Uncategorized

كنت ببعت لأمي

وفي اللحظة دي، اكتشفت الحقيقة اللي كسرت ضهري للأبد.. عرفت امي عملت كده ليه وكانت بتودي الفلوس فين وياريتني مت قبل ما اعرف !!!

وقفت قدام الراجل الكبير وأنا مش قادر أرفع عيني من على قبر أمي. كان لابس جلابية رمادي، وفي إيده عصاية خشب قديمة، ووشه مليان تجاعيد، لكن أكتر حاجة شدتني كانت نظرة عينيه. نظرة واحد شايل كلام كتير، ومستني اللحظة اللي يطلعه فيها.

قال لي بصوت هادي: ـ إنت علي ابن الحاجة روحية؟
بصيتله باستغراب وقلت: ـ أيوه، حضرتك تعرف أمي؟
هز راسه وقال: ـ أعرفها أكتر ما تتخيل يا ابني. وأعرف إنها رحلت وهي مستنياك تيجي، حتى لو عارفة إنك مش هتيجي.

حسيت إن حد غرز أداة حادة في قلبي، بس كبريائي لسه كان مسيطر عليا، فقلت بحدة: ـ معلش يا حاج، أنا مش ناقص كلام. أمي رحلت وربنا يرحمها، وكل واحد راح لحاله.
الراجل بص للقبر، وبعدها رجع بصلي وقال: ـ حتى وهي في قبرها لسه بتظلمها؟

اتنفضت مكاني وقلت: ـ أظلمها إزاي؟! أنا كنت ببعتلها خمسين ألف جنيه كل شهر! خمسين ألف يا حاج! وكنت فاكر إنها عايشة أحسن عيشة. لكن لما نزلت أنا ومراتي وأهلها، قدمتلنا عيش بايت وجبنة قديمة، وكسفتني قدام الناس. ومن يومها ما كلمتهاش.

أول ما سمع كلامي، نزل راسه وسكت شوية، وبعدين قال: ـ طيب يا علي، إنت عمرك سألت أمك الفلوس دي كانت بتروح فين؟
قلتله باستهزاء: ـ كانت بتخبّيها طبعًا. دي طول عمرها بتحب الفلوس وبتخاف تصرف منها جنيه. حتى الأكل كانت بتستخسره على نفسها.

الراجل رفع عينه ليا، وقال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي.
ـ أمك يا علي ما كانتش بتستخسر الأكل على نفسها علشان تحوش الفلوس. أمك كانت بتشتري أكل على قدها، وتعيش على القليل، علشان في ناس تانية كانت بتموت من الجوع.
فضلت باصصله وأنا مش فاهم.

كمل كلامه: ـ بس دي مش كل الحكاية. إنت فاكر إن أمك كانت بتصرف الفلوس اللي بتبعتها كلها على نفسها أو بتحوشها في البنك؟ تعالى معايا، وأنا هوريك بنفسك الفلوس كانت بتروح فين.
قمت من مكاني، ونفضت التراب عن هدومي، ومشيت وراه وأنا مش عارف أنا رايح على فين.

ركبنا عربيته القديمة، وكانت واقفة على أول الشارع، وانطلق بين شوارع البلد لحد ما وصلنا لمنطقة شعبية بعيدة عن وسط المدينة. بيوت قديمة، وشوارع ضيقة، وأطفال بيلعبوا قدام الأبواب، وستات قاعدين على عتبات البيوت.
العربية وقفت قدام بيت صغير بابه خشب قديم، والدهان واقع من عليه.

الراجل نزل، وخبط على الباب.
فتحت لنا ست في أواخر الثلاثينات، وأول ما شافت الراجل الكبير قالت: ـ يا عم عبد الرحيم، خير؟ حضرتك جاي بدري النهارده.
عبد الرحيم بص ناحيتي وقال: ـ ده علي، ابن الحاجة روحية الله يرحمها.

أول ما الست سمعت اسم أمي، حطت إيدها على بقها، وعينيها اتملت دموع.
ـ إنت علي؟ ابن الحاجة روحية؟
هزيت راسي.
قربت مني وقالت: ـ يا ابني، أمك دي كانت أم لينا كلنا. ربنا يرحمها ويغفرلها.

الجملة ضايقتني، مش علشان وحشة، لكن علشان ما كنتش فاهمها. أمي كانت ست بسيطة، محدش يعرفها غير جيرانها، إزاي بقت أم للناس دي كلها؟
دخلنا البيت، لقيت بنت صغيرة قاعدة على كرسي، ورجلها متجبسة، وولد أصغر منها نايم على كنبة قديمة. الست جابت لنا كراسي، وقعدت قدامنا.

قالت وهي بتبصلي: ـ أمك كانت بتجيلنا كل أسبوع تقريبًا. كانت بتجيب أكل للعيال، وتساعدني في مصاريف علاج بنتي. ولما كنت أرفض، كانت تقول لي: الفلوس دي مش بتاعتي، دي أمانة عندي.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
ـ أمانة إيه؟!
عبد الرحيم رد بهدوء: ـ الفلوس اللي كنت بتبعتها لها.

حسيت إن وداني بتزن، وقمت من مكاني بعصبية.
ـ مستحيل! أمي كانت بتصرف فلوسي على ناس غريبة وتسيب نفسها؟!
الست قامت وجابت علبة صفيح صغيرة من فوق دولاب قديم. فتحتها، وطلعت منها ورقة مطوية بعناية، شكلها قديم وممسوكة كتير.

مدتهالي وقالت: ـ دي وصية الحاجة روحية لينا. قالت لو حصلها حاجة، واللي يسأل عنها ابنها، نسلمه الورقة دي بإيدينا.

مسكت الورقة، وإيدي كانت بتترعش.

فتحتها، ولقيت خط أمي اللي أعرفه من وأنا صغير.

«يا علي يا حبيبي، لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا مش موجودة في الدنيا، ويمكن تكون زعلان مني، ويمكن تكون فاكر إني بخيلة أو إني ما عرفتش أفرح بيك.

أنا عارفة إنك بتحبني، وعارفة إنك تعبت في شغلك علشان تريحني، وكنت كل ما تبعتلي الفلوس أقول لنفسي: ابني ربنا كرمه، ولازم أكون قد الأمانة اللي في إيدي.

بس يا ابني، فيه حاجات كتير ما عرفتش أقولها لك في التليفون، وحاجات كنت بخاف أحكيها لك علشان ما تشيلش هم حد غير نفسك.

أنا عايزاك تعرف الحقيقة من غير ما تزعل من حد، ولا تظلم حد زي ما أنا يمكن ظلمتك بسكوتي».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى