المرتبة الملطخة

العربية وقفت قدام البيت بعنف لدرجة إن التراب اتناثر حوالين العجل.
أمي نزلت منها بسرعة، وقفلت الباب وراها، وطلعت السلم وهي تقريبًا بتجري.
العاملين بصوا لبعض.
واحد منهم قال:
— إحنا ممكن نمشي لو حضرتك حابب.
قلت بسرعة:
— استنوا بره بس.
قبل ما يكمل، باب البيت اتفتح.
أمي دخلت وهي بتنهج.
أول ما شافت المرتبة مرفوعة والصندوق مفتوح، وشها اتغير.
مش خوف عادي.
كان شكل واحدة شافت ماضيها واقف قدامها فجأة.
بصتلي.
وبعدين بصت لشهادة الميلاد اللي في إيدي.
قالت بصوت مكسور:
— قلتلك ماتفتحوش.
رفعت الورقة قدامها.
— مين دي؟
سكتت.
— ومين الأب اللي مكتوب هنا؟
ما ردتش.
قربت منها خطوة.
— وليه أبويا مخبي الكلام ده تحت 31 سنة؟
أمي قعدت على طرف الكرسي كأن رجليها مبقتش شايلينها.
حطت إيديها على وشها.
وقالت:
— أبوك ماكانش مخبيه عني.
سكت.
هي كملت:
— كان مخبيه معايا.
حسيت إني مش فاهم.
قلت:
— يعني إيه معاكِ؟
رفعت عينيها ناحيتي.
— إحنا الاتنين كنا عارفين.
بصيت لشهادة الميلاد تاني.
— طب مين الطفل ده؟
عينيها اتمليت دموع.
وقالت:
— مش طفل.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— كانت طفلة.
حسيت قلبي بدأ يدق أسرع.
— وإيه اللي حصل لها؟
أمي مدت إيدها ناحية الصور.
سحبت صورة قديمة.
فيها كانت هي أصغر بكتير.
واقفة قدام مستشفى.
وفي حضنها طفلة رضيعة ملفوفة في بطانية.
ناولتهالي.
— دي كانت بنتي.
رفعت عيني عليها.
— بنتك؟
هزت راسها.
— قبل ما أتجوز أبوك.
فضلت ساكت.
هي بدأت تحكي.
— كنت صغيرة، وخوفت. أهلي كانوا شايفين إن الفضيحة هتدمرنا كلنا. قالولي يا إما أسلم البنت، يا إما أخرج من البيت.
قلت بصوت منخفض:
— وسلمتيها؟
أمي بدأت تعيط.
— أجبروني.
قعدت قدامها.
— وأبويا عرف؟
قالت:
— عرف قبل ما نتجوز.
— واتجوزك برضه؟
ابتسمت وسط دموعها.
— هو الوحيد اللي ماحكمش عليا.
سكتت لحظة.
— وبعد الجواز، ساعدني أدور عليها.
بصيت للصندوق.
— طب ليه كل ده مستخبي هنا؟
أمي سحبت ظرف من الصندوق.
قالت:
— لأننا لقيناها.
رفعت راسي بسرعة.
— إيه؟
— لقيناها بعد سنين.
فتحت الظرف.
طلع منه جواب قديم.
قالت:
— كانت اتربت مع عيلة كويسة. ولما كبرت، عرفنا نوصل لها.
— وقابلتوها؟
هزت راسها بالنفي.
— هي رفضت.
بصيت لها.
— ليه؟
أمي بدأت ترتجف.
— قالت إنها مش عايزة تشوفنا.
سكتت.
وبعدين مدت إيدها لجوه الصندوق وطلعت جواب تاني.
— وبعدها بسنين، بعتت لنا الرسالة دي.
فتحتها.
الورقة كانت صفراء.
والخط كان مختلف.
قريت أول سطر.
“أنا سامحتكم.”
أمي قالت:
— كمل.
قريت.
“بس لو في يوم ابنكم عرف عني، قولوله إني فضلت بعيدة علشان ماخربش حياته.”
بصيت لأمي.
— حياتي أنا؟
ما ردتش.
قلبت الورقة.
وكان فيه سطر أخير.
سطر واحد بس.
“لأني مش أخته.”
وقفت.
رجعت قريت السطر مرة تانية.
وبعدين رفعت عيني لأمي.
قلت:
— يعني إيه مش أختي؟
أمي مسكت إيدي.
وقالت بصوت بيترعش:
— لأن أبوك اللي رباك…
— مش أبوك الحقيقي.
الكلمة نزلت عليا كأن حد سحب الأرض من تحت رجلي.
بصيت لأمي وأنا مش قادر أستوعب.
— يعني إيه… مش أبويا الحقيقي؟
أمي كانت ماسكة إيدي، لكن إيدي أنا كانت ساقعة.
قالت:
— الراجل اللي رباك هو أبوك في كل حاجة… إلا الدم.
سحبت إيدي منها.
— وأنا كان لازم أعرف الكلام ده إمتى؟ بعد ما أموت؟
قالت بسرعة:
— إحنا كنا هنقولك.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
— بعد 31 سنة؟
نزلت عينيها.
— كنا بنخاف.
— من إيه؟
أشارت للصندوق.
— من اللي جوه.
مديت إيدي وخدت صورة تانية.
الصورة كان فيها أمي وهي أصغر، واقفة جنب راجل ماعرفوش.
وشه كان نصه في الضل، لكن ملامحه واضحة.
سألت:
— ده مين؟
أمي ما ردتش في الأول.
قلت بصوت أعلى:
— مين الراجل ده؟
قالت:
— أبوك الحقيقي.
فضلت أبص للصورة.
ملامحه كانت غريبة ومألوفة في نفس الوقت.
شكل العين.
الحاجب.
حتى طريقة الوقفة.
حاجات كنت شايفها في وشي طول عمري من غير ما أعرف مصدرها.
قلت:
— مات؟
أمي هزت راسها بالنفي.
— لأ.
رفعت عيني عليها بسرعة.
— عايش؟
قالت:
— على حد علمي… أيوه.
— وعمره ما سأل عني؟
أمي قالت:
— الموضوع مش كده.
— طب إزاي؟
بدأت تجمع الصور بسرعة كأنها ندمت إنها فتحت الصندوق.
مسكت إيدها.
— لأ. دلوقتي هتقولي كل حاجة.
اتنهدت.
وقالت:
— أنا لما خلفت البنت الأولى، كنت صغيرة، وأهلنا ضغطوا عليا عشان أسيبها. بعد سنين، رجعت أشوف الراجل اللي كان أبوها.
سكتت.
— حصل بينا خلاف كبير.
قلت:
— وأنتِ كنتِ متجوزة وقتها؟
قالت:
— لأ.
وبعدين بصتلي مباشرة.
— بعدها بسنة تقريبًا… عرفت إني حامل فيك.
قلبي بدأ يدق أسرع.
— وأبويا اللي رباني؟
— قابلته وأنا حامل.
سكتت لحظة.
— وأنا قلتله الحقيقة من أول يوم.
ماقدرتش أمنع نفسي إني أسأل:
— وهو وافق يربيني؟
أمي ابتسمت وسط دموعها.
— هو اللي أصر.
حسيت حاجة جوايا اتكسرت وحاجة تانية اتصلحت في نفس الوقت.
لكن لسه كان فيه سؤال أكبر.
— طيب البنت؟
أمي بصت للصندوق.
— كانت تعرف.
قلت:
— تعرف إيه؟
— تعرف إنك أخوها.
سحبت جواب تاني من الظرف.
— وهي اللي طلبت إننا مانقولكش.
فتحت الورقة.
في آخر الرسالة كان مكتوب:
“خليه يعيش مع الرجل اللي اختاره أبًا، من غير ما تدخلوا الماضي بينهما.”
وقفت عند الجملة.
وبعدين لاحظت إن فيه ورقة تانية لازقة وراها.
فصلتها.
كانت أحدث.
أحدث بكتير.
التاريخ من حوالي خمس سنين بس.
قريت:
“لو غيرتوا المرتبة في يوم، يبقى غالبًا الوقت جه.”
بصيت لأمي.
هي بقى وشها أبيض.
قلت:
— إنتِ شفتي الرسالة دي قبل كده؟
قالت بصوت ضعيف:
— لأ.
قريت السطر اللي بعدها.
“أنا جاهزة أقابله.”
نفسي اتقطع.
تحت الجملة كان فيه رقم تليفون.
واسم واحد.
وأنا لسه ببص للورقة، سمعت باب البيت يتفتح.
أبويا دخل.
كان واقف في آخر الممر، وشه متوتر، ونفسه عالي.
بص للصندوق المفتوح.
وبصلي.
وقال:
— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
قلت له:
— إنت كنت عارف إن الرسالة دي هنا؟
قرب ببطء.
— أيوه.
— وعارف إنها عايزة تقابلني؟
سكت.
بصيتله بصدمة.
— ليه ماقولتليش؟
قال:
— لأن قبل ما تكلمها… لازم تعرف آخر حاجة.
فتحت الظرف الصغير.
جواه كانت فيه ورقة واحدة.
وفي أولها مكتوب:
“للرجل الذي ربّى ابني.”
فضلت ساكت.
أختي قالت:
— اقراها.
بدأت.
“أنا مدين لك بحاجة أكبر من أي فلوس.
إنت خدت طفل مش ابنك، وحبيته من غير شروط.
وأنا، رغم إنه ابني، فضلت واقف بعيد.
عمري ما هطلب منه يعتبرني أبوه بعد كل السنين دي.
الأبوة مش تحليل دم.
الأبوة هي الشخص اللي كان موجود لما الطفل خاف، ولما وقع، ولما نجح، ولما فشل.”
وقفت.
حسيت إن الكلام بيخبط جوايا في مكان مختلف.
كملت.
“لو ابني غضب منك لأنك خبيت الحقيقة، خليه يغضب.
إنت تستحق غضبه أقل مما أستحق أنا.
بس أتمنى في يوم يفهم إنك كنت بتحاول تحمي حياته اللي أنا كنت ممكن أخربها.”
قفلت الورقة.
سألت أختي:
— إنتِ قريتي ده قبل كده؟
قالت:
— لأ. أول مرة.
قلت:
— طب الحساب قيمته كام بالظبط؟
ناولتي الورق.
الرقم كان كبير.
كبير جدًا بالنسبة لحاجة بدأت بـ”مبلغ صغير كل سنة”.
استثمارات سنين طويلة خلت المبلغ يوصل لقيمة تغير حياة عيلة كاملة.
لكن الغريب إني مافكرتش في نفسي.
أول حاجة جات في دماغي كانت أبويا.
الراجل اللي رماني في البحر وأنا صغير عشان يعلمني أعوم، وبعدين نط ورايا لما خفت.
الراجل اللي استناني بره أول مقابلة شغل.
الراجل اللي وقف جنبي يوم جوازي.
رجعت البيت قبل المغرب.
لقيته قاعد على نفس الكرسي.
أول ما دخلت، وقف.
قال:
— عرفت؟
قلت:
— عرفت.
سكت.
مديت له الجواب.
— ده ليك.
قرأه.
وفي نص الكلام، نظارته بدأت تترعش في إيده.
لما خلص، قفل الورقة.
وقال:
— كان لازم أقولك.
قلت:
— أيوه.
نزل عينه.
— خفت أخسرك.
قلت:
— وأنا زعلان.
هز راسه.
— من حقك.
قربت منه.
— بس فيه حاجة إنت مش فاهمها.
رفع عينه.
قلت:
— أنا اكتشفت النهارده مين والدي الحقيقي.
وشه اتكسر.
قبل ما يبعد، كملت:
— هو إنت.
فضل يبصلي.
قلت:
— الراجل التاني أبويا بالدم.
— إنما إنت اللي ربيتني.
دموعه نزلت.
وأول مرة في حياتي أشوف أبويا بيعيط بالطريقة دي.
حضنته.
فضلنا واقفين من غير كلام.
وبعدين سمعت أمي ورايا.
كانت واقفة عند باب الممر.
قلت لها:
— وإنتِ كمان أنا زعلان منك.
هزت راسها وهي بتعيط.
— عارفة.
قلت:
— بس مش هضيع اللي باقي من عمرنا في العقاب.
قربت منها.
— شرط واحد.
قالت:
— أي حاجة.
قلت:
— من النهارده مافيش أسرار.
ضحكت وسط دموعها.
— موافقة.
افتكرت المرتبة.
وسألت فجأة:
— على فكرة… ليه حطيتوا كل ده تحت مرتبة؟
أبويا وأمي بصوا لبعض.
وبعدين أبويا ضحك لأول مرة من الصبح.
قال:
— لأن أمك قالت إن محدش في الدنيا هيقدر يقنعها ترمي المرتبة دي.
بصيت لها.
قلت:
— يعني 31 سنة وإنتِ متمسكة بيها عشان الصندوق؟
قالت:
— في الأول أيوه.
— وبعد كده؟
هزت كتفها.
— بعد كده اتعودت عليها.
ضحكت.
لأول مرة من يومين، ضحكنا كلنا.
لكن كان لسه فيه شخص ناقص.
بصيت لأختي اللي كانت واقفة عند الباب.
وقلت:
— وإنتِ مش هتمشي.
قالت:
— أقصد إيه؟
قلت:
— إحنا ضيعنا سنين كفاية.
بعد أسبوع، رجعنا كلنا للبيت الريفي.




