المرتبة الملطخة

أبويا وأمي رفضوا يغيروا المرتبة الملطخة اللي بيناموا عليها بقالهم 31 سنة… لكن اللي العمال لقوه جواها خلّى أمي ترجع البيت جري بعد 3 دقايق بس.
أبويا وأمي كانوا بيناموا على نفس المرتبة في بيتهم الريفي بقالهم 31 سنة كاملة.
السبت اللي فات، قررت أدفع لراجلين ييجوا ياخدوها ويرموها.
البيت بعيد حوالي ساعة ونص، وأبويا وأمي بقوا في السبعينات، ومابيطلعوش هناك غير لما الجو يبقى كويس.
وده أصلًا كان السبب إن محدش اهتم يصلح أي حاجة في البيت طول السنين دي.
المرتبة كان فيها حفرة كبيرة في النص من كتر الاستخدام.
القماش بقى رمادي، وفي ناحية الركن السفلي كانت فيه بقعة بنية كبيرة، وتحتها علامات أقدم فوق بعض، كأنها دواير قديمة على ترابيزة.
قلت لأمي:
— المرتبة دي خلاص انتهت.
ردت بمنتهى الهدوء:
— مافيهاش حاجة. إحنا بس بننام عليها.
قلت لها:
— يا أمي، دي أقدم من جوازي.
بصت ناحية أبويا وقالت:
— وأبوك كمان.
بعدها بطلت أجادل.
حجزت مرتبة جديدة من غير ما آخد رأيهم.
التوصيل يوم السبت الصبح، والقديمة تتشال في نفس الوقت.
ودفعت زيادة علشان العمال ياخدوها معاهم، عشان محدش يبدأ يتخانق على هنحطها فين.
الخطة كانت بسيطة.
أدخل العمال البيت، وبعدها آخد أبويا وأمي وننزل نقضي كام ساعة بره.
ولما نرجع، يبقى جاهز والمرتبة القديمة اختفت.
واليوم فعلًا بدأ كويس.
أبويا نام على كرسي قابل للطي وحاطط الجرنال على وشه.
وكنا قاعدين على ترابيزة بره مكان بيقدم أكل سمك، حوالي الساعة واحدة ونص، لما موبايلي رن.
ماكانش شغل.
كان سواق العربية اللي جابت المرتبة الجديدة.
نفس الرقم اللي كنت باعتله عليه كود البوابة.
رديت.
قال لي:
— يا فندم، إحنا وقفنا الشغل. المرتبة القديمة لسه في أوضة النوم. ماطلعناهاش.
كنت سامع صوت الهوا، وصوت العامل التاني بيتكلم وراه.
قلت:
— ليه؟ حاجة اتكسرت؟
قال:
— لأ. مافيش حاجة اتكسرت.
سكت.
استنيت يكمل.
وبعدين قال:
— الموضوع في الحاجة اللي كانت تحتها.
قلت:
— تحتها إزاي؟ تحت المرتبة؟
قال:
— بين المرتبة وقاعدة .
سمعته وهو بيتحرك، وبعدها صوت باب بيتقفل.
ثم سألني:
— حضرتك قلت إن ده بقاله عندهم قد إيه؟
قلت:
— 31 سنة. ليه؟
رفعت عيني، لقيت أمي بتبصلي من الناحية التانية للترابيزة، والكوباية واقفة في نص الطريق لبقها.
قلت للعامل:
— قول لي بس إنتوا لقيتوا إيه.
رد:
— مش هينفع أوصفهولك في التليفون.
صوته ماكانش بيبالغ.
كان بيتكلم بحذر شديد، كأنه خايف يقول كلمة مش مكانها وهو واقف جوه بيت حد تاني.
قال:
— إحنا مش هنلمسه، ومش هنحركه. كل حاجة هتفضل زي ما هي لحد ما حضرتك تشوفها بنفسك.
قلت له:
— أنا بعيد حوالي 40 دقيقة.
قال:
— هستناك الأربعين دقيقة.
وسكت لحظة.
سمعت العامل التاني بيقوله حاجة.
هو غطى السماعة ثواني.
وبعدين رجع وقال:
— يا فندم…
وسكت ثانية كأنه بيختار كلامه.
— تعالى لوحدك.
حسيت بشيء اتقبض جوا صدري.
قلت:
— يعني إيه؟
قال:
— ماتجيبش والدتك لأوضة النوم قبل ما حضرتك تدخل وتشوف اللي هناك الأول.”الحكاية لم تنتهِ بعد…”
📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق.
✍️ الكاتبة أسما السيد
رجعت البيت وأنا طول الطريق حاسس إن الأربعين دقيقة أطول من أي طريق مشيته في حياتي.
ماقلتليش أمي ولا أبويا حاجة.
قلت لهم بس:
— شكل في مشكلة بسيطة في التوصيل، هروح أشوفها وراجع.
أمي بصتلي نظرة طويلة.
— مشكلة إيه؟
ابتسمت غصب عني.
— ولا حاجة تقلق.
لكن واضح إنها ماصدقتنيش.
ركبت العربية، وسيبتهم قاعدين، ومشيت.
كل كلمة قالها العامل كانت بتلف في دماغي.
“تعالى لوحدك.”
“ماتدخلش والدتك أ”
إيه اللي ممكن يكون موجود تحت مرتبة عمرها 31 سنة يخلي راجلين كبار يرفضوا حتى يلمسوه؟
لما وصلت، لقيت عربية التوصيل واقفة قدام البيت.
العاملين كانوا مستنييني بره.
أول ما نزلت، واحد منهم قرب مني وقال:
— قبل ما تدخل… إحنا مالمسناش أي حاجة.
قلت بعصبية:
— فهمت. وروني.
دخلنا البيت.
الممر كان هادي جدًا.
ولما قربنا من أوضة النوم، لقيت المرتبة مرفوعة على جنب، ومسنودة على الحيطة.
قاعدة الخشب ظهرت بالكامل.
وفي النص…
كان فيه جزء من القماش مقطوع بشكل مستقيم، كأنه اتفتح واتقفل كذا مرة.
العامل أشار بإيده.
— هنا.
قربت.
بين قاعدة والخشب كان فيه تجويف صغير.
وجواه…
كيس قماش قديم.
لونه كان في الأصل أبيض، لكنه بقى أصفر من الزمن.
فوقه شريط لاصق متآكل.
وتحته ظرف بني سميك.
قلت:
— ده كل اللي خوّفكم؟
العامل بصلي وقال:
— لأ.
وأشار ناحية الركن.
كان فيه صندوق معدني صغير.
وعليه ورقة مطوية.
مديت إيدي ناحيتها، لكن العامل قال بسرعة:
— لو مكانك، أقرأ الورقة الأول.
فتحتها.
الخط كان قديم ومهزوز.
لكن أول جملة خلتني أتجمد.
“لو حد لقى الحاجات دي، يبقى إحنا ماقدرناش نخلي السر مدفون.”
بلعت ريقي.
كملت.
“ممنوع والدتك تشوف الصندوق قبل ما تعرف الحقيقة.”
وقتها حسيت إن رجلي ماعادتش شايلاني.
بصيت للعاملين.
قلت:
— مين كتب ده؟
واحد منهم قال:
— إحنا افتكرنا حضرتك هتعرف.
قلبت الورقة.
وفي آخرها…
كان فيه تاريخ.
من 31 سنة.
نفس السنة اللي أبويا وأمي اشتروا فيها المرتبة.
وتحت التاريخ كان فيه توقيع.
توقيع أبويا.
فضلت واقف أبص عليه مش مستوعب.
أبويا كتب الرسالة دي؟
طب ليه؟
وإيه اللي مخبيه عن أمي كل السنين دي؟
مديت إيدي للصندوق.
كان مقفول بمشبك صدئ، لكنه فتح بسهولة.
وأول ما رفعت الغطا…
لقيت مجموعة صور قديمة.
خطابات.
وشهادة ميلاد.
أخدت شهادة الميلاد بإيدي.
ولما قرأت الاسم المكتوب فيها…
حسيت إن قلبي وقف.
الاسم ماكانش اسمي.
ولا اسم أي حد أعرفه.
لكن اسم الأم…
كان اسم أمي.
وفي خانة الأب…
مكانش مكتوب اسم أبويا.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
أمي.
رديت وأنا لسه ماسك الورقة.
قالت من غير سلام:
— إنت وصلت البيت؟
سكت ثواني.
قالت بصوت متوتر:
— إنت فتحت المرتبة؟
قلبي دق أسرع.
قلت:
— إنتِ عارفة اللي تحتها؟
ما ردتش.
سمعت صوت كرسي بيتحرك بعنف.
وبعدين قالت:
— ماتلمسش الصندوق.
قلت:
— ماما…
قاطعتني وهي تقريبًا بتصرخ:
— قلتلك ماتلمسوش!
وبعدين الخط اتقفل.
بعد أقل من 3 دقايق، واحد من العمال بص من الشباك وقال:
— يا فندم…
لفيت ناحيته.
قال:
— في عربية داخلة بسرعة ناحية البيت.
بصيت من الشباك.
كانت أمي.
راجعة لوحدها.
والأغرب…
إن أبويا ماكانش معاها…
يتبع




