت وجربت واتعلمت، ودي أول مرة أسمع الكلام ده! كل ده حسد منك




