روايات وقصص

مرض بنتي

​أنفاسي اتجمعت بالعافية، وبصيت لها بذهول: “بس الجوازة انفضت من زمان وعمك صرف نظر! ليه استمريتي كل ده يا نور؟ ليه طُول السنتين دول؟!”.
​غطي وشها بإيديها وقالت بصوت مكسور: “في الأول كان عشان السبب ده.. بس لما لقيتك بتلفي بيا على الدكاترة وبتصرفي الفلوس وتستلفي، خفت أقولك الحقيقة! خفت تكرهيني، خفت تشوفي إن بنتك الشاطرة المحترمة طلعت كدابة وضحكت عليكي وخليتيكي تستلفي من الناس. كل ما كنت أقول النهارده هعترف، أطلع ألاقيكي جايبة علاج بآخر جنيه معاكي وبتدعيلي بدموعك، فكنت أخاف أكتر وأقول لو اعترفت دلوقتي ماما هتكرهني ومش هتبص في وشي تاني! الخوف مسكني ومعرفتش أخرج من الدائرة الملعونة دي إلا لما أعمل نفسي مريضة كل يوم عشان المخطط يفضل ماشي ومفيش حد يطلبني للجواز ولا تسيبيني!”.
​قعدت على السرير مش قادرة أشيل جسمي. الصدمة كانت مزدوجة؛ صدمة إن بنتي عملت كده، وصدمة أكبر إنها عاشت الرعب ده كله لوحدها، إنها شافت عمها بعيون المرعوبة وسيلة تهديد لحياتها ومستقبلها، ملقتش أمان في الدنيا إلا إنها تعيي نفسها وتعمل عيب مجتمعي عشان تحمي نفسها من جوازة كانت شايفاها كابوس!
​بصيت للبنت، لقيتها انكمشت في الأرض زي العصفور المبلول، بتترعش ومستنية مني القلم أو الشتيمة أو الطرد. بس أنا أُم.. وفي اللحظة دي، رغم كل المرار والديون اللي عليا، ورغم كل الذل اللي شفته في أروقة العيادات، شفت قدامي طفلة خايفة ملقتش حد يحميها من مجتمع شايف البنت مجرد عروسة لازم تتقفل عليها مع أي راجل.
​نزلت على الأرض بكل قوتي. نور اتفاجئت، ومسكت فيا وبكت بأعلى صوت عندها، كان بكاء سنتين من الخوف والذنب والتمثيل.
​قلتلها وأنا بدعي ربنا يسامحني على ضعفي: “أنا السبب يا نور.. أنا اللي حسستك إنك لوحدك، أنا اللي خليتك تخافي من عمك ومن الجواز للدرجة دي وما تلجأيش ليا. أنا الأسفة يا بنتي.. بس اللي عملتيه فيا وفي نفسك كان حظه وحش كبييير أوي، الديون والأدوية واللفة دي كلها كانت هتدمرنا”.
​نور باست إيدي ورجلي وهي بتقول: “والله هشتغل يا ماما، هشتغل بعد المدرسة وأسدد كل جنيه استلفتيه بسبب صيدليات وأدوية.. والله العظيم هرفع رأسك وأعوضك عن كل لحظة ألم”.
​في اليوم ده، اتعلمت درس عمري. اتعلمت إن الخوف ممكن يخلي أقرب الناس لينا يعملوا حاجات غير معقولة لمجرد إنهم يحموا نفسهم. ثاني يوم، لميت كل علب الأدوية والروشتات والتحاليل اللي كانت مالية الصالة، ورميتها في الزبالة.
​ولما جارتنا سألتني: “إيه يا أم نور؟ البنت خفت ولا إيه؟”، ابتسمت وقلتلها بقلب راضي: “الحمد لله، ربنا شفاه وعفاها، معجزة من عنده”.
​المعجزة الحقيقية مكانتش شفا عضوي، المعجزة كانت إن الأمان رجع بيتنا. نور كملت تعليمها ودخلت الكلية اللي كانت بتحلم بيها، وأنا وهي وقفنا إيد واحدة، واشتغلت شغل بسيط من البيت وسددنا كل الديون جنيه جنيه.
​نور دلوقتي كبرت، وبقت عروسة بجد، بس المرة دي اختيارها وهي اللي وافقت، وهي فاهمة إن بيتها وأمها أمان ليها مش بعبع بتستخبى منه. والسر ده فضل بيني وبينها، درس مدفون في قلبي، يعلمني إن الحصن الحقيقي لعيالنا مش الفلوس ولا الحيطان.. الحصن الحقيقي هو إننا نكون ليهم الأمان اللي يخليهم

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى