منوعات

كل ست كانت تدخل لأبويا تختفي

أبويا خسر أمي…
من اتناشر سنة.
كنت وقتها كبيرة بما يكفي إني أفهم يعني إيه …
لكن صغيرة جدًا إني أفهم هو بيعمل إيه في الشخص اللي بيفضل عايش بعده.
بعد الچنازة…
أبويا ما بقاش هو.
قبل ما أمي تمشي…
كان هو الروح اللي مالية البيت.
أول ما يصحى الصبح…
كان يدندن وهو بيعمل القهوة.

وعلى السفرة…
كان يحكي نكت بايخة لدرجة إنه كان يضحك عليها قبل ما يخلصها.
ودايمًا…
كان فيه موسيقى شغالة في ركن من أركان البيت.
لكن بعد رحيلها…
الصمت بقى هو الصوت الوحيد.
البيت اللي كان مليان حياة…
بقى كأنه فقد نبضه.
ولسنين طويلة…
رفض حتى فكرة إنه يعرف ست تانية.
كل العيلة كانت تحاول تقنعه.
يقولوله
الحياة لسه قدامك.
مينفعش تعيش لوحدك.

إدي نفسك فرصة تبدأ من جديد.
لكنه كان يهز رأسه بهدوء…
ويرفض من غير ما يدخل في نقاش.
أصحابه ما استسلموش بسهولة.
كل شوية حد يعزمه على عشا…
وأول ما يوصل، يكتشف إن في صدفة ست محترمة قاعدة على الكرسي اللي جنبه.
كانوا فاكرين إنهم كده بيساعدوه يبدأ من جديد.
لكنه كان يعتذر بأدب…
ويرفض كل مرة.
ولا مرة ادّى لنفسه فرصة يتعرف على أي واحدة فيهم.

مقالات ذات صلة

وفي يوم…
وأنا بقالي فترة شايفة الوحدة بتاكله حتة حتة…
جمعت شجاعتي وقلتله
بابا… ماما أكيد ما كانتش هترضى إنك تعيش باقي عمرك لوحدك.
سكت.
وبصلي نظرة…
عمري ما نسيتها.
كان فيها حب…
وتعب…
وحزن عمره ما خرج بصوت.
وقال بهدوء
أنا مش لوحدي يا ليلى…
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.
أنا عندي إنتِ.
الكلمة دي…
وجعتني أكتر ما فرحتني.
لأنه ما كانش بيتكلم عن حياة كاملة…
كان بيتعلق بيا علشان يهرب من الفراغ اللي سابته أمي.
وقتها فهمت…
إنه ما كانش عايش…
كان بس… بيكمل أيامه.
لكن فجأة…

ومن غير أي مقدمات…
كل حاجة اتغيرت.
في يوم وليلة…
قرر يعمل حساب على تطبيقات التعارف.
اكتشفت ده بالصدفة…
في ضهر يوم سبت، لما عدّيت عليه في البيت.
دخلت المطبخ…
فلقيته قاعد على الترابيزة، ماسك موبايله بإيديه الاتنين.
نظارته نازلة على طرف مناخيره…
وكان مبتسم للشاشة.
وقفت مكاني.
لأن الابتسامة دي…

ما شفتهاش على وشه من سنين.
ابتسمت وأنا بقرب منه وقلت
بتبص على إيه كده؟
أول ما سمع صوتي…
قفل الموبايل بسرعة.
كأنه اتلبس متلبسًا.
ولا حاجة.
بصيتله وأنا رافعة حاجب باستغراب.
ولا حاجة؟
فضل يبصلي…
وبعد أقل من عشر ثواني…

استسلم.
تنهد وهو بيحك مؤخرة رقبته بإحراج، وقال
عملت حساب.
ضيقت عيني وأنا بحاول أفهم.
حساب… على تطبيق تعارف؟
هز راسه بالإيجاب.
وفجأة…
بقى شكله متوتر، كأنه مراهق اتقفش وهو مخبي سر.
واضح إنه كان مستني إني أستغرب…
أو أرفض…
أو حتى ألومه.
لكنه ما لحقش يقول أي حاجة.
رميت نفسي في حضنه.
في الأول…
فضل واقف متخشب، كأنه مش مستوعب رد فعلي.
وبعدين…
لف دراعاته حواليا…
وحضني بكل قوته.
ابتسمت وأنا لسه حضناه، وقلت
أنا متأكدة إن ماما كانت هتكون مبسوطة.
غمض عينيه للحظة…

وهمس بصوت واطي
يارب…
بعدها بفترة قصيرة…
بدأ يخرج فعلًا مع ستات اتعرف عليهم من التطبيق.
وقبل كل ميعاد…
كان يقعد يحكيلي عنها بحماس، كأنه شاب خارج لأول قصة حب.
مرة قاللي
دي شغالة أمينة مكتبة.
هادية جدًا… وبتحب القراءة.

ومرة تانية…
دي عندها مخبز صغير في الحي.
بتعمل أحلى فطير وكل كلامها ضحك.
وبعدين اتعرف على واحدة تالتة…
كانت بتقضي كل إجازة نهاية أسبوع في ملجأ للحيوانات، ترعى الكلاب والقطط المصاپة.
وكل مرة…
كنت أشوف نفس اللمعة رجعت لعينيه.
لمعة افتقدتها فيه سنين.
كان يلبس أحسن هدومه…
ويقف قدام المراية يسألني

إيه رأيك؟ القميص ده أحسن… ولا الأزرق؟
وأنا كنت أفرح…
لأنه أخيرًا…
بدأ يعيش من جديد.
لكن الغريب…
إن ولا واحدة فيهم كملت.
كل واحدة كانت تدخل حياته…
وبعد أيام أو أسابيع قليلة…
تختفي تمامًا.
في البداية…
قلت لنفسي عادي.
مش أي اتنين ينفعوا لبعض.
والمواعدة بعد سنين طويلة…

أكيد مش سهلة.
وده كان اللي بفضل أقنع نفسي بيه…
كل مرة واحدة منهم تبطل ترد عليه.
لكن بعد فترة…
بدأت ألاحظ حاجة…
استحالة تكون مجرد صدفة.
كل علاقة…
كانت بتنتهي بنفس الطريقة بالظبط.
من غير استثناء.
الموعد الأول…
كان ينجح نجاح كبير.
وبعد ما يرجع…
يتصل بيا على طول.
يفضل يحكيلي عن
المطعم اللي راحوا له…
وإزاي اتكلموا بالساعات…
والمواقف الصغيرة اللي خلتها تضحك.

كان يحكي التفاصيل كلها…
مش بفخر.
لكن براحة.
راحة واحد…
بدأ يصدق إن الحياة ممكن تبتسم له تاني.
وفي آخر كل مكالمة…
كان يقول بنفس النبرة
اتفقنا نتقابل الأسبوع الجاي.
وأفرح معاه.
وأقول في سري
يمكن دي المرة اللي هتكمل.
لكن…
تاني يوم الصبح…
كانت تختفي.
ولا مكالمة.
ولا رسالة.

ولا حتى كلمة اعتذار.
ولا تفسير.
ولا أي حاجة.
أول مرة…
قال يمكن عندها ظروف.
تاني مرة…
قال يمكن فهم اهتمامها غلط.
أما تالت مرة…
بدأ يلوم نفسه.
في يوم كان قاعد قدامي…
وبيحرك فنجان القهوة من غير ما يشرب منه.
وقال بصوت مكسور

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى