روايات وقصص

مرض بنتي

بنتي سنها 17 سنه ولسه عندها تبول لا ارادي، كنت الف بيها على الدكاتره لما حيلي اتهد واستلفت من طوب الارض ومفيش اي علاج نافع ، لحد ما شوفتها بعيني بتدلق ميه مكانها على السرير وعلى هدومها وكنت هتجنن لما عرفت السبب !!!

جوزي الله يرحمه سابلي الدنيا بدري، وسابلي “نور”. نور دي مش بس بنتي، دي كانت كل دنيتي، تعويضي عن كل المرار اللي شفته. بنت شاطرة، متفوقة، تحبي تبصي في وشها من كتر الهدوء والجمال، كانت دايماً رافعه رأسي بين الناس بشطارتها وأخلاقها.
​بس كان في وجع ساكن في بيتنا وواكل من قلبي حتة
بنتي عندها 17 سنة، وفي سن العرايس، بس كانت بتعاني من تبول لا إرادي يومي. كل يوم، أصحى الصبح وقلبي مقبوض، أفتح باب أوضتها وأنا بدعي ربنا من كل قلبي: ” يارب اجَبْر خاطري وخاطر البنت”. أشوف السرير الاقيه مبلول.
​كانت نور تبصلي ودموعها نازلة على خدودها زي المطر، وشها يحمر من شدة الخجل والكسوف، وتستخبى في الغطا. كنت  أخدها وأطبطب عليها وأنا بداري دموعي بالعافية، وأقولها: “ولا يهمك يا حبيبتي، ده مرض وهيروح لحاله، ربنا هيشفيكي باذن الله”.
​ لفيت بيها على كل الدكاترة. مخ وأعصاب، مسالك بولية، باطنة… مفيش دكتور في المحافظة إلا وروحتله. البنت كانت بتقعد قدام الدكتور يموتها الخجل، والدكتور يفضل يسأل أسئلته المعتادة: “بتخافي من حاجة؟ حد بيضايقك؟ في مشكلة في البيت؟” بس نور حياتها كانت هادية، مفيش أي حاجة تخوفها، ونفسيتها كانت مستقرة وزي الفل، ومفيش أي سبب عضوي واضح للتحاليل والأشعة اللي كنا بنعملها.
​كل دكتور يمسك القلم، ويسطر لي روشتة أطول من الثانية و أنا ست ما بشتغلش، عايشين على معاش جوزي المرحوم، معاش يا دوب يفك الضيقة بالعافية. المصاريف كانت زي النار، كشوفات وتحاليل وأدوية كنت أقف قدام الصيدليه والفلوس تقصر معايا. نور كانت تحس بيا، تبصلي بعيون كلها كسوف ودموع وتقولي: “خلاص يا ماما، عشان خاطري بلاش نروح لدكاترة تاني، أنا كويسة، مش عايزة أتعبك ولا أضيع فلوسك”.
​بس أنا كنت أقولها: “لا يا حبيبتي، هتكملي علاجك وربنا هو الشافي، أنا هأستلف حق العلاج وارجعه اول الشهر وفعلاً، كنت أروح أستلف من جارتنا دي، وأول الشهر أرد لها، وأرجع أستلف من جارتنا الثانية. المصاريف بقت تخنقنا، وبتاع الإيجار يجي يخبط ويطالب بفلوسه وأنا أترجاه يصبر عليا. ورغم كل الظروف دي، كان أول الشهر ييجي، أكون جيبة العلاج كله، وأوديها الإعادة في ميعادها بالظبط. ولما نحس إن الدكتور خلاص مفيش عنده جديد والأدوية مش جايبة نتيجة، نغيره ونلف نفس اللفة الملعونة من أول وجديد.
​سنتين كاملين وأنا حيلي مهدود، ودين ورا دين، وأنا مستحملة كل ده عشان بس أشوفها خفت، وكل يوم أدخل أوضتها على أمل ألاقي سريرها ناشف ولو ليلة واحدة… ليلة واحدة بس تريح قلبي.
​لحد ما جيه اليوم اللي عمري ما هنساه. يوم غير حياتي وكشف لي سر كان أبعد ما يكون عن خيالي.
​صحيت بدري شويه عن معادي، قلت أروح أصحى نور بالراحة. أوضتها كان ليها شباك طالل على الصالة، الشباك كان مفتوح حتة صغيرة. وأنا معدية من قدام الشباك عشان أروح أخبط على الباب، لمحت حركة غريبة جوة الأوضة. رجعت خطوتين لورا بسرعة، وبصيت من فتحة الشباك…
​الصدمة كانت أكبر من قدرتي على الاستيعاب كنت هقع من طولي!
​لقيت بنتي نور… واقفة جنب السرير، ماسكة كباية مية كبيرة وبتدلق المية بعناية هادية على السرير وعلى بنطلونها! عينها كانت رايحة جاية على باب الأوضة، مرعوبة لاحسن أفتح الباب فجأه كانت بتعمل كده بقصد، وبكل هدوء وعمد!
​الدنيا دارت بيا بنتي اللي لفيت بيها على الدكاترة، بنتي اللي استلفت عشان علاجها وشفت المذلة، هي اللي بتغرق سريرها بإيدها؟! و السبب اللي خلاها تعمل كده ما يخطر على بال بشر، ولا يستوعبه عقل !!!!

وقفت ورا الشباك مش قادرة أتنفس، ركبي تخشبت ومبقيتش حاسة بجسمي، الدم تجمد في عروقي وأنا شايفاها بعد ما دلقت المية، حطت الكباية بالراحة على الكومودينو، ودخلت تحت الغطا وغطت وشها، وتظاهرت إنها نايمة وبتبكي نفس البكاء اللي كنت بشوفه كل يوم!
​مسكت مقبض الباب وإيدي بتترعش، دخلت الأوضة ومش قادرة أستوعب. أول ما سمعت صوت الباب، عملت نفس المشهد المعتاد؛ طلعت رأسها من تحت الغطا وعيونها مليانة دموع تمثيلية وتقولي بكسوف: “أسفة يا ماما.. والله غصب عني، قمت لقيت نفسي كده تاني”.
​الكلمة نزلت على قلبي زي السكينة المترلمة. صرخت فيها بصوت مكتوم وطالع بالعافية من كثر الصدمة: “ليه يا نور؟! ليه بتعملي فيا وفي نفسك كده؟! أنا شفتك بعيني يا نور! شفتك وأنتِ بتدلقي المية بإيدك!”.

وش البنت اصفرّ، الدم هرب منه، وعيونها وسعت من الرعب. جمدت مكانها ومقالتش ولا كلمة، الدموع الحقيقية المرة دي هي اللي نزلت من عينها. قربت منها وأنا بنهار وببكي بأعلى صوتي: “ليه يا بنتي؟ أنا قصرت معاكي في إيه؟ ده أنا استلفت من طوب الأرض، ده أنا اتهنت قدام الدكاترة واللي يسوى واللي ما يسواش عشان أتعالج، تقوم تعملي فيا كده؟ تبلي السرير بإيدك كل يوم وتخليني ألف بيكي السبع دوخات؟!”.
​نور اترمت على رجلي وبكت ببكاء يقطع القلب، صريخ مكتوم وهستيري وهي بتقول: “سامحيني يا ماما.. والله العظيم بحبك، والله ما كان قصدي أؤذيكي ولا أضيع فلوسك، بس أنا كنت خايفة.. خايفة أوي يا ماما!”.
​مسكتها من كتفها وقومتها، وبصيت في عينها بغضب وحيرة: “خايفة من إيه؟ فهميني! إيه اللي يخلي بنت في سنك تعمل التمثيلية دي سنتين كاملين وتدمر حياتنا وتديننا بالشكل ده؟!”.
​قعدت على الأرض وهي بتشهق، وقالت السر اللي نزل عليا زي الصاعقة:
“فاكرة يا ماما من سنتين لما عمي جاب ابن أخته الكبير عشان يتقدم لي؟ فاكرة لما قالك البنت كبرت ولازم نجوزها لراجل يسترها ويكون وصي عليها بدل أebوه المرحوم؟ أنا كنت مرعوبة يا ماما.. كنت 14 سنة ولا 15 سنة ومش فاهمة حاجة، ومش عايزة أتجوز، كنت عايزة أتعلم وأكمل تعليمي وأفضل جنبك. عمي كان بيضغط عليكي وكان هيجبرك وافق، وأنتِ كنتِ ضعيفة ومكسورة ومفيش راجل يسنُدنا”.
​كملت نور وهي بتبصلي بكسرة: “ساعتها سمعت جارتنا بالصدفة بتتكلم عن بنت حارتنا اللي اتطلقت بعد أسبوع من جوازها عشان عندها مشكلة التبول اللا إرادي، وسمعت الناس بيعدوها ‘عيب كبير’ ومفيش راجل يرضى يعيش مع واحدة كده. الفكرة جأت في دماغي زي المجنونة.. قلت لو بقيت كدة، عمي مش هيفكر يسترني ولا يجوزني لابن أخته ولا لأي راجل تاني، ومفيش راجل هيرضى بيا، وهفضل جنبك وأكمل تعليمي وما حدش يقدر ياخدني منك!”.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى