كنت ببعت لأمي

وقفت القراءة.
إزاي أمي كتبت الكلام ده؟ وإيه اللي كانت مخبياه عني؟
بصيت لعبد الرحيم وقلت: ـ فين باقي الحقيقة يا حاج؟
قال: ـ باقي الحقيقة في مكان لازم تشوفه بنفسك.
خرجنا من البيت، وركبنا العربية تاني. طول الطريق كنت ساكت، وببص من الشباك، وكل شوية أفتكر أمي وهي واقفة على باب البيت يوم ما سبتها، بتنادي عليا وأنا نازل.
«يا ابني.. استنى يا ابني».
غمضت عيني بقوة، لكن صوتها ما سابنيش.
بعد حوالي نص ساعة، العربية وقفت قدام مبنى قديم مكوّن من دورين، عليه لافتة صغيرة مكتوب عليها: «دار الرحمة لرعاية الأطفال».
نزلت وأنا مستغرب، وعبد الرحيم قال: ـ المكان ده كان بيت قديم، وأمك كانت بتجيله من سنين. ادخل يا علي.
دخلت وراه، ولقيت ست كبيرة في السن قاعدة على مكتب صغير، بتراجع أوراق، وأول ما شافت عبد الرحيم قامت وسلمت عليه.
قال لها: ـ أستاذة نادية، ده علي ابن الحاجة روحية.
الست سابت الورق من إيديها، وبصتلي بحنان غريب.
ـ يا ابني، أخيرًا جيت.
الكلمة دي لوحدها خلت قلبي ينقبض.
أخيرًا جيت؟
يعني الناس دي كلها كانت مستنياني؟
قعدت قدامها، فقالت: ـ أمك كانت بتساعد الدار دي من أكتر من عشر سنين. في الأول كانت بتجيب هدوم وأكل، وبعد ما إنت سافرت وبدأت تبعت لها الفلوس، كانت بتتكفل بمصاريف أطفال ما عندهمش حد يصرف عليهم.
بصيتلها بذهول.
ـ عشر سنين؟! أنا بقالي بره سنتين بس!
هزت راسها وقالت: ـ قبل ما تسافر، كانت بتبيع حاجات من دهبها القديم، وتساعد على قد ما تقدر. وبعد سفرك، لما بقيت تبعتلها المبلغ الكبير، قالت لنا إن ربنا وسّع عليها من خلال ابنها، وإنها مش عايزة الفضل ده يقف عندها.
سألتها بصوت مبحوح: ـ يعني هي كانت بتدي الخمسين ألف كلهم للدار؟
قالت: ـ مش كلهم. كانت بتقسمهم بين الدار وبين أسر فقيرة تعرفهم بنفسها. كانت بتحتفظ بجزء لمصاريفها وفواتير البيت، وجزء كانت بتحطه في حسابها علشان لو احتاجت علاج أو حصل لها ظرف.
سكتت لحظة، وبعدين أضافت: ـ لكن آخر سنة، حصلت مشكلة كبيرة خلتها تتصرف بطريقة مختلفة.
قربت منها وأنا حاسس إن قلبي بيدق بعنف.
ـ مشكلة إيه؟
بصت لعبد الرحيم، وكأنها بتستأذنه إنها تكمل.
هو هز راسه وقال: ـ لازم يعرف.
فتحت درج مكتبها، وطلعت ملف بني قديم، حطته قدامي.
ـ قبل رحيلها بشهور، أمك عرفت إن واحدة من الأسر اللي بتساعدها عندها طفل محتاج عملية كبيرة. الأب رحل، والأم كانت بتشتغل باليومية، والطفل كان محتاج علاج مستمر ومتابعة ومصاريف كتير. أمك قررت إنها تتحمل كل اللي تقدر عليه.
فتحت الملف، ولقيت إيصالات مستشفى وتحاليل وفواتير أدوية، كلها بأسماء مختلفة.
لكن اسم واحد شدني.
«يوسف محمود عبد الرحيم».
بصيت لعبد الرحيم، لقيته منزل عينه في الأرض.
سألته: ـ مين يوسف؟
اتنهد وقال: ـ حفيدي يا ابني.
سكت لحظة، وبعدين كمل: ـ ابني رحل من أربع سنين، وساب وراه ولد صغير. أمه اتجوزت وسافرت، والولد فضل معايا. أنا راجل على قد حالي، وكنت بحاول أعالجه من مرض في القلب، لكن المصاريف كانت أكبر مني.
يوم ما أمك عرفت، ما اكتفتش إنها تساعدني في العلاج، دي فضلت ورايا لحد ما وافقت أروح بيه لمستشفى متخصص.
بصيت للملف، ولقيت إيصالات بمبالغ كبيرة، بعضها باسمي بشكل غير مباشر، وبعضها مكتوب عليه اسم أمي.
عبد الرحيم كمل: ـ أمك كانت بتقول لي: «عبد الرحيم، ده رزق ربنا بعته للولد. ما تحرمهوش من العلاج علشان كرامتك».
ساعتها حسيت بحاجة تقيلة نزلت على صدري.
أمي كانت بتدي فلوسي لناس محتاجة، وبتخبي عني، وأنا كنت فاكر إنها بخيلة!
لكن اللي جاي كان أقسى.
نادية فتحت درج تاني، وطلعت ظرف أبيض، عليه اسمي بخط أمي.
ـ ده كان معاها يوم ما دخلت المستشفى آخر مرة. كانت موصيانا ما نفتحوش إلا لما تيجي بنفسك.
مسكت الظرف، وفتحته ببطء.
جواه صورة قديمة ليا وأنا طفل، واقف جنب أمي قدام البيت القديم، وورقة مكتوب فيها:
«يا علي، لو وصلت للمكان ده، يبقى أنت عرفت جزء من الحقيقة. بس فيه حاجة تانية لازم تعرفها، ودي يمكن أصعب حاجة عليا إني أقولها لك.
أنا ما كنتش بصرف كل الفلوس على الناس وبس. كنت بحوش علشانك إنت كمان».
وقفت عند الجملة دي.
علشاني أنا؟!
قلبت الورقة، ولقيت باقي الكلام.
«من يوم ما سافرت، وأنا عارفة إنك نفسك تشتري بيت في مصر، بيت يكون ليك ولعيالك لما ترجع. وكنت كل ما تكلمني وتقول لي إنك هتنزل إجازة، أقول لنفسي: يا رب ألحق أفرحه قبل ما أرحل.
كنت بحوش جزء من الفلوس في حساب باسمي، وكنت ناوية أحطه باسمك لما ترجع. لكن لما عرفت إنك اتجوزت، فرحتلك وزعلت في نفس الوقت، لأن نفسي كنت أشوفك عريس قدام عيني، وأفرح بيك وأزغردلك.
وبعدين لما قلت لي إنك جاي ومعاك مراتك وأهلها، فضلت أيام مش عارفة أنام من الفرحة.
لكن قبلها بأسبوع، حصلت حاجة ما عرفتش أحكيهالك».
حسيت إن إيدي اتجمدت.
قريت السطر اللي بعده.
«الفلوس اللي كنت بحوشها اتصرفت في حاجة ما كانش ينفع أسيبها».
رفعت عيني وقلت: ـ إيه الحاجة دي؟!
نادية قالت: ـ أمك كانت رافضة تحكي لحد، حتى لينا. لكن قبل رحيلها بكام يوم، طلبت مننا نساعدها نوصل لك الحقيقة.
وبعدين قامت وخرجت من المكتب، ورجعت بعد دقائق ومعاها ست في أواخر الأربعينات، وشها شاحب وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافتني، قالت: ـ إنت علي؟
هزيت راسي.
قربت مني، وقعدت على الكرسي اللي قدامي، وفضلت تبصلي كأنها بتحاول تتأكد من ملامحي.
ـ أنا اسمي سعاد، وكنت ساكنة في الشقة اللي جنب أمك من سنين.
قلت لها: ـ خير يا حاجة؟
مسحت دموعها وقالت: ـ أمك باعت دهبها، وصرفت من الفلوس اللي كانت محوشاها، علشان تنقذ ابني من الحجز.
اتسمرت مكاني.




