قصص و روايات

انا وسلفتي

علشان الناس شافت شغلي وأثنت عليه!
دخل جوزي وجوزها على الصوت العالي، وسألوا في إيه. حكيت لجوزي كل حاجة، من أول سؤالها عن المقادير لحد ما كشفت الصور والرسايل. توقعته يوقف جنبي، أو على الأقل يقول كلمة حق لكنه نظر لي بكل هدوء وقال يا حبيبتي، الموضوع ميستهلش كل الزعل ده. الوصفات دي مش ملك حد، وكل واحدة بتطبخ بذوقها. يمكن هي فعلاً حبت تتعلم منك، ونجحت في إنها تطبخها بطريقتها الخاصة. المهم إن الكل يبقى مبسوط، والبيت ما يتخربش.
كلماته كانت زي السکين اللي بيقطع قلبي. يعني حتى هو مش شايف إن في غلط؟ مش شايف إن في خېانة للأمانة وللعلاقة الطيبة اللي بينا؟ طلعت من البيت بسرعة، وأنا مش عايزة أسمع كلام حد. مشيت في الشوارع وأنا أفكر في حالي هل كان غلط مني إنني كنت كريمة؟ هل طيبة قلبي وتعاملي النضيف مع الناس بيخلّيهم يستغلويني؟
مرت أيام وأنا مقطوعة العلاقة معاهم كلهم. كنت أقعد في بيتي، أطبخ لنفسي ولجوزي، بس ما كنتش أنزل أي صور، ولا أسمح لحد يزورني ويقف في مطبخي. جوزي حاول يصالحني، وقال إن العيلة لازم تظل متصلة، وإنني لازم أتنازل علشان الخاطر. لكن قلبي كان قاسې، والچرح لسه طرّي.
وفي يوم، جتني رسالة غريبة على موبايلي، من رقم مش معروف. فتحتها ولقيت فيها تسجيل صوتي. صوت سلفتي كان واضح وبيقول إيه يا ست الكل؟ زعلتي؟ كنت فاكرة إنك أذكى من كده. بصي، أنا ما كنتش عايزة أعمل كده، بس حماتي هي اللي قالتلي إنك بتأكلي جوزك أكل غريب وإن نفسو في أكل زي بتاع الناس. قالتلي خذي الوصفات واعمليها، وقولي إنك اللي اخترعتيها، علشان جوزها يصرف نظره عنك ويشوفك أنت الست الشاطرة. وصدقيني، أنا كنت بفكرك ضعيفة ومش هتقدري تكتشفي، بس يلا، اللي حصل حصل. نصيحة مني لو عايزة تفضلي في العيلة دي، اتعلمي تضحي زيي.
سقط الموبايل من إيدي على الأرض، وأنا مشدوهة. إذن الموضوع أكبر من سلفتي وحدها؟ حماتها كانت شريكة في الخطة من الأول؟ كل ده علشان إيه؟ علشان تسيطر على البيت وتقسم الأدوار زي ما هي عايزة؟ علشان تخلق لنفسها ملكة جمال في المطبخ، وتخليني أنا مجرد ظل؟
رجعت جمعت نفسي، وقررت إنني مش هسمح لأي حد يلعب بيا أو يقرر مصيري. أخذت التسجيل، وذهبت لحد ما وصلت لبيت حماتي، ولقيت الكل هناك
متجمع. وقفت في نص الصالة وقلت بصوت عالٍ جيت أقول لكم الحقيقة الأخيرة، وبعد كده مش هتشوفوني ولا هسمح لكم تتدخلوا في حياتي تاني. شغلت التسجيل، وكلهم سمعوا كلام سلفته اللي بيعترف بكل حاجة، وبيكشف دور حماتها في التدبير.
ساد الصمت المكان كله. حماتي وشها احمر وازرق، وما قدرت ترفع عينها في عين حد. سلفتي كانت قاعدة في الزاوية، پتنهار من العياط وتحاول تبرر نفسها كانت بتضغط عليّ قالتلي هتحرمني من الورث قالتلي هتخلي جوزي يطلقني بصيت لها بكل شفقة وقلت أنا مش عايزة أسمع تبريراتك. اللي عملتيه ما كانش هينجح لو كنتي أنتِ أصلًا عندك ضمير أو وفاء. كنتي تختاري الطريق الصح، مهما كانت الضغوط.
بصيت لجوزي اللي كان واقف مصډوم، وقلت له ده كان اختبار لينا كلنا. وأثبتّ إنك بتختار راحتك وراحة العيلة على حساب حق زوجتك وكرامتها. أنا ما قلتلك خد بجانبي بالغلط، قلتلك قول كلمة الحق. وانت ما قلتهاش. ثم أخذت حقيبتي وخرجت من البيت، ومن يومها لم أعد أعود إليه.
مرت شهور، وأنا بدأت حياة جديدة. فتحت لنفسي حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، أسميته أكل بيتي بكل حب، وبدأت أنشر فيه وصفاتي الحقيقية، بأسلوبي الخاص، وبصوتي أنا. لم أخفِ أي تفصيلة، ولم أكن بخيلة بأي معلومة، لكن هذه المرة، كنت أضع اسمي على كل وصفة، وأحرص على أن يُعرف الجميع من هو صاحب الإبداع. كبر الحساب بسرعة، وبدأ الناس يطلبون مني أطبخ لهم، وفتحت مشروع صغير لتقديم الأكلات المنزلية، أدارته بنفسي، بكل فخر وكرامة.
سمعت أخبار العيلة من بعيد سلفتي حاولت تطبخ وصفات من عندها، لكن الكل لاحظ الفرق، لأنها كانت تفتقد الروح والحب اللي كنت أضيفه لكل أكلة. حماتها مرضت، ولم يجدوا من يخدمها بالطريقة اللي كانت تتمناها. وجوزي حاول يرجع إليّ أكثر من مرة، لكنني كنت أعرف أن العودة تعني العودة لنفس الظلم، ونفس التنازلات اللي لم أعد مستعدة أقدمها.
وفي ليلة ونا جالسة أراجع طلبات المطعم الصغير بتاعتي، وقعت عيني على دفتر قديم، كنت أدوّن فيه وصفاتي الأولى، بخط يدي. فتحت الصفحة الأولى، وقرأت الجملة اللي كتبتها لنفسي من زمان الطبخ مش مجرد خلط مكونات الطبخ هو إنك تدي جزء من قلبك للناس اللي بتحبهم. ابتسمت، وكتبت تحتها وإذا حبوا يسرقوا منك الجزء ده، فالدنيا هتظل تديك أكتر وأكتر، طالما قلبك نقي ونيتك صافية.
لقد خسړت علاقات كنت أظنها تدوم للأبد، وخسړت بيتًا حاولت أن أجعله جنة، لكنني كسبت شيئًا أهم بكتير كرامتي، ونفسي الحقيقية، وفرحتي بما أبدعه بيديّ. والآن، كل مرة حد يسألني إزاي بتعملي الأكل ده؟ أبتسم وأقول له بكل ثقة تعالى أعلّمك، بس متنساش تذكر اسمي لما تنجح فيه.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى