متحرك

بنت صغيرة

الطفلة التي غيّرت حياة الملياردير
الجزء الأول: سر البيت المهجور
بقلم الكاتبة أسما السيد — حصري لموقع حكايات أسما السيد

— والنبي يا عمو، أنا مش بشحت… أنا بس عايزة علبة لبن لأخويا الصغير، بقالي يومين بسقيه مية بسكر، وماما مش بتصحى!

قالتها طفلة صغيرة وهي واقفة قدام كاشير واحد من أكبر السوبر ماركتات في وسط القاهرة، وجسمها كله بيترعش من البرد.

الكاشير بص لها بضيق وقال:

— يا بنتي، مش قولتلك امشي من هنا؟ إحنا مش جمعية خيرية! وبعدين إنتِ دخلتي إزاي أصلًا؟

البنت مسحت دموعها بإيدها الصغيرة، وقالت بصوت مخنوق:

— أنا مش عايزة فلوس يا عمو، والله العظيم! أنا عايزة لبن بس… أخويا بيعيط من امبارح، ومش عارفة أسكته!

— طب وأمك فين؟ خليها تيجي تشتريله!

البنت سكتت فجأة.

وبصت في الأرض.

وبعد لحظات قالت جملة خلت واحدة من الستات الواقفين جنبها تبصلها باستغراب:

— ماما نايمة بقالها تلات أيام… وأنا مهما أصحيها مش بترد عليا!

الكاشير اتنهد وقال:

— يا بنتي، روحي لأهلك، إحنا مش ناقصين مشاكل!

وفجأة ظهر مدير الفرع، وبص للبنت من فوق لتحت وقال بعصبية:

— إيه اللي بيحصل هنا؟ مين دخل البنت دي؟

رد الكاشير:

— بتطلب لبن أطفال يا فندم، ومش معاها فلوس.

المدير قرب منها وقال:

— اسمعي يا شاطرة، لو محتاجة مساعدة روحي لأي جمعية، إنما مينفعش تقفي هنا وتعطلي الناس.

مريم رفعت وشها، وعينيها كانوا مليانين دموع.

— طب ممكن آخد علبة واحدة بس؟ ولما ماما تخف هتدفع تمنها، والله!

المدير كان لسه هيرد، لكن صوت رجولي جه من وراهم:

— هي العلبة دي بكام؟

الكل لف ناحية الصوت.

كان واقف راجل طويل، شكله في أواخر التلاتينات، لابس بدلة سودا أنيقة، وفي إيده مفاتيح عربية فخمة.

المدير أول ما شافه اتعدل في وقفته وقال بسرعة:

— أستاذ آدم الشاذلي! يا أهلا وسهلا بحضرتك!

آدم تجاهله تمامًا، وكرر سؤاله:

— سألتك علبة اللبن بكام؟

الكاشير رد بتوتر:

— حوالي تلتمية وخمسين جنيه يا فندم.

آدم بص للمدير وقال بهدوء:

— يعني إنتوا واقفين خمسة رجالة حوالين طفلة عندها تمن سنين، علشان علبة لبن بتلتمية وخمسين جنيه؟

المدير حاول يبتسم:

— أصل حضرتك مش فاهم، النوعية دي بتدخل كل يوم…

آدم قاطعه بحدة:

— النوعية دي؟!

وسكت لحظة قبل ما يكمل:

— دي طفلة جعانة وبردانة، مش مجرمة!

وبعدين نزل على ركبه قدام مريم، علشان يبقى في مستوى عينيها.

— اسمك إيه يا حبيبتي؟

— مريم.

— عندك كام سنة يا مريم؟

— تمانية.

— وإخواتك كام واحد؟

— اتنين… ياسين عنده أربع سنين، وآدم عنده سبع شهور.

آدم اتجمد لحظة لما سمع اسم الطفل الصغير.

— اسمه إيه؟

— آدم.

ابتسم ابتسامة حزينة وقال:

— على اسمي يعني.

مريم هزت راسها.

— أيوه يا عمو… ماما كانت بتقول إن الاسم ده غالي عليها أوي.

آدم حس بحاجة غريبة، لكنه تجاهلها.

— طب قوليلي، إنتِ محتاجة إيه غير اللبن؟

مريم بصتله بتردد.

— حفاضات… وعيش… ولو ينفع بطانية، علشان ياسين بيترعش بالليل.

آدم وقف وبص للكاشير.

— هات عربية تسوق كبيرة.

المدير اتحرك بنفسه.

— تحت أمرك يا فندم.

آدم قال لمريم:

— تعالي يا مريم، هنجيب كل اللي إخواتك محتاجينه.

البنت فتحت عينيها بدهشة.

— كله؟!

— كله.

— حتى البسكوت لياسين؟

آدم ابتسم.

— حتى البسكوت.

مريم ضحكت لأول مرة.

ضحكة صغيرة جدًا، لكنها وجعت قلبه أكتر من دموعها.

فضلت تمشي جنبه وهي بتختار الحاجات بخوف.

كل شوية كانت تمسك حاجة وترجعها مكانها.

لحد ما آدم سألها:

— بترجعي الحاجة ليه؟

— علشان غالية.

— وإنتِ عرفتي منين؟

— ماما علمتني أبص على الأسعار قبل ما أطلب أي حاجة.

آدم سكت.

افتكر أمه وهي بتقوله نفس الجملة زمان، قبل ما يبقى عنده شركات وعربيات وقصور.

بعد نص ساعة، كانت عربية التسوق مليانة لبن أطفال وحفاضات وأكل وهدوم شتوي وبطاطين.

آدم دفع الحساب، وطلب من العامل يحط الأكياس في عربيته.

لكن مريم فجأة اتوترت.

— يا عمو، أنا لازم أمشي!

— استني أوصلك.

— لا، معلش… أنا عارفة الطريق.

— الدنيا بتمطر وإنتِ حافية.

مريم بصت على رجليها، وبعدها قالت:

— الجزمة اتقطعت مني وأنا جاية، بس أنا بعرف أمشي من غيرها.

آدم حس بغصة في حلقه.

جاب لها جزمة جديدة وشراب، وساعدها تلبسهم، وبعدين قال:

— طيب على الأقل خليني أطمن إنك وصلتي.

مريم بصتله بخوف غريب.

— بس متزعلش من ماما لو لقيتها نايمة… هي تعبانة أوي.

آدم اتنبه للجملة.

— تعبانة من إمتى؟

— من يوم ما الراجل الوحش جه عندنا.

قلبه انقبض.

— راجل مين؟

كل اللي عملته إنها شالت كيس صغير وجريت ناحية الباب.

آدم طلب من السواق يمشي بالعربية وراها على مهله.

وبعد عشر دقايق، وصلوا لحارة ضيقة في منطقة شعبية قديمة.

مريم دخلت بيت متهالك، بابه الخشب مكسور، وشبابيكه متغطية بقطع قماش قديمة.

آدم نزل من العربية.

السواق بصله باستغراب.

— حضرتك رايح فين يا آدم بيه؟

— هطمن على البنت.

— طب أجي معاك؟

— خليك هنا، ولو احتجتك هنادي عليك.

دخل آدم البيت بحذر، ونادى:

— يا مريم!

محدش رد.

لكنه سمع صوت عياط طفل.

وبعده صوت مريم:

— خلاص يا حبيبي، جبتلك اللبن أهو… استنى بس أعملهولك.

آدم قرب من باب أوضة صغيرة، وأول ما بص جواها حس إن رجليه مش شايلينه.

الأوضة كانت شبه فاضية.

كنبة قديمة، سرير حديد، ودولاب بابه مخلوع.

على الكنبة طفل عنده أربع سنين، حاضن رضيع بيعيط من الجوع.

ومريم واقفة قدامهم بتحاول تفتح علبة اللبن بإيديها الصغيرة.

أما على السرير…

فكانت فيه ست شابة نايمة على جنبها، وشها شاحب، وشعرها متناثر على المخدة.

آدم قرب منها بسرعة.

— يا مدام… سامعاني؟

مفيش رد.

لمس إيدها.

كانت باردة.

قرب صوابعه من رقبتها، وحاول يحس بنبضها.

كان ضعيف جدًا.

صرخ:

— مريم! أمك بقالها قد إيه كده؟!

البنت اتخضت وجريت ناحيته.

— هي بتصحى شوية وترجع تنام… بس من امبارح مش بتكلمني خالص!

آدم طلع موبايله واتصل بالإسعاف فورًا.

وبعدها اتصل بسواقه.

— يا حسن، اطلعلي بسرعة، وهات البطاطين والأكياس، وكلم أمن العمارة اللي في أول الشارع يساعدوا الإسعاف يوصل!

مريم مسكت طرف بدلته.

— عمو… ماما هتموت؟

آدم بص في عينيها.

كان نفسه يقولها لأ.

لكنه قال:

— إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه علشان ماما تخف يا مريم.

وبعدين قرب من الست علشان يعدل وضعها بحذر.

وفجأة…

اتجمد مكانه.

على رقبتها كان فيه عقد فضة قديم، متعلق فيه دلاية صغيرة على شكل نص قلب.

آدم مد إيده ببطء.

وشه اتغير تمامًا.

لأنه كان يعرف العقد ده كويس.

بل كان هو اللي اشتراه بنفسه من عشر سنين.

والدلاية دي تحديدًا…

كان معاها نص تاني.

نص موجود في درج مكتبه لحد النهارده!

همس بصوت مخنوق:

— مستحيل…

قرب أكتر من وش الست.

وشال خصلة الشعر اللي كانت مغطيه عينيها.

وفجأة رجع خطوة لورا.

سلمى؟!

مريم بصتله باستغراب.

— حضرتك تعرف ماما؟

آدم ما ردش.

كان واقف كأنه شاف شبح.

الست اللي قدامه كانت سلمى عبد الرحمن.

البنت الوحيدة اللي حبها في حياته.

واللي اختفت من عشر سنين، بعد ما أبوه أقنعه إنها سافرت واتجوزت راجل غني، وباعت حبهم مقابل الفلوس.

عشر سنين وهو فاكر إنها خانته.

عشر سنين وهو بيكره اسمها.

وعشر سنين وهو رافض يتجوز، رغم محاولات أهله المستمرة.

لكن دلوقتي…

سلمى قدامه.

نايمة على سرير مكسور.

وفي بيت مفيهوش حتى لقمة عيش.

ومعاها تلات أطفال.

آدم قرب منها تاني، وهمس:

— إيه اللي حصلك يا سلمى؟

وفجأة فتحت عينيها بصعوبة.

بصتله ثواني.

وفي اللحظة اللي عرفته فيها، جسمها كله اترعش.

— آ… آدم؟!

قرب منها بسرعة.

— أيوه يا سلمى، أنا آدم… متتكلميش، الإسعاف جاي.

لكن سلمى مسكت إيده بقوة غريبة.

— امشي…

آدم اتصدم.

— إيه؟

— امشي يا آدم… قبل ما يعرفوا إنك هنا!

— مين دول؟!

سلمى حاولت تتكلم، لكن صوتها كان بيختفي.

— أبوك…

آدم حس إن الأرض بتميد بيه.

— أبويا ماله؟!

سلمى بصت ناحية مريم، ودموعها نزلت.

وبعدين همست:

— متخليش… ياخدوا… ولادي…

وقبل ما تكمل، عينيها اتقفلت تاني.

آدم نادى عليها، لكنها ما ردتش.

في اللحظة دي وصلت الإسعاف.

المسعفين دخلوا بسرعة، وفحصوا سلمى، وحطولها أكسجين، ونقلوها على النقالة.

آدم خرج وراهم وهو شايل الرضيع، ومريم ماسكة إيد ياسين.

واحد من المسعفين سأله:

— حضرتك جوزها؟

آدم اتردد.

بص لسلمى.

وبعدين رد:

— أنا المسؤول عنها دلوقتي.

ركبوا كلهم العربية، وآدم طلب من حسن يلحقهم على المستشفى.

طول الطريق، مريم كانت ماسكة إيده.

— عمو آدم؟

— نعم يا حبيبتي؟

— هو إنت تعرف بابا؟

آدم بص لها بسرعة.

— باباكي؟

— أيوه… ماما قالتلي إن بابا كان طيب أوي، بس مات قبل ما يشوفنا.

آدم حس بشيء غريب.

— قبل ما يشوفكم؟

مريم هزت راسها.

— أيوه… بس أنا عندي صورته.

آدم قلبه دق بعنف.

— صورته فين؟

— في شنطة ماما… بس هي قالتلي ممنوع أوريها لحد.

آدم سكت.

مش عارف ليه فجأة حس إنه خايف يشوف الصورة.

وصلوا المستشفى.

الدكاترة دخلوا سلمى الطوارئ، وبعد الفحوصات الأولية اكتشفوا إنها بتعاني من جفاف شديد، وسوء تغذية، وهبوط حاد في الضغط والسكر، ومعاها عدوى محتاجة علاج ومتابعة.

الدكتور خرج لآدم وقال:

— إحنا بدأنا العلاج، بس حالتها صعبة، ومحتاجين نراقبها كويس.

آدم سأله بقلق:

— هتفوق إمتى؟

— مقدرش أحدد دلوقتي، لكن إحنا بنعمل اللازم.

آدم طلب أفضل رعاية ممكنة، وبعدها اهتم بالأطفال.

الممرضات جابوا أكل لياسين، ولبن مناسب للرضيع، وهدوم دافية لمريم.

لكن البنت رفضت تاكل.

— مش هاكل غير لما ماما تصحى.

آدم قعد جنبها وقال:

— ماما هتحتاجك تكوني قوية علشان لما تفوق تلاقيكي كويسة.

مريم بصتله وقالت:

— هو حضرتك غني أوي؟

ابتسم بحزن.

— الحمد لله.

— يعني عندك فلوس كتير؟

— أيوه.

— طب ممكن أسألك سؤال؟

— اسألي.

— هو ليه الناس اللي معاها فلوس كتير مش بتساعد الناس اللي مش معاها؟

آدم سكت لحظات.

السؤال كان أبسط من إنه يتهرب منه، وأصعب من إنه يجاوب عليه.

قال:

— مش كل الناس زي بعض يا مريم… بس المفروض اللي يقدر يساعد ما يتأخرش.

مريم هزت راسها.

— ماما كانت بتساعد الناس زمان… قبل ما نبقى فقراء.

آدم بص لها باهتمام.

— كانت بتشتغل إيه؟

— كانت دكتورة.

آدم اتصدم.

— دكتورة؟!

— أيوه، عندها بالطو أبيض وصور كتير وهي في المستشفى… بس الراجل الوحش خد كل حاجتها.

— مين الراجل الوحش ده يا مريم؟

البنت وشها اتغير.

وبصت حواليها بخوف.

— لو قولتلك، هتحمينا منه؟

آدم قرب منها.

— هعمل كل اللي أقدر عليه علشان أحميكم.

مريم همست:

— اسمه فؤاد.

آدم حس إن الدم اتجمد في عروقه.

— فؤاد مين؟

مريم قالت:

— فؤاد الشاذلي.

آدم وقف فجأة.

فؤاد الشاذلي…

كان أبوه!

فضل واقف ثواني مش قادر يستوعب.

— إنتِ متأكدة من الاسم يا مريم؟

— أيوه… هو اللي كان بييجي يزعق لماما، ويقولها لو فتحت بقها هيخلينا نروح دار أيتام.

آدم حس بغضب رهيب.

— كان بييجي إمتى؟

— آخر مرة من تلات أيام.

— وعمل إيه؟

مريم بدأت تعيط.

— خبط ماما… وماما وقعت على الأرض… وبعدين خد شنطتها اللي فيها الورق، وقالها إنها لو كلمت الأستاذ آدم هتندم!

آدم رجع قعد ببطء.

كل حاجة بدأت تتجمع في دماغه.

اختفاء سلمى من عشر سنين.

جوابها القديم اللي وصله بخط إيد مش شبه خطها.

رفض أبوه إنه يدور عليها.

وإصراره الغريب إنه يتجوز بنت شريكه.

وفجأة افتكر آخر خناقة بينه وبين أبوه من شهر.

لما أبوه قاله:

“إنت فاكر إنك عارف كل حاجة عن حياتك؟ في أسرار لو عرفتها هتتمنى إنك فضلت أعمى!”

وقتها آدم افتكر إنه مجرد تهديد.

لكن دلوقتي…

بدأ يشك إن أبوه كان مخبي عنه كارثة.

طلع موبايله واتصل بمدير مكتبه، كريم.

— كريم، عايزك تعمللي حاجة مهمة جدًا.

— تحت أمرك يا آدم بيه.

— عايز كل المعلومات المتاحة بشكل قانوني عن سلمى عبد الرحمن، اللي كانت دكتورة في مستشفى الرحمة من عشر سنين.

— سلمى؟ مش دي…

— أيوه، هي.

— حاضر يا فندم.

آدم كمل:

— وعايز أعرف مين صاحب البيت اللي ساكنة فيه دلوقتي، وإيه اللي حصل لشغلها، وليه سابت الطب.

كريم اتردد.

— في حاجة تانية؟

آدم بص ناحية مريم.

— أيوه… الموضوع ده ي

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى