رخصة مرور

مروان هز راسه وهو مش قادر يتكلم
أما أنا فكنت واقفة في مكاني حاسة بالعجز
أنا اللي كنت فاكرة إني أقدر أساعده بمجرد ما أوصله للمستشفى اكتشفت إن الطريق اللي قدامي أصعب بكتير من زحمة الشوارع
بعد ما الدكتورة خرجت مروان رجع قعد جنب بنته
ليلى بصت له وقالت
بابا هو أنا هفضل هنا كتير؟
مروان حاول يخبي دموعه
مش عارف يا حبيبتي بس هنفضل مع بعض لحد ما ترجعي أحسن من الأول
قالت له
طب ما تزعلش عشان أنا لما بشوفك زعلان بتوجع أكتر
مروان حضنها وفضل ساكت
في اللحظة دي خرجت من الأوضة وقفت عند الشباك في آخر الممر
دموعي نزلت من غير ما أحس
افتكرت أبويا الله يرحمه لما كان بيقف قدام سريري وأنا صغيرة بعد ما خرجت من الحريق وكان بيقول لي إن ربنا بعت لي ملاك أنقذني
أنا عمري ما عرفت اسم الراجل اللي أنقذني وقتها
لكن بعد ما بقيت ضابطة فضلت أدور عليه لحد ما وصلت لمعلومات قليلة عن اسمه وإنه كان شغال في شركة مقاولات وإنه سافر فترة طويلة بعد الحادث
ماعرفتش أوصله
لحد النهارده
سمعت صوت من ورايا بيقول
حضرة الظابط
مسحت دموعي بسرعة ولفيت
كان مروان واقف قدامي
قال بصوت هادي
معلش أنا عارف إني تعبتك معايا النهارده
قلت له
متقولش كده
فضل باصص لي شوية وبعدين سأل
إنتي ليه ساعدتيني بالشكل ده؟ كان ممكن تعملي شغلك وتسيبيني أتصرف
بصيت له وقلت
فاكر حريق عمارة شبرا من 12 سنة؟
ملامحه اتغيرت فجأة
حريق شبرا؟
أيوه
حسيت إنه بدأ يفتكر
قلت له
كان فيه بنت عندها 14 سنة محبوسة في شقة في الدور التالت وسط الدخان والنار وأهلها كانوا بره ومش عارفين يوصلوا لها
مروان فضل ساكت
كملت وأنا صوتي بدأ يرتعش
البنت دي كنت أنا
وشه اصفر وبص لي بذهول
إنتي آية؟
هزيت راسي وأنا بعيط
أيوه أنا آية
حط إيده على دماغه كأنه مش مصدق
يا نهار أبيض
قرب مني وقال
إنتي كبرتي وبقيتي ضابطة؟
ابتسمت وسط دموعي
أيوه وده بفضل ربنا وبفضل إنك دخلت النار وطلعتني
مروان بص للأرض وقال
أنا فاكر اليوم ده كأنه امبارح
كان فيه ناس بتصرخ وناس بتحاول تطلع من العمارة وأنا سمعت صوتك من جوه الشقة
دخلت من غير ما أفكر
ماكنتش عارف إذا كنت هخرج تاني ولا لأ
قلت له
طب ليه اختفيت؟ ليه ماعرفتش اسمك ولا حتى قدرت أشكرك؟
تنهد وقال
أنا ماكنتش مستني شكر يا بنتي
وبعدين سكت لحظة وكمل
بعد الحريق بأيام أخويا مات في حادثة عربية وكنت مسؤول عن ابنه الصغير وقتها وأم الولد كانت مسافرة ومش عارفة ترجع بسرعة
الدنيا اتقلبت في وشي ومشاكل العيلة والشغل خلتني أسافر فترة للإسكندرية وبعدين رجعت القاهرة بعد سنين
ماكانش عندي وقت أفكر في أي حاجة غير إني أحافظ على اللي فاضل من عيلتي
قلت له
بس أنا فضلت فاكرَاك كل السنين دي
ابتسم ابتسامة حزينة
وأنا عمري ما نسيت البنت اللي خرجت بيها من النار
سكتنا شوية وبعدين قلت له
مروان أنا عايزة أساعدك
هز راسه بسرعة
كفاية اللي عملتيه النهارده يا آية
قلت له بحزم
أنا مش قصدي فلوس ولا أي حاجة من دي
أنا قصدي إني مش هسيبك تواجه كل ده لوحدك
بص لي بعينين مليانين تعب
أنا مش عارف أعمل إيه أصلا
قلت له
هنشوف كل حاجة خطوة بخطوة وهنتابع مع الدكاترة وهنسأل عن كل الخيارات المتاحة لبنتك
مروان سكت وبعدين قال
ربنا يكرمك يا بنتي
رجعنا أوضة ليلى لقيناها نامت من التعب
قعدنا جنبها وأنا بدأت أعرف حكايته
عرفت إن مراته ماتت من أربع سنين بعد مرض مفاجئ وإن ليلى كانت كل حياته وإنه من يوم ما عرف بمرضها وهو بيصرف كل اللي يملكه على العلاج
باع شقته الكبيرة وانتقل لشقة صغيرة في إمبابة وباع عربيته القديمة واشترى البي إم دبليو دي بالتقسيط بعد ما احتاج عربية يعتمد عليها في مشاوير المستشفى
وكان شغال مدير حسابات في شركة كبيرة لكن بقاله شهور بياخد إجازات كتير عشان يفضل مع بنته
قلت له
طب وأهلك؟ مفيش حد بيساعدك؟
ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة
أهلي؟ أخويا مات وأبويا وأمي ماتوا من زمان وباقي العيلة كل واحد مشغول في حياته
مافيش غيري أنا وليلى
الكلام ده خلاني أحس بوجع كبير
كنت فاكرة إن الراجل اللي أنقذني حياته أكيد مليانة خير وسعادة
لكن اكتشفت إن الدنيا خدت منه كتير وإنه رغم كل اللي مر بيه لسه بيحاول يتمسك ببنته
بعد شوية الدكتورة رجعت وطلبت تتكلم معانا
قالت إن ليلى محتاجة فحوصات إضافية وإن القرار العلاجي النهائي هيتحدد بعد مراجعة النتائج مع الفريق المتخصص
مروان سألها
يعني فيه أمل؟
الدكتورة ردت بصدق
فيه دايما خطوات ممكن نجربها لكن مش هقدر أوعدك بنتيجة قبل ما نكمل التقييم
مروان هز راسه
أنا موافق على أي حاجة تساعدها
الدكتورة وضحت له كل التفاصيل وطلبت منه يوقّع على الموافقات المطلوبة بعد ما يفهم الإجراء والمخاطر
وفي آخر الكلام قالت
كمان مهم جدا إن حضرتك ترتاح شوية لأن بنتك محتاجاك قوي الفترة الجاية




