قصص وروايات

العقيد

العقيد ابتسم ابتسامة ساخرة.
وبشكل مفاجئ، زقها من كتفها.
الكاب وقع من على رأسها وارتطم بالأرض الخرسانية.
وفي اللحظة دي، خرجت ضحكات مكتومة من بين الصفوف.

العقيد بص لها باحتقار وقال:
— كده أحسن… على الأقل دلوقتي عرفتي مكانك.

لكن…
هنا بالضبط حصل شيء محدش كان متوقعه.
البنت رفعت رأسها ببطء.
ولأول مرة، العقيد ركز في عينيها.
كان متوقع يشوف خوف.
ارتباك.
ندم.
لكن اللي شافه كان العكس تمامًا.
هدوء بارد.
هدوء شخص مش حاسس إنه في موقف ضعيف أصلًا.

وببطء شديد…
دخلت إيدها في جيب بدلها.
العقيد ابتسم بسخرية وقال:
— إيه؟! هتطلعي منديل تمسحي بيه دموعك؟!

لكن بعد ثانية واحدة…
ابتسامته اختفت تمامًا.
لأن البنت طلعت من جيبها…
شارة سوداء ثقيلة، عليها ختم ذهبي خاص بوزارة الدفاع، ومعاها شريط أحمر يدل على أعلى مستوى أمني.

الجو كله اتغير.
الضحكات اختفت.
والهمسات اتقطعت.
حتى العقيد نفسه فضل باصص للشارة كأنه مش مصدق اللي شايفه.

النوع ده من الشارات…
مكانش بيتمنح لأي حد.
كانت بتصدر فقط لأفراد تابعين لوحدة التفتيش العسكرية السرية.

لكن البنت لسه مخلصتش.
مدت إيدها تاني…
وطلعت بطاقة تعريف صغيرة.
العقيد قرب بنظره منها.
الصورة الموجودة على البطاقة كانت…
صورتها هي.
وتحت الصورة كانت مكتوبة بياناتها.
قرأها العقيد…
وفجأة ملامحه اتغيرت.
الكلمات كانت واضحة:
«ألينا ف… ممثلة خاصة للقيادة العليا – إدارة التفتيش الداخلي.»

ثواني من الصمت التام مرت على المكان.
وبعدين…
وش العقيد هامر بدأ يشحب.
همسة خافتة انتشرت بين الصفوف:
— مستحيل…

مجند تاني بص لزميله وكأنه مش مصدق:
— هي من التفتيش السري؟!

البنت ما اهتمتش بالهمسات.
بهدوء شديد، قامت من على ركبتها.
نفضت التراب اللي اتعلق ببدلتها.
عدلت ملابسها.
وبعدين رفعت عينيها ناحية العقيد مباشرة.
المرة دي…
هو اللي ماقدرش يبص في عينيها.

قالت بصوت هادي لكنه حاسم:
— يا سيادة العقيد… القاعدة بتاعتكم تحت التفتيش السري بقالها تلات شهور.

هامر فضل ساكت.
كملت:
— والنهارده… حضرتك فشلت في الاختبار.

ملامح العقيد اتجمدت.
لأول مرة من سنين طويلة…
الراجل اللي كل الأكاديمية كانت بتخاف منه، واللي كان قادر يرعب عشرات المتدربين بمجرد نظرة…
وقف قدام الجميع ومش عارف يقول كلمة واحدة.

أما المجندة…
ففضلت واقفة بكل ثبات.
ولا كأنها كانت من شوية راكعة على الأرض.

في اللحظة دي، كل اللي في ساحة العرض فهموا الحقيقة.
هامر…
الراجل اللي قضى سنين وهو بيختبر أعصاب الآخرين ويهين اللي قدامه عشان يثبت سلطته…
كان هو نفسه دلوقتي تحت الاختبار.
والأسوأ من كده؟
إنه فشل…
قدام السرية كلها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى