روايات وقصص

طليقي مات بعد.ست سنين

وفي ورقة قديمة لقيت إيصال بيع العربية اللي كنت بملكها قبل الجواز.

كنت نسيت الموضوع تمامًا.

بعتها وقتها علشان هو كان محتاج فلوس يشتري أول معدات للمشروع.

قلبت الصفحة.

لقيت ورقة تانية.

قرض صغير باسمي أنا.

كنت أخدته لما الشركة كانت على وشك تقفل في سنتها التانية.

وبعدين لقيت نسخ من رسائل قديمة بيني وبينه.

واحدة منها أنا اللي كنت باعتاها له من أكتر من عشرين سنة:

— «متقلقش من الإيجار الشهر ده، أنا قبضت وهتصرف. ركز إنت بس في الاجتماع.»

قعدت أبص للرسالة وأنا مش مصدقة.

أنا نفسي كنت نسيتها.

رجعت للجواب بسرعة.

وكان كاتب:

— «لما عرفت إني مريض، بدأت أراجع حياتي. مش ذكرياتي بس… الأرقام كمان. وطلبت من المحاسب يرجع لأول يوم في الشركة.»

بدأت دموعي تنزل.

— «كنت طول عمري بحكي إنني بنيت الشركة من الصفر. ودي كانت نص الحقيقة بس. الحقيقة الكاملة إنك إنتِ اللي دفعتِ تمن الصفر ده.»

حطيت إيدي على بقي.

وكملت.

— «أنا كنت صاحب الفكرة، لكن إنتِ كنتِ المرتب اللي عشنا منه. إنتِ اللي دفعتِ الإيجار وأنا بخسر. وإنتِ اللي بعتي عربيتك. وإنتِ اللي أخدتي قرض باسمك. وإنتِ اللي سيبتي شغلك لما الشركة بدأت تكبر لأن حد فينا كان لازم يفضل مع الولاد.»

قفلت عيني.

كل السنين اللي كنت فاكرة إنها عدت وماتت رجعت قدامي مرة واحدة.

الليالي اللي كنت بستناه فيها.

المكالمات اللي كنت بعملها للحضانة.

العروض الوظيفية اللي رفضتها.

الترقيات اللي راحت.

كل مرة قلت لنفسي:

«إحنا فريق واحد.»

كملت القراءة.

— «وأنا عملت أسوأ حاجة ممكن يعملها واحد لشريك حياته… صدقت في الآخر إن نجاح الشركة نجاحي أنا لوحدي.»

الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.

لأنه كان عنده حق.

وقت الطلاق، الشركة قانونيًا كانت باسمه.

والمحامين كانوا بيتخانقوا على تقييمها.

وأنا كنت مرهقة.

فاكرة آخر اجتماع كويس.

المحامي بتاعي قال لي:

— لو خرجتي بالتسوية دي، إنتِ بتسيبي وراكي مبلغ ضخم جدًا.

وأنا قلت:

— مش عايزة حاجة… أنا عايزة أخلص.

طليقي كان قاعد قدامي وقتها.

ساكت.

ومضى.

وأنا مضيت.

خرجت من الجواز وأنا مقتنعة إني اخترت راحتي.

لكن الظاهر إن هو فضل فاكر اليوم ده.

في الجواب كتب:

— «كان ممكن أوقفك يومها. كان ممكن أقول للمحامين إن الرقم مش عادل. لكنني كنت غاضبًا وأنانيًا، وأقنعت نفسي إنك وافقتِ بمزاجك، إذن الموضوع انتهى.»

بعدها كان فيه سطر لوحده:

— «لكنه لم ينتهِ بالنسبة لي.»

بكيت.

مش علشان الفلوس.

لكن علشان لأول مرة من ست سنين حسيت إن حد اعترف بالحاجة اللي حتى أنا كنت بخاف أعترف بيها لنفسي.

إني ساهمت.

إني تعبت.

وإن اختفاء اسمي من الشركة مكنش معناه إن مجهودي اختفى.

كملت:

— «الملف الثاني فيه تقرير عمله المحاسب بناءً على طلبي. حاولنا نحسب، قدر الإمكان، القيمة الحالية لما قدمتيه للشركة في بدايتها، بالإضافة لما كان ممكن يبقى نصيبك لو إنك ما وافقتيش على التسوية وقت الطلاق.»

فتحت الملف التاني.

أرقام.

صفحات كاملة من الحسابات.

وفي الصفحة الأخيرة كان رقم ضخم.

أكبر بكتير مما توقعت.

وتحته جملة مكتوبة بخطه:

«ده مش ميراث. ده دين متأخر.»

فضلت أبص للجملة يمكن دقيقة كاملة.

وبعدين افتكرت مراته.

فتحت باقي الجواب بسرعة.

وكان واضح إنه فكر فيها هي كمان.

كتب:

— «مراتي لم تظلمني، ولم تخونني، ولم تفعل شيئًا تستحق أن تُعاقب عليه. الجزء الذي تركته لها يكفي لتأمين حياتها، والبيت الذي عشنا فيه أصبح ملكًا لها بالكامل، بالإضافة إلى حساب واستثمارات منفصلة.»

ارتحت شوية.

لأني مكنتش عايزة أكون سبب إن ست تانية تتظلم.

لكن السطر اللي بعده فاجأني:

— «هي تعرف إن فيه ترتيبات مالية عملتها قبل وفاتي، لكنها لا تعرف التفاصيل. وغضبها منك متوقع. لذلك لا تدافعي عني أمامها. أنا اللي اخترت، وأنا اللي أتحمل مسؤولية اختياري.»

سكت شوية.

وبعدين وصلت لآخر جزء.

— «فيه ظرف أخير تحت الصور. افتحيه لوحدك.»

دورت في الكرتونة.

لقيت ظرف أبيض صغير.

فتحته.

كان جواه صورة قديمة جدًا.

أنا وهو واقفين قدام أول مكتب للشركة.

المكتب مكنش أكتر من أوضة صغيرة فوق محل.

أنا كنت حامل في ابننا الأول.

وهو واقف جنبي مبتسم وماسك ورقة مكتوب عليها اسم الشركة.

قلبت الصورة.

وراها كان كاتب من زمان:

«بدأناها سوا.»

انهرت في العياط.

لأن دي كانت الحقيقة اللي ضاعت وسط السنين.

إحنا بدأناها سوا.

لكن النجاح خلانا ننسى.

وبعد يومين، طلبت أقابل مراته.

وافقت بصعوبة.

قابلنا بعض في مكتب المحامي.

أول ما دخلت، بصتلي ببرود وقالت:

— جيتي تاخدي الباقي؟

قلتلها:

— لا… جيت أديكي حاجة.

وحطيت نسخة من الجواب والملفات قدامها.

بصتلي باستغراب.

قلت:

— اقريهم.

قالت:

— مش محتاجة.

رديت بهدوء:

— محتاجة… لأنك فاكرة إن الموضوع بيني وبينك. وهو مش كده.

سكتت.

قلت:

— أنا ما طلبتش منه جنيه. ومكنتش أعرف حاجة عن الوصية.

بصت للملفات.

وبعدين قالت بصوت مكسور:

— بس أنا كنت مراته.

قلتلها:

— وعشان كده هو مأمّن حياتك وكتبلك بيتكم وجزء من أمواله. لكن اللي سابهولي… هو شايف إنه كان حقي من زمان.

دموعها لمعت.

قالت:

— كان ممكن يقولي.

رديت:

— وكان ممكن يقولي أنا كمان حاجات كتير من سنين… بس الظاهر إنه كان من النوع اللي بيفهم متأخر.

لأول مرة، ملامحها هديت.

مخرجناش من الاجتماع أصحاب.

ومبقيناش قريبين.

لكن على الأقل خرجنا وإحنا فاهمين إن مفيش واحدة فينا سرقت التانية.

بعد شهور، إجراءات التركة خلصت.

أخدت اللي كتبهولي.

لكنني ما قدرتش أتعامل مع الفلوس كأنها مجرد ثروة نزلت عليا فجأة.

جزء منها حطيته للولاد.

وجزء احتفظت بيه لمستقبلي.

أما الجزء اللي كان له معنى مختلف بالنسبة لي…

فقررت أعمل بيه حاجة كنت مأجلاها من أكتر من عشرين سنة.

رجعت للشغل.

مش كموظفة.

فتحت شركتي الصغيرة الخاصة.

وفي أول يوم، دخلت المكتب الجديد ومعايا حاجة واحدة من الكرتونة.

الصورة القديمة.

الصورة اللي أنا وهو واقفين فيها قدام أول مكتب.

حطيتها جوه درج مكتبي.

مش على الحيطة.

لأن حياتي الجديدة مش نصب تذكاري لجواز انتهى.

لكنني احتفظت بيها علشان كل ما أشوفها أفتكر درسًا واحدًا:

إن المجهود اللي محدش شافه…

مش معناه إنه مكنش موجود.

بعد حوالي سنة من وفاته، كنت بنضف أوراقي القديمة، ولقيت الجواب تاني.

قريت آخر سطر فيه.

سطر كنت وقتها من كتر العياط معدّيش في بالي معناه الحقيقي.

كان كاتب:

— «أنا مش بطلب منك تسامحيني. ومش عايز الفلوس تخليكي تفتكري إنني كنت زوجًا أفضل مما كنت عليه. كل اللي بطلبه إنك لما تبصي للي بنيته، ما تقوليش تاني: دي شركته.»

وتحتها:

— «قولي الحقيقة… إحنا بدأناها سوا. وأنا فقط تأخرت جدًا في كتابة اسمك على نصيبك منها.»

قفلت الجواب.

ولأول مرة من يوم الطلاق…

ماحسيتش بغضب.

ولا ندم.

ولا حتى حنين.

حسيت بحاجة أبسط.

إن صفحة قديمة جدًا اتقفلت أخيرًا بالشكل الصح.

طليقي ما سابليش ثروته لأنه كان عايز يرجعلي بعد موته.

ولا لأنه كان بيحبني أكتر من مراته.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى