قصص وروايات

حفيدتي والخاتم

بابا مش بس عايز يشوف إيلي قبل ما ېموت. هو عايز يصلّح حاجة عملها من سنين، لكن مش عارف يبدأ منين. وده السبب اللي خلّى نيت ييجي لحد بيتك.
سألتها
وإيه الحاجة دي؟
ميريديث حطت كوب القهوة على الترابيزة، وقربت مني شوية.
أنا ما أقدرش أحكيلك كل حاجة بالنيابة عنه. فيه أمور تخص كلير ودانيال، وفيه حاجة حصلت قبل جوازهم، وبابا فضّل مخبيها عننا. لكن فيه شخص واحد كان عارف الحقيقة كلها غيره.
قلبي بدأ يدق أسرع.
مين؟
قالت
بابا نفسه.
رجعت البيت وأنا شايلة أسئلة أكتر بكتير من الإجابات اللي كنت بدوّر عليها.
طول الطريق، كنت بفكر في كلير.
في بنتي اللي ما كانتش بنتي پالدم، لكنها كانت جزء من عيلتي، واللي عشت معاها سنين قبل ما الحاډثة تاخدها هي ودانيال مننا.
كنت فاكرة إني عارفة كل حاجة عنها.
كنت عارفة إنها كانت بتحب الرسم، وإنها كانت بتضحك بصوت عالي لما دانيال يحاول يطبخ، وإنها كانت پتخاف من صوت الرعد، وإنها كانت بتنام وهي ماسكة إيده لما تكون متوترة.
لكن ما كنتش أعرف إن ورا حياتها حكاية كاملة مع عيلتها، وإن فيه أسرار فضلت مدفونة لحد ما حفيدتي لقت خاتم ألماس في ممر الحلويات.
لما رجعت، لقيت ليلى قاعدة على الأرض في الصالة، وبتلوّن رسمة جديدة.
أول ما شافتني، قامت وجريت عليّ.
تيتا! كنتِ فين؟
حضنتها وقلت
كنت بخلّص مشوار يا حبيبتي.
بصّت لي بفضول.
هو الراجل اللي جه الصبح كان عايز إيه؟
اترددت لحظة، وبعدها قلت
كان يعرف ماما، يا ليلى.
ابتسامتها اختفت تدريجيًا.
يعني هو يعرف ماما بجد؟
هزّيت راسي.
أيوه يا حبيبتي. وبيعرف ناس من عيلتها كمان.
ليلى فضلت ساكتة شوية، وبعدها سألتني بصوت صغير
هو عندي عيلة تانية غيرك؟
السؤال ۏجع قلبي أكتر مما كنت مستعدة أعترف.
قعدت جنبها على الأرض، ومسكت إيديها بين إيديا.
أيوه يا حبيبتي. عندك خالات وأعمام من ناحية ماما، وفيه جدّ ليكي لسه عايش.
عينيها لمعت.
جدو؟ زي الأجداد اللي في المدرسة؟
ابتسمت رغم إن قلبي كان تقيل.
أيوه، زيهم.
لكن ابتسامتها ما كملتش.
سألتني
طب هو ليه ما جاش يشوفني قبل كده؟ هو ما كانش عارف إني موجودة؟
ما قدرتش أجاوبها على طول.
كنت عايزة أقول لها إن الكبار ساعات بيغلطوا، وإن بعضهم بيخلّي كبرياءه أهم من الناس اللي بيحبهم، وإن فيه أخطاء بتاخد سنين علشان تتصلح.
لكن ما كنتش عايزة أزرع جواها إحساس إنها مش مرغوب فيها.
فقلت لها الحقيقة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها
أنا لسه مش عارفة كل حاجة يا حبيبتي. لكن لو فيه ناس عايزة تدخل حياتنا، لازم الأول نعرف هما مين، وعايزين إيه، وهل وجودهم هيكون كويس ليكي ولا لأ.
هزّت راسها، ورجعت تبصّ لرسمة كانت قدامها.
كانت رسمة فيها أربع شخصيات صغيرة أنا، وهي، وماما وبابا على هيئة نجمتين فوقنا.
وبجانبهم، كانت رسمت شخصين جداد، واحد طويل والتانية شعرها طويل.
سألتها
مين دول يا ليلى؟
قالت وهي بتلوّن واحدة من الشخصيات
مش عارفة. بس يمكن دول الناس اللي هنقابلهم.
في اللحظة دي، حسّيت إن القرار اللي قدامي أصعب مما تخيلت.
أنا مش بس بحمي طفلة من خطړ محتمل.
أنا بحمي قلب طفلة فقدت أبوها وأمها، وبتحاول تلاقي مكانها في العالم من جديد.
وفي نفس الوقت، ما كنتش عايزة أحرمها من عيلة ممكن تكون محتاجاها، لمجرد إنني خاېفة.
علشان كده، قررت إني لازم أقابل جدها بنفسي قبل ما أسمح له يقابلها.
في اليوم التالي، اتصل بيا نيت.
قال إنه يقدر يبعث عربية تاخدني للمستشفى الخاص اللي والده موجود فيه، لكنني رفضت.
قلت له إني هاجي بطريقتي، وإن محدش هيقرر عني إمتى أروح أو أرجع.
وصلت المستشفى بعد الظهر.
المبنى كان فخم، والموظفين بيتحركوا بهدوء في الممرات الواسعة، والريحة النظيفة للمكان كانت مختلفة تمامًا عن أي مستشفى اتعودت أروحها.
نيت كان مستنيني عند الاستقبال.
أول ما شافني، وقف وقال
شكرًا إنك جيتي.
ردّيت ببرود
أنا جاية

علشان أسمع الحقيقة، مش علشان أجاملك.
هزّ راسه، وكأنه كان متوقع الرد.
طلعنا بالمصعد للدور اللي فيه جناح والده.
وأثناء ما كنا ماشيين في الممر، قال لي
بابا كان رجل صعب طول حياته. عنده شركات وعقارات، واتعود إن كل الناس تنفذ كلامه. حتى إحنا، أولاده، كنا بنخاف نختلف معاه.
قلت له
الخۏف مش عذر إنكم تسيبوا أختكم لوحدها.
ما حاولش يدافع عن نفسه.
قال بهدوء
عارف. وكل يوم بندم على ده.
وصلنا قدام باب غرفة واسعة.
نيت خبط خبطتين، وفتح الباب.
كان فيه راجل كبير في السن قاعد على سرير طبي، جسمه ضعيف، ووشه شاحب، لكن عينيه كان فيها نفس النظرة الحادة اللي شفتها في عيني نيت.
على الترابيزة جنب السرير، كانت فيه صور عائلية قديمة، وأدوية، وكوباية ميّه.
الراجل بصّ لي، وبعدها سأل
إنتِ أم دانيال؟
قلت
أنا جدة ليلى، وأم دانيال الله يرحمه.
سكت لحظة، وبعدين قال
أنا روبرت هاريسون. والد كلير.
كان اسمه مختلفًا عن أي اسم سمعته قبل كده، لكن ده ما كانش مهم.
المهم كان إنه الراجل اللي رفض بنته سنين طويلة، واللي دلوقتي عايز يشوف بنتها بعد ما بقى فاضل له أسابيع في الدنيا.
قربت من الكرسي اللي جنب السرير، لكنني ما قعدتش.
قلت له مباشرة
أنا مش جاية علشان أسمع اعتذار وخلاص. أنا جاية أفهم ليه بنتك فضلت بعيدة عنك، وليه حفيدتك عاشت سبع سنين تقريبًا من غير ما تعرف إن عندها جدّ من ناحيتها.
بصّ للأرض، وفضل ساكت.
وبعد لحظات قال
كلير كانت عنيدة.
الكلمة دي وحدها خلتني أرفع حاجبي باستنكار.
عنيدة؟ بنتك ماټت، وسبت بنت صغيرة يتيمة، وإنت أول حاجة تقولها عنها إنها كانت عنيدة؟
رفع عينيه لي، وكان واضح إنه اتفاجئ من طريقتي.
قلت له
أنا مش جاية هنا علشان أسمعك تبرر اللي عملته. لو كنت عايز تشوف حفيدتك، لازم الأول تكون مستعد تواجه الحقيقة.
تنهد ببطء.
أنا عارف إني غلطت.
إنت عارف إنك غلطت، ولا عارف إيه اللي خسرته بسبب غلطك؟
ما ردّش.
ولأول مرة، شفت عينيه تلمع بالدموع.
قال بصوت واطي
أنا خسړت بنتي.
ردّيت عليه
لأ. إنت خسرتها وهي لسه عايشة. وده فرق كبير.
فضل باصص لي، وكأن كلامي أصابه في مكان كان بيحاول يتجنبه من سنين.
وبعدين مدّ إيده ناحية درج صغير جنب السرير.
طلع منه ظرف قديم، لونه أصفر من الزمن، وحطه قدامي.
قال
قبل ما تقرري إذا كنتِ هتسمحي لي أشوف ليلى، لازم تعرفي إيه اللي حصل فعلًا بيني وبين كلير.
بصّيت للظرف، وبعدها رجعت بصّيت له.
إيه اللي جواه؟
قال
جواب كتبته لها من تسع سنين، لكنني ما بعتهوش أبدًا.
مدّيت إيدي وأخدته.
كان الظرف مقفول، وعلى وشّه اسم كلير مكتوب بخط إيده.
وقبل ما أفتحه، قال
فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. أنا ما رفضتش جوازها من دانيال بسبب الفلوس أو المستوى الاجتماعي بس.
اتجمدت مكاني.
تقصد إيه؟
بصّ ناحية الشباك، وكأنه بيحاول يلاقي الكلمات المناسبة.
وبعدين قال
أنا كنت عارف حاجة عن دانيال قبل ما يتجوزها، حاجة كلير نفسها ما كانتش تعرفها.
حسّيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
دانيال، ابني، كان راجل طيب، وكنت أعرفه كويس.
لكن فكرة إن فيه سر متعلق بيه، وإن والد زوجته كان عارفه من قبل جوازهم، كانت كفيلة إنها تخليني أشك في كل حاجة كنت فاهمها عن الماضي.
سألته بصوت مرتعش
إيه الحاجة اللي كنت عارفها عن ابني؟
روبرت غمّض عينيه لحظة، وبعدها فتحهم وقال
قبل ما دانيال يقابل كلير، حصلت واقعة غيّرت حياة عيلتنا كلها. وأنا قضيت السنين اللي فاتت بحاول أمنع الحقيقة دي من إنها تظهر.
وقبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، دخلت ممرضة الغرفة بسرعة، وبصّت إلى الأجهزة الطبية، ثم قالت بقلق
دكتور هاريسون، لازم الدكتور يشوفك حالًا.
نيت قرب من السرير، وأنا فضلت واقفة مكاني والظرف في إيدي.
روبرت مسك معصمي فجأة، رغم ضعفه، وبصّ لي بعينين مليانين خوف.
قال بصوت خاڤت
أرجوكي مهما حصل، ما تخليش ليلى تدفع تمن الغلطة اللي أنا عملتها مع أمها.
وبعدين ساب إيدي، وبدأت الممرضة تنادي على الطبيب.
خرجت من الغرفة وأنا مش قادرة أرتب أفكاري.
كان عندي جواب قديم، وسر متعلق بابني، وجدّ مريض بيحاول يصلّح حاجة قبل فوات الأوان.
لكن السؤال اللي فضِل يطاردني طول الطريق وأنا راجعة البيت كان واحدًا
إيه اللي حصل قبل جواز دانيال وكلير، لدرجة إن روبرت هاريسون فضّل يخبي الحقيقة تسع سنين كاملة وهل السر ده هو السبب الحقيقي اللي خلّى ليلى تعيش بعيد عن عيلتها كل السنين دي؟
الجزء الثالث والأخير الحقيقة اللي اتدفنت تسع سنين
رجعت البيت وأنا ماسكة الظرف القديم، وحاسة إن كل خطوة باخدها بتقربني من حقيقة عمري ما كنت أتخيل إنها موجودة.
أول ما دخلت، لقيت ليلى قاعدة مستنياني على الكنبة، وحضنتها بقوة قبل حتى ما تسألني كنت فين.
بالليل، بعد ما نامت، قعدت لوحدي وفتحت الظرف.
جواه جواب مكتوب بخط روبرت، لكن المفاجأة ما كانتش في الكلام اللي كتبه لكلير، كانت في ورقة تانية متدسّة جواه، عليها اسم ابني دانيال وتاريخ قبل جوازه من كلير بشهور.
بدأت أقرأ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى