عام

اربع موتسيكلات

اعتبريها عزومة مننا يا تيتة!
بعد دقائق، كانت الأطباق كلها تقريبًا فاضية.
جاك مسح بقه بمنديل، وقام من مكانه وهو بيتمطّى، وبعده قام ريك وتوم وداني.
ماريا كانت في المطبخ بتغسل حلة، لكنها لمحتهم من فتحة الباب وهم بيتجهوا ناحية موتوسيكلاتهم.
خرجت بسرعة نسبيا، ونادت عليهم:
يا ولاد، لحظة واحدة!
الأربعة كملوا مشي كأنهم ما سمعوش حاجة.
ماريا قربت منهم وقالت:
الحساب يا ولاد، إنتوا لسه ما دفعتوش.
جاك وقف جنب موتوسيكلِه، ولفّ ناحيتها ببطء:
حساب إيه؟
ماريا استغربت السؤال:
حساب الأكل اللي طلبتوه.
ريك انفجر في الضحك:
يا خبر! هي فاكرة إننا هندفع فعلًا!
ماريا بصّت لهم، ولسه بتحاول تستوعب اللي بيحصل:
يا ابني، ده مطعم، والناس بتدفع تمن الأكل اللي بتاكله. أنا جهزت لكم أربع وجبات كبيرة، واشتغلت عشانكم من أول ما دخلتوا.
جاك ركب الموتوسيكل، وحط إيده على المقود، وبصّ لها بابتسامة مستفزة:
خلاص يا تيتة، اعتبريها عزومة مننا ليكي النهارده!
ريك رفع إيده ولوّح لها:
تسلم إيدك يا ست الكل!
توم ضحك وأضاف:
الأكل كان حلو. المرة الجاية نحاول نفتكرك!
أما داني، فكان ساكت، لكنه ركب موتوسيكلِه زي الباقيين.
ماريا وقفت قدامهم وقالت بنبرة فيها حزن:
يا ولاد، أنا ما طلبتش منكم حاجة ببلاش. لو ما كانش معاكم فلوس، كنتوا قلتوا لي، وكنت هتصرف. إنما ليه تعملوا كده؟
للحظة قصيرة، هديت ضحكاتهم.
لكن جاك قرر إنه يحوّل كلامها لسخرية جديدة:
إنتِ لسه مش فاهمة؟ إحنا مش هندفع!
وبعدها لفّ مفتاح الموتوسيكل.
صوت المحرك العالي غطّى على صوت ماريا وهي بتحاول تنادي عليهم للمرة الأخيرة:
استنوا! ما يصحش اللي بتعملوه ده!
لكن الأربعة انطلقوا على الطريق، واحد ورا التاني، وخلّفوا وراهم سحابة تراب كثيفة.
فضلت ماريا واقفة قدام المطعم، عينيها متعلقة بالطريق اللي اختفوا فيه.
ما جريتش وراهم.
ما صرختش.
وما حاولتش تمسك حد منهم.
كانت عارفة إنهم أقوى منها جسديًا، وإن محاولة اللحاق بيهم مش هتغيّر حاجة.
لكن اللي وجعها فعلًا ما كانش تمن الأكل.
كان إحساسها إنهم بصّوا لها وشافوا مجرد ست عجوز، وافتكروا إن كبر سنها معناه إنها بلا قيمة، وإن هدوءها معناه إنها عاجزة، وإن احترامها ليهم معناه إنها تقدر تقبل الإهانة.
مسحت إيديها في المريلة، وبصّت للمطعم الصغير اللي قضت فيه سنين طويلة من عمرها، وبعدين قالت لنفسها بهدوء:
يا رب، اهدي الناس دي. هما مش فاهمين هما بيعملوا إيه.
بعدها دخلت جوه، وقفلت الباب نص قفلة، وراحت ناحية الترابيزة اللي كانوا قاعدين عليها.
بدأت تجمع الأطباق الفاضية، طبق ورا طبق، كأن شيئًا لم يحدث.
لكن قبل ما ترجع للمطبخ، وقفت للحظة، ومدّت إيدها في جيب مريلتها، وطلعت موبايلها القديم.
فتحت قائمة الأسماء، وضغطت على اسم واحد:
ابني.

المكالمة اللي قلبت الموازين!
رنّ الهاتف مرة واحدة تقريبًا، وبعدها جه صوت رجالي هادي من الناحية التانية:
أيوه يا أمي، إزيك؟ كنت لسه هكلمك وأطمن عليكي.
ماريا سكتت لحظة، وكأنها بتفكر إذا كانت تحكي له اللي حصل ولا لأ، وبعدين قالت:
أنا كويسة يا حبيبي. ما تقلقش.
صوته اتغير شوية:
مالك؟ صوتك مش طبيعي. فيه حاجة حصلت؟
ماريا بصّت ناحية الترابيزة الفاضية:
مفيش حاجة كبيرة. أربعة رجالة جم أكلوا عندي، ولما خلصوا مشيوا من غير ما يدفعوا.
سكت ابنها للحظات، وبعدين سألها بصوت أكثر جدية:
إيه؟ مشيوا من غير ما يدفعوا إزاي؟ حد فيهم ضايقك؟

لأ، ما ضربنيش حد.

عليّوا صوتهم عليكي؟

كانوا بيضحكوا ويسخروا مني، لكن ما لمسنيش حد.

طب إنتِ كويسة؟ حد زقك؟ وقعك؟ قال لك كلام يخوفك؟
ماريا ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم تعبها:
يا ابني، أنا كويسة. ما تخافش عليّا بالشكل ده.
لكن ابنها ما كانش مقتنع:
ماما، أنا عارفك. إنتِ طول عمرك بتقولي إنك كويسة حتى لو الدنيا مقلوبة فوق دماغك. احكي لي حصل إيه بالضبط.
بدأت ماريا تحكي له من أول لحظة دخل فيها الرجالة الأربعة، وطريقتهم في الكلام، والطلبات اللي طلبوها، وإزاي أكلوا كل حاجة، وبعدها قرروا يمشوا من غير ما يدفعوا، وحكت له كمان إن واحد منهم قال لها تعتبر الأكل عزومة.
في الناحية التانية، ابنها كان ساكت تمامًا. كل ما كانت بتكمل تفاصيل، كان صمته بيزيد.
وفي النهاية سألها:
فاكرة شكلهم كويس؟

أيوه.

كانوا راكبين إيه؟
وصفَت له الموتوسيكلات، وألوانها، وبعض العلامات اللي كانت عليها، وحكت له عن الملابس اللي كانوا لابسينها، وطريقة كلامهم، والاتجاه اللي مشيوا فيه.
ابنها سألها سؤال أخير:
خرجوا من عندك من قد إيه؟

يمكن من خمس دقايق أو أقل.
قال لها بهدوء:
طيب يا أمي، اقفلي دلوقتي وكمّلي شغلك عادي. أنا هتصرف.
ماريا رفعت حاجبها:
هتتصرف إزاي يا حبيبي؟ أنا مش عايزاك تعمل مشكلة عشان شوية أكل.
ردّ عليها فورًا:
محدش هيعمل مشكلة يا أمي. أنا بس هخلّيهم يرجّعوا حقك.

بس اسمعني كويس، أنا مش عايزاك تأذي حد.

حاضر.

ولا عايزاك تخوّفهم زيادة عن اللزوم.

حاضر يا أمي.

والأهم من ده كله، ما تنساش إنهم بني آدمين، حتى لو تصرفوا بطريقة وحشة.
صوت ابنها بقى أهدى:
عارف يا أمي. إنتِ اللي علمتيني الكلام ده.
ماريا تنهدت براحة:
خلاص. ربنا يسهّل لك أمورك. خلي بالك من نفسك، وأنا هكلمك بعد شوية.
قفلت المكالمة، ورجعت تحط الموبايل في جيبها. وبعدين غسلت إيديها، وربطت المريلة كويس، وبدأت تجهّز طلب زبون جديد دخل المطعم.
اللي ما كانتش تعرفه ماريا إن ابنها، بمجرد ما قفل المكالمة، فتح خطًا تاني، واتكلم مع رجاله بكلمات قليلة جدًا، لكن الكلمات دي كانت كفاية عشان تتحرك مجموعة كاملة في خلال دقائق.

مين هو ابن ماريا الحقيقي؟
عشان نفهم ليه المكالمة دي كانت مهمة بالشكل ده، لازم نرجع سنين لورا.
ماريا ما كانتش طول عمرها صاحبة مطعم صغير على طريق سفر. كانت في شبابها ست بسيطة عاشت مع جوزها في بيت متواضع، وربّت ابنها الوحيد، أليكس، على قد ما قدرت.
جوزها كان راجل مكافح، اشتغل طول عمره عشان يوفر لهم حياة كريمة، لكنه توفي بعد مرض طويل، وساب ماريا مسؤولة عن ابنها وهي لسه في سن محتاجة فيه حد يسندها هي نفسها.
ما استسلمتش. اشتغلت في مطبخ صغير، وكانت بتطبخ للناس من الصبح لحد آخر الليل. وأحيانًا كانت ترجع البيت متأخرة، وإيديها موجوعة من الشغل، لكنها كانت أول ما تشوف ابنها بتبتسم كأنها ما تعبتش يوم في حياتها.
كانت بتقول له دايمًا:
يا أليكس، الفلوس ممكن تخلي الناس تسمع كلامك، لكن الأخلاق هي اللي تخليهم يحترموك.
وكانت بتضيف:
ما تحكمش على حد من هدومه، ولا من شكله، ولا من المكان اللي عايش فيه. يمكن الإنسان اللي إنت شايفه ضعيف يكون أقوى منك في حاجات كتير.
كبر أليكس، واشتغل في مجال الأمن والحماية. بدأ حياته المهنية من الصفر، واشتغل في وظائف صغيرة، وتعلم إدارة فرق الحراسة وتأمين المنشآت والتعامل مع الأزمات. ما كانش طريقه سهل، واجه خسائر ومشاكل، واضطر يبدأ من جديد أكتر من مرة.
لكنه كان عنده ميزة مهمة؛ كان بيعرف يختار الناس اللي يشتغلوا معاه، وكان مؤمن إن الانضباط والاحترام أهم من القوة الجسدية وحدها.
ومع مرور السنين، أسس شركة أمن وحماية خاصة، وكبرت الشركة لحد ما بقت من أكبر الشركات في المنطقة. بقى عنده مئات الموظفين، ومكاتب في أكتر من مدينة، وعقود لتأمين شركات ومخازن ومواقع تجارية كبيرة.
بقى أليكس رجل أعمال ناجح، واسمه معروف في مجاله.
ومع كل النجاح ده، ما نسيش أبدًا مين اللي وقفت جنبه في أصعب أيام حياته: ماريا.
الست اللي كانت تشتغل ساعات طويلة عشان تشتري له كتبه، واللي كانت تحرمه من حاجات كتير عشان ما يحسش إنه أقل من زملائه، واللي علمته إن القوة الحقيقية مش في إنك تقدر تأذي الناس، لكن في إنك تقدر تحميهم من غير ما تتحول لشخص ظالم.
بعد ما حاله اتحسن، حاول يقنعها تقفل المطعم الصغير. قال لها أكتر من مرة:

يا أمي، أنا أقدر أجيب لك بيت مريح، وأعيّن لك ناس تساعدك، وتعيشي بقية عمرك من غير تعب.
لكن ماريا كانت ترفض في كل مرة:

وأعمل إيه في البيت الكبير يا أليكس؟ أقعد أبص للسقف طول النهار؟

ترتاحي، وتخرجي، وتسافري، وتعملي اللي نفسك فيه.

أنا بعمل اللي نفسي فيه فعلًا. أنا بحب المكان ده.

بس الشغل متعب، وإنتِ كبرتي.

أنا كبرت في السن، مش في الرغبة إني أعيش.
كان أليكس بيبتسم كل مرة يسمع منها الكلام ده، لكنه كان يفضل قلقان عليها. عرض عليها يعيّن لها عاملين يساعدوها، لكنها رفضت وقالت له:
أنا مش عايزة المطعم يبقى مشروع كبير. أنا عايزاه يفضل مكاني الصغير اللي أعرف فيه كل زبون، وأطبخ فيه بإيدي، وأحس إني لسه بقدم حاجة للناس.
وفي النهاية، وافق على رغبتها.
لكن كان فيه اتفاق بينهم لو حصل لها أي موقف يخوفها أو أي شخص حاول يعتدي عليها، تكلمه فورًا. وكان أليكس بياخد الوعد ده بجدية شديدة.
عشان كده، لما عرف إن أربعة رجالة استغلوا سنها وهدوءها عشان ياكلوا من غير ما يدفعوا، ما كانش غضبه بسبب قيمة الفاتورة.
اللي ضايقه إنهم افتكروا إن احترام أمه دليل ضعف، وإنها لأنها ست عجوز يبقى من حق أي حد يهينها من غير حساب.
ومع ذلك، ما كانش ناوي يضربهم، ولا ينتقم منهم انتقامًا أعمى. كان عايز يوصل لهم رسالة واضحة؛ الغلط ليه عواقب، ومش كل شخص هادي تقدر تستغلّه وتفتكر إنك نجوت.

في محطة البنزين.. الضحك لسه مستمر!
في الوقت اللي كانت ماريا بترجع فيه الأطباق للمطبخ، كان الأربعة وصلوا لمحطة بنزين صغيرة تبعد عن المطعم بكام كيلومتر.
وقفوا موتوسيكلاتهم جنب بعض، ونزلوا يشتروا مشروبات باردة بعد ما الحر والتعب بدأوا يأثروا عليهم.
جاك فتح زجاجة مياه، وشرب منها جرعة كبيرة، وبعدين بصّ لأصحابه وهو بيضحك:
يا جماعة، أنا مش قادر أنسى وش الست!
ريك انفجر في الضحك:
لما نادت علينا وهي بتقول الحساب! كانت فاكرة إننا هنقف ونرجع لها!
توم هزّ راسه وقال:
الست دي شكلها عمرها ما قابلت ناس زينا.
داني كان واقف بعيد شوية، بيبص على الطريق اللي جم منه، وقال بصوت منخفض:
أنا مش مرتاح للموضوع ده.
جاك لفّ ناحيته:
إيه تاني يا داني؟

مش عارف. يعني إحنا أكلنا ومشينا من غير ما ندفع. ما كانش فيه داعي لكل ده.
ريك رفع حاجبه باستهزاء:
إنت لسه بتفكر في الموضوع؟ خلاص يا عم، اعتبرنا دفعنا تمن الأكل في خبرتنا بالحياة!
توم ضحك وقال:
وبعدين هي هتعمل إيه؟ تبعت لنا الفاتورة على البيت؟
الأربعة ضحكوا من جديد.
داني حاول يشاركهم الضحك، لكنه ما قدرش. كان عارف إن اللي عملوه غلط، وإن ماريا ما أذتهمش في أي حاجة. كل اللي عملته إنها طبخت لهم، وقدمت لهم الأكل باحترام.
ومع ذلك، وافق يمشي معاهم. كان ممكن يعترض من البداية، لكنه اختار إنه يسكت عشان ما يبقاش هدف لسخريتهم.
وبينما الأربعة بيتكلموا، دخلت محطّة البنزين عربيتان سوداوان كبيرتان.
العربيتان كانتا من النوع الفخم، وزجاجهما معتم، ومشيتا ببطء لحد ما وقفتا على مسافة قريبة من الموتوسيكلات.
جاك ما اهتمش في البداية، وقال وهو بيشرب آخر نقطة في الزجاجة:
شكل فيه ناس تقيلة جاية تموّن عربياتها.
لكن لما باب أول عربية اتفتح، وخرج منه رجل يرتدي قميصًا أسود وسروالًا رسميًا، بدأ إحساس غريب يتسلل إليه.
الرجل ما كانش بيتحرك بعشوائية. كان هادي، واثق من نفسه، وبيبص للمكان كأنه عارف بالضبط مين اللي بيدور عليه.
بعده نزل رجلان من العربية التانية، ثم نزل آخرون.
كلهم كانوا لابسين ملابس داكنة متشابهة، وسماعات صغيرة في آذانهم. مفيش حد فيهم كان بيصرخ، ولا بيجري، ولا بيحاول يلفت الانتباه.
لكن طريقتهم في الحركة خلت الضحك يختفي تدريجيًا من وشوش الأربعة.
ريك بصّ لجاك وهمس:
إنت تعرف الناس دي؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى