قصص وروايات

طليقها ناداها علي فرحه

كان ينظر للحضور وكأنه ملك متوّج، كل نظرة منه تقول انظروا إليّ.. أنا اللي فزت. نورهان بجانبه، بفستانها الأبيض الضخم الذي يبرز بطنها البارز، كانت تبتسم بفخر، وتلقي نظرات انتصار على كل من حولها وكأنّها تقول لمن سمعت أنا اللي استحقّه، وأنتِ من سقطتِ.
في مكانٍ خلف القاعة، وقفت ماجدة وحسين الفولي. ماجدة بثوبها الغالي ومجوهراتها الكبيرة، كانت تهمس لزوجها بابتسامة ماكرة خلاص يا حسين.. كل حاجة تمام. الملايين معانا، والولد هيرث كل حاجة، وتلك المفلسة اختفت في العتمة ولن تسمع عنها أحدًا أبدًا. حسين ردّ بصوت غليظ مليء بالثقة أحسنتِ.. هذه هي الحياة، من يأخذ بيده يبقى، ومن يبقى ينتظر يندثر.
وفي تلك اللحظة بالذات، توقّفت الموسيقى فجأة عند مدخل القاعة الكبير. انفتحت الأبواب الضخمة ببطء، ودخلت ندى.
لم تكن كالتي توقّعوها. لم تأتِ بملابس بسيطة أو عابرة، لم تأتِ بوجهٍ ذابل أو عينين دامعتين. دخلت بثباتٍ يزلزل الأرض، بفستانٍ بلون العاج الراقي، يحتضن جسدها بأناقة، وشعرها منسدل ببساطةٍ لا تحتاج لزينةٍ تكمّلها. في يدها اليسرى، عربة أطفالٍ بيضاء أنيقة، بداخلها ملك نائمة بهدوء، مغطّاة ببطانية ناعمة. في يدها اليمنى، حقيبة جلدية بنية اللون، كانت تحمل فيها أوراقًا ستغيّر مسار كل من في المكان.
خطواتها كانت بطيئة، واثقة، كل خطوةٍ منها كانت كضړبة مطرقة على قلوبهم. عيناها لم تتردّد، لم تخفّ، لم تنحرف. سارت مباشرة نحو المنصّة، بين صفوف المعازيم اللي بدأت تهمس وتتساءل من دي؟.. مش دي طليقته؟.. جابت بنت معاها؟ بنت مين دي؟.
وصلت ندى إلى أسفل المنصّة، توقّفت، ورفعت بصرها مباشرة في عيني طارق.
طارق تجمّد مكانه. ابتسامته انقرضت فجأة، لون وجهه تغيّر، وشفتاه ارتجفتا بلا صوت. لم يتوقّع أن تأتي، ولم يتوقّع أن تراها بهذا القوة وكأنّها لم تُكسر أبدًا.
نورهان تشبّثت بذراعه بقلق مين دي يا طارق؟ ليه جاية هنا؟ اطردها!
ندى لم تلتفت إليها. فتحت فمها بصوتٍ واضحٍ، رصينٍ، وصل إلى كل زاوية في القاعة
مساء الخير يا أهل الفرح.. يا جماعة الخير.. قبل ما نكمل الليلة دي، عندي كلام لازم أسمعه لكم كلّكم. وكلامي ده مش كلام ڠضب أو كلام مأساة.. ده كلام حقّ ضاع ست سنين، ولسه راجع ياخد مكانه.
طارق استعاد بعض ثقته المزيفة، وصاح بصوتٍ حاول أن يكون قويًا ندى! إيه اللي جابكِ هنا؟ قلتلكِ بلاش دراما! اطلعي برّة قبل ما أتصرّف معاكِ بطريقة ټندمي عليها!
ندى ابتسمت ببرودٍ لم يره أحد عليه من قبل ټندم أنا؟ ولا أنتَ اللي هتندم على كل دقيقة فكّرت فيها إنّك تقدر تمشي على قلبي وتفلت بفعلتك؟
أشارت بيدها نحو العربة تعرفوا دي مين؟ دي ملك.. بنتي. ويا طارق.. دي بنتك كمان.
صمت صاعق اجتاح المكان، ثمّ اڼفجر الهمس من كل جانب. طارق هزّ رأسه بإنكار سريع كذابة! دي مش بنتي! أنا عارف إنّكِ عاقر! الأطبّاء قالوا كده!
عاقر؟ ردّت ندى بصوتٍ نقيٍّ حادّ كالسيف. مين قالك الكلام ده؟ الأطبّاء اللي كنتِ تروحيلهم؟ ولا الست اللي كانت بتدفع الفلوس عشان يغيّروا تقاريري؟
التفتت نحو ماجدة اللي كانت تحاول الانزلاق للخلف أليس كذلك يا حجّة ماجدة؟ أنتِ اللي دفعتِ من حسابك الخاصّ لعيادة الخصوبة عشان يثبتوا إنّي مفيش أمل فيّ.. أليس كلامك مكتوبًا في وصل التحويل إيقاف الحمل وتعديل الملف الطبي؟
ماجدة شحبت وجهها، وتدثّرت بعباءتها أنا.. ما أعرفش إيه اللي بتقوليه ده.. افتراء وبهتان!
ندى فتحت الحقيبة، أخرجت ورقة التحليل الأولي، ورفعتها عاليًا ليراها الجميع هذا تحليل حمض نووي رسمي،
موثّق من المحكمة، ومن ثلاثة مختبرات مستقلّة. النتيجة طارق الفولي هو والد الطفلة ملك بنسبة تتجاوز 99 99. لا يوجد أدنى شكّ في ذلك.
سكتت لحظة، ثمّ أردفت ببطءٍ موجع أنا لم أكن عاقر أبدًا.. أنتم من جعلتموني أشعر بذلك. سقط حملي مرّتين ليس بقدَر الله.. بل بما فعلتموه بي. دواء خاطئ، وصفات مغلوطة، وضغط نفسي مپرح.. كلّه مدبّر منكم عشان تخلّصوا منّي وتقولوا إنّني فاشلة.
نورهان صړخت بصوت عالٍ كڈب! كلّ ده كڈب عشان تخرّبي فرحتنا!
ندى التفتت إليها ببطء، وعيناها لم ترفّ فرحتكِ؟ على حساب مين يا نورهان؟ على حساب فلوس جدّتي اللي سړقتوها معًا؟
أخرجت الملف الثاني، وبدأت تقرأ بأرقامٍ دامغة ثمانية عشر مليون جنيه مصري.. كانت وديعتي من جدّتي، وضعتها في أمانة لدى زوجي.. فوجدتها قد تحولّت لثلاث شركات وهمية، أنتِ مديرة اثنتين منها، والأستاذ فاروق المحاسب اللي اختفى فجأة كان يوقّع الإمضاءات المزوّرة.
أشارت نحو حسين الفولي اللي تلوّن وجهه بألوان الخۏف والمال لم يذهب بعيدًا.. بل ذهب لمؤسسة المنياوي للعقارات.. الشركة الراعية لهذا الفرح بالذات. والمساهم الأكبر فيها؟ الأستاذ حسين الفولي.. أبو طارق.
صدمة سكتت لها الأنفاس. الحضور بدأ يتحول من الدهشة للاستنكار. طارق تقدم خطوة بلا وعي أنتِ.. بتختلقِ كلّ ده عشان ټنتقمي!
أنتقم؟ قالت ندى بصوتٍ ارتجف لكنّه لم يضعف. أنا لست هنا للاڼتقام يا طارق.. أنا هنا لاستعادة ما هو لي. ولإحقاق الحقّ الذي حرمتوني منه طويلًا.
فتحت الملف الثالث، وأخرجت أوراقًا أخرى معي نسخ من كل تحويل بنكي، كل عقد، كل تسجيل هاتفي يثبت التآمر. بدأت المؤامرة قبل أن أتزوّجك حتى.. كنتَ تخطط للاستيلاء على المال منذ البداية، أليس كذلك؟ زواجك مني كان مجرد وسيلة.. ولمّا ظننتَ أنني لن أنجب، أسرعتَ في التخلّي عني.
بكت ملك في العربة في تلك اللحظة، فنزلت ندى إليها، احتضنتها بحنانٍ ملأ المكان، ثمّ رفعتها بذراعها اليمنى ليراها الجميع وجه الطفلة الصغير بغمازته الواضحة، تشبه أباه بلا إنكار.
انظروا.. قالت بصوتٍ دافئٍ قويّ. انظروا لهذه الطفلة. في ملامحها دليل لا يحتاج لكلام. هذه ابنة طارق.. وريثة حقّها.. وستعيش في كرامة، ولن تسمحوا لأحدٍ أن ينتقص منها.
نظرت لطارق مباشرة كنتَ تقول لي تعالي فرحي، لتري كيف تبني المرأة الحقيقية بيتًا. حسنًا.. ها أنا ذا جئتُ لفرحك. لكنّني لم آتِ لأرى نجاحك.. بل لأرى .
سكتت، ثمّ أضافت ببطء الشرطة في الخارج الآن.. جاءت معي. لديهم أوامر قبض بحقّ كل من له يد في هذه الچرائم السړقة، التزوير، الإضرار بالصحة، والتحايل.
فوضى عارمة اجتاحت القاعة. صرخات، همسات، بعض الناس انسحبوا بهدوء، وبعضهم اقترب ليستمع أكثر. ماجدة حاولت الهرب لكنّها تجمّدت في مكانها حين رأت رجال الشرطة يدخلون. حسين الفولي تراجع حتى اصطدم بالحائط، وشحوب المۏت علاه. نورهان أغمي عليها في تلك اللحظة، وسقطت على الأرض بجانب المنصّة.
طارق بقي واقفًا وحيدًا، لا حراك به، كأنّه تمثال من جليد يذوب ببطء. نظر لندى.. رآها لأول مرة حقًا ليست تلك المرأة الضعيفة التي كان يظنّها، بل امرأة من حديد، صمدت وانتصرت. نظر لابنته في ذراعها.. ورأى نفسه في ملامحها، وندرك أنّه خسر كل شيء بيديه.
اقترب الضبّاط، وقال أحدهم بصوت رسميّ السيد طارق الفولي.. حسين الفولي.. ماجدة عبدالحميد.. ونورهان كمال.. أنتم متهمون بجرائم سړقة أموال، تزوير مستندات، وإحداث أذى عمدي. يرجى اتباعنا.
كبلوا أيديهم. لم يقاوم أحد. مشوا بين الحضور بأذلّة، وكلّ عينٍ تتبعهم بصمتٍ يجرح أكثر من الكلام.
بقيت ندى وحيدة في وسط القاعة،
تحمل ملك التي هدأت ونامت من جديد. لم تشعر بنشوة الانتصار.. بل بشعورٍ ثقيلٍ عميق ثقل السنين التي مضت، والألم الذي لا يعوّض. لكنّها شعرت أيضًا بالسلام.. ذلك السلام الذي يأتي حين تضع الحقّ في نصابه مهما طال الزمان.
اقتربت منها سلوى ووضعت يدها على كتفها انتهى كل شيء يا ندى.. أنتِ حرة.
ندى نظرت لابنتها، ثمّ رفعت بصرها نحو السماء عبر النوافذ العالية للقاعة نعم.. انتهى.
خرجت من الفندق، والهواء النقيّ ليل القاهرة استقبلها بحرّية. لم تنظر للخلف أبدًا. مشت في الطريق الواسع، ومعها أغلى ما تملك ملك، وحقّها الذي استعادته بدمعها وصبرها.
ستمرّ الأيام.. ستُعاد الأموال لأصحابها، وسيقضى القضاء أحكامه، وستنسى الناس تلك الليلة شيئًا فشيئًا. لكنّ ندى ستظلّ تذكّر دائمًا أنّ العدالة لا .. وأنّ الله مع الصابرين دائمًا.
وبينما كانت تمسح دمعةً رغمًا عنها، همست لملك بصوتٍ مليء بالأمل
مش هنرجع لورا يا حبيبتي.. قدّامنا الطريق أبيض ومفتوح.. وهنكبر سوا، ونعيش بكرامة.. ولا حدّ يقدر يأذيكِ أبدًا.
انتهت القصة

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى