بنت صغيرة

الصورة دي جتلك منين يا مريم؟! مين اللي ادهالك؟!
صرخ آدم الشاذلي وهو ماسك الصورة القديمة، ووشه اتحول للون الأبيض من شدة الصدمة.
مريم اتخضت من صوته، ورجعت خطوة لورا وهي بتقول:
— ماما… ماما قالتلي أخبيها، ولو حصلها حاجة أوريها لحد اسمه آدم الشاذلي… هو حضرتك آدم الشاذلي؟
آدم ما ردش.
كان باصص للصورة ومش مصدق عينيه.
الراجل اللي واقف جنب سلمى، وحاطط إيده على كتفها، كان أخوه الكبير…
عمر الشاذلي!
أخوه اللي العيلة كلها حضرت جنازته من تسع سنين!
أخوه اللي قالوا إنه مات في حادثة عربية على طريق إسكندرية الصحراوي!
أخوه اللي آدم فضل شهور يزور قبره ويعيط عليه!
رفع آدم عينيه وبص لأبوه فؤاد، اللي كان واقف قدامه بوش جامد.
— عمر؟! إزاي عمر في الصورة دي مع سلمى؟!
فؤاد مد إيده بسرعة.
— هات الصورة يا آدم.
آدم رجع خطوة.
— سألتك سؤال يا بابا! عمر كان بيعمل إيه مع سلمى؟!
فؤاد بص حواليه، ولاحظ إن الممرضات والناس بدأوا يتجمعوا.
قرب من ابنه وهمس:
— مش هنا… تعالى نتكلم في مكان لوحدنا.
آدم صرخ:
— لا! هنتكلم هنا! أنا بقالي تسع سنين فاكر أخويا مات، ودلوقتي ألاقي صورته مع البنت اللي كنت بحبها، واللي إنت قولتلي إنها باعتني علشان الفلوس!
فؤاد حاول يمسك دراعه.
— آدم، اهدا!
لكن آدم شد إيده بعنف.
— متلمسنيش! وقولي عمر مات فعلًا ولا لأ؟!
فؤاد سكت.
وسكوته كان أخطر من أي إجابة.
وفجأة خرجت سلمى من أوضتها وهي مستندة على الممرضة، رغم تعبها الشديد.
أول ما شافت فؤاد، جسمها كله اترعش.
— إنت جيت ليه؟! مش كفاية اللي عملته فينا؟!
فؤاد بص لها بحدة.
— ادخلي أوضتك يا سلمى، إنتِ تعبانة ومش عارفة بتقولي إيه.
سلمى ضحكت بمرارة.
— لسه بتخوفني؟! بعد ما أخدت مني كل حاجة؟! بيتي وشغلي وفلوسي وحتى حقي إني أعيش مع ولادي في أمان؟!
آدم قرب منها.
— سلمى، الصورة دي معناها إيه؟
سلمى بصت للصورة، ودموعها نزلت.
— دي صورة عمر يوم ما أنقذ حياتي.
آدم اتجمد.
— أنقذ حياتك من إيه؟
سلمى رفعت عينيها ناحية فؤاد.
— من أبوك!
آدم لف له بعصبية.
— إنت تسكت خالص! أنا عايز أسمع منها!
سلمى أخدت نفس بصعوبة، وقالت:
— من عشر سنين، بعد ما أبوك رفض جوازنا، جالي واحد من رجالة مكتبه وهددني. قالي يا أبعد عنك، يا هخسر شغلي وسمعتي وأمي المريضة مش هتلاقي علاج.
آدم بص لأبوه بصدمة.
سلمى كملت:
— أنا رفضت. كنت بحبك يا آدم، وكنت مستعدة أستحمل أي حاجة علشانك. لكن بعدها بأسبوع، لقيت نفسي متهمة إني زورت تقارير طبية، واتوقفت عن الشغل.
— وليه ما كلمتنيش؟!
— حاولت! عشرات المرات! تليفونك كان مقفول، وروحت شركتك، الأمن منعني أدخل، وقالولي إنك سافرت ومش عايز تشوفني.
آدم حط إيده على راسه.
افتكر الفترة دي.
أبوه كان باعتُه فعلًا دبي علشان صفقة كبيرة، وكان مغير رقم تليفونه بعد ما قاله إن فيه تهديدات أمنية.
سلمى كملت بصوت مكسور:
— وبعدها جالي جواب مكتوب عليه اسمك، بتقولي فيه إنك اكتشفت إني مش مناسبة ليك، وإنك اخترت مستقبلك.
آدم همس:
— أنا ما كتبتش الجواب ده.
— عرفت بعدين… بس بعد ما كل حاجة اتدمرت.
آدم بص للصورة تاني.
— وعمر دخل في الموضوع إزاي؟
سلمى سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
— عمر كان الوحيد اللي عرف إن أبوك بيخطط يبعدنا عن بعض. جه قابلني، وقاللي إنه هيقف جنبي ويكشف الحقيقة.
فؤاد اتدخل بعصبية:
— عمر كان متهور! وكان هيضيع العيلة كلها!
سلمى بصتله وقالت:
— عمر كان راجل عنده ضمير… وده اللي إنت مقدرتش تستحمله!
آدم قرب من أبوه.
— إنت عملت إيه في عمر يا بابا؟
فؤاد رد بسرعة:
— أخوك مات في حادثة، وكلنا عارفين كده.
سلمى هزت راسها.
— لأ يا آدم… عمر ما ماتش في الحادثة اللي قالولك عليها.
الممر كله سكت.
آدم حس إن رجليه مش شايلينه.
— يعني إيه؟!
سلمى قالت:
— عمر اختفى بعد ما اكتشف مستندات بتثبت إن شركة أبوك كانت بتستولي على ممتلكات ناس كتير بتوكيلات مش سليمة، ومن ضمنهم ميراث أمي.
فؤاد صرخ:
— دي أسرار شغل وإنتِ مش فاهمة فيها!
سلمى ردت:
— لأ، أنا فاهمة كويس! عمر كان معاه نسخ من العقود، وكان ناوي يبلغ الجهات المختصة.
آدم بص لأبوه.
— الكلام ده صحيح؟
فؤاد ما ردش.
وفي اللحظة دي، آدم طلع موبايله واتصل بأمن المستشفى.
— محدش يقرب من الأطفال، ومحدش يدخل أوضة سلمى من غير إذن الفريق الطبي. وأي حد يحاول ياخد طفل من غير حق قانوني، تبلغوا الشرطة فورًا.
إنت بتعمل كده مع أبوك؟!
آدم رد ببرود:
— أنا بحمي تلات أطفال، لحد ما أفهم الحقيقة.
فؤاد قرب منه وهمس:
— لو فتحت الملف ده، هتخسر كل حاجة.
آدم بصله بثبات.
— يمكن أكون خسرت حاجات أهم من الفلوس من زمان، وأنا مش واخد بالي.
فؤاد خرج من المستشفى وهو بيهدد:
— إنت اللي اخترت يا آدم!
بعد ما فؤاد مشي، آدم رجّع سلمى لأوضتها، والدكتور طلب منها ترتاح ومتكلمش كتير.
لكن آدم كان عنده ألف سؤال.
وأهم سؤال فيهم:
عمر فين؟
قعد جنب سلمى وقال:
— أنا مش هضغط عليكي وإنتِ تعبانة، بس لازم أعرف… أخويا عايش؟
سلمى بصتله بحزن.
— آخر مرة شفته كانت من تسع سنين، قبل ما يختفي بيوم واحد.
— يعني إنتِ متعرفيش إذا كان عايش ولا مات؟
— معرفش… بس أنا متأكدة إن اللي حصل يومها مش زي ما أبوك حكى.
آدم سألها:
— والصورة؟
— اتصورت قبل اختفائه بأسبوع. عمر كان جايبلي مستندات تثبت حقي في ميراث أمي، ووعدني إنه مش هيسكت.
آدم قرب منها.
— ومريم؟
سلمى ابتسمت بحزن.
— مريم بنت عمر.
آدم فتح عينيه من الصدمة.
— إيه؟!
— أيوه يا آدم… مريم بنت أخوك عمر.
آدم قام من مكانه.
— إزاي؟! إنتِ اتجوزتي عمر؟!
سلمى هزت راسها بسرعة.
— لأ! أنا عمري ما اتجوزت عمر.
آدم وقف مذهول.
— أمال إزاي مريم بنته؟!
سلمى قالت:
— مريم مش بنتي من دمي… أنا ربيتها.
آدم حس إن كل إجابة بتفتح قدامه عشر أسئلة جديدة.
— يعني إيه ربيتيها؟
سلمى أخدت نفس وقالت:
— عمر كان متجوز في السر من بنت اسمها ندى، من غير ما أبوك يعرف. ندى كانت بنت بسيطة، وأبوك عمره ما كان هيوافق عليها.
— عمر اتجوز من ورا العيلة؟!
— أيوه. ولما ندى حملت، عمر كان ناوي يعلن جوازه قدام الكل. لكن قبل ما يعمل كده، اختفى.
آدم قعد ببطء.
— وندى حصلها إيه؟
سلمى دموعها نزلت.
— ماتت بعد ولادة مريم بأيام، وكانت سايباها أمانة عندي.
آدم حط إيده على وشه.
أخوه كان عنده بنت!
بنت عاشت تمن سنين في الفقر والجوع، وهو عمها ومش عارف بوجودها!
افتكر مريم وهي واقفة قدام الكاشير بتترجاه يشتريلها لبن.
افتكر رجليها الحافية.
افتكر هدومها المبلولة.
وحس إن قلبه بيتقطع.
— يعني مريم بنت أخويا؟!
سلمى هزت راسها.
— أيوه… وعندي أوراق تثبت ده، وشهادة ميلادها باسم عمر، وعقد جوازه من ندى.
طب ليه مريم قالتلي إن أبوها مات قبل ما يشوفها؟
— علشان ده اللي كنت أعرفه وقتها… ولأني كنت خايفة أقولها إن أبوها اختفى ومحدش عارف مصيره.
آدم سكت لحظات.
وبعدين سأل:
— طب وياسين وآدم؟
سلمى وشها اتغير.
— دول ولادي.
— من جوزك؟
سلمى هزت راسها.
— ياسين من جوزي الله يرحمه.
آدم اتردد قبل ما يسأل:
— وآدم الصغير؟
سلمى بصت ناحية الشباك.
وسكتت.
آدم حس إن فيه سر تاني.
— سلمى، أنا مش بحاسبك على حياتك، ولا ليا حق أسألك عن حاجة تخصك… بس لو أبويا بيهدد الأطفال، لازم أفهم السبب.
سلمى بصتله ودموعها نزلت.
— آدم الصغير… ابني بالتبني مش بالنسب. أنا بكفله من يوم ما اتولد.
آدم اتفاجئ.
— بتكفليه؟
— أيوه. أمه ماتت بعد ولادته، وأبوه مش موجود.
— ومين أبوه؟
سلمى سكتت.
وبعدين قالت:
— مش هقدر أقولك دلوقتي… لأن فيه ناس ممكن تتأذى.
آدم اتنهد.
— طيب مش هضغط عليكي.
لكنه كان حاسس إن الطفل الصغير ده وراه سر أكبر من كل اللي سمعه.
تاني يوم الصبح، آدم صحى على مكالمة من كريم.
— آدم بيه، لازم تيجي المكتب فورًا.
— في إيه؟
— فيه حاجة غريبة حصلت في ملفات الشركة.
— اتكلم يا كريم.
— امبارح بالليل، حد حاول يدخل على الأرشيف الإلكتروني القديم، ويمسح ملفات من سنة اختفاء عمر بيه.
آدم انتفض.
— مين؟!
— لسه مش عارفين، بس فريق التقنية وقف العملية، وعندنا سجلات بالدخول.
آدم قال بسرعة:
— حافظوا على السجلات، ومحدش يلمس الأجهزة. وخلي المستشار القانوني يراجع الإجراءات.
وبعدها قفل.
بص للأطفال اللي كانوا نايمين في الأوضة المجاورة لسلمى.
مريم كانت حاضنة أخوها ياسين، والرضيع آدم نايم جنبهم في سريره.
آدم قرب منها بهدوء.
وفجأة مريم فتحت عينيها.
— عمو آدم؟
— صباح الخير يا حبيبتي.
— ماما خفت؟
— أحسن شوية الحمد لله.
مريم ابتسمت.
— ممكن أسألك سؤال؟
— طبعًا.
— هو حضرتك هتسيبنا زي باقي الناس؟
آدم حس بغصة.
— ليه بتقولي كده؟
— علشان كل اللي كانوا بيقولوا إنهم هيساعدونا، كانوا بيمشوا بعد شوية… ومحدش بيرجع.
آدم قعد جنبها.
— أنا مش هسيبكم لوحدكم يا مريم.
البنت بصتله بفرحة.
— بجد؟
— بجد.
وفجأة قالت:
— عمو آدم، هو إنت عندك أخ اسمه عمر؟
آدم اتجمد.
— أيوه… ليه؟
مريم قامت بسرعة، وفتحت شنطتها القديمة.
ماما قالتلي لو شفتك أديك ده… بس قالتلي أستنى لما أتأكد إنك طيب.
آدم مد إيده وأخد الظرف.
كان مكتوب عليه بخط يعرفه كويس:
“إلى أخويا آدم… لو الورق ده وصلك، يبقى الحقيقة أخيرًا لقت طريقها ليك.”
آدم حس إن قلبه هيقف.
ده خط عمر!
نفس الخط اللي كان بيكتبله بيه جوابات زمان.
فتح الظرف بإيد بتترعش.
لقى جواه ورقتين وصورة صغيرة ومفتاح نحاس قديم.
الورقة الأولى كانت رسالة.
بدأ يقرأ:
“آدم…
لو بتقرأ الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مقدرتش أرجعلك بنفسي.
أنا عارف إنك ممكن تكون مصدق إني مت، لكن الحقيقة إن فيه ناس كانت عايزاني أختفي علشان أسكت.
أنا اكتشفت حاجات خطيرة عن شغل بابا، وحاولت أواجهه، لكنه اختار يحمي اسمه وفلوسه بدل ما يسمعني.
أنا مش عارف الأيام الجاية مخبية إيه، لكن لو حصللي حاجة، متصدقش كل اللي هيتقالك.
ندى مراتي، ومريم بنتي، وليهم حق في اسمي وميراثي.
وسلمى ملهاش ذنب في أي حاجة. هي ساعدتني أحافظ على المستندات، ودفعت تمن ده من حياتها.
المفتاح اللي مع الجواب هيوصلك لمكان فيه الحقيقة كاملة.
بس أوعى تروح لوحدك.
أخوك عمر.”
آدم وقف وهو مش قادر يتنفس.
قلب الورقة.
لقى عنوان مكتوب:
“الإسكندرية — العجمي — فيلا الياسمين — المخزن رقم 7.”
وتحت العنوان جملة أخيرة:
“لو لقيت الساعة اللي اتكسرت يوم الحادثة، هتعرف مين كان سايق العربية.”
آدم رجع قرأ الجملة أكتر من مرة.
الساعة؟
أي ساعة؟
وفجأة افتكر.
يوم جنازة عمر، أبوه كان لابس ساعة دهب قديمة، وزجاجها مكسور.
ولما آدم سأله عنها، قاله إنها وقعت منه وهو رايح المستشفى بعد الحادثة.
وقتها ما اهتمش.
لكن دلوقتي…
كل حاجة بقت مختلفة.
بعد ساعتين، آدم كان في مكتبه الرئيسي في التجمع الخامس.
كريم مستنيه ومعاه ملفات كتير.
أول ما دخل، كريم وقف.
— آدم بيه، فيه معلومات لازم تعرفها.
آدم قعد وقال:
— قول.
كريم فتح ملف.
— عمر بيه قبل اختفائه كان مسؤول عن مراجعة عقود الأراضي والمستشفيات التابعة للمجموعة.
— عارف.
— قبل الحادثة بأسبوع، قدم اعتراض رسمي على نقل ملكية مستشفى الرحمة القديم لشركة تابعة للمجموعة.
آدم رفع عينه.
— مستشفى الرحمة؟! ده المكان اللي سلمى كانت بتشتغل فيه!