قصص و روايات

بعد ابويا

إحنا تلاتة إخوات، أنا و”معتز” توأم، وكنا في رابعة طب، و”مراد” أخونا الصغير كان في هندسة. عمي اتجوز أمي بعد موت أبويا بخمس سنين، قالت لنا إنها حبيته، وإنه طول الخمس سنين دول ما سابناش، وعشان كلام الناس اللي هتقول عم الولاد طالع وداخل علينا، وحاجات زي كده. وقتها كنت أنا و”معتز” لسه داخلين أولى طب.

 

أبونا الله يرحمه كان سايب لنا ميراث محترم، تعب وشقى وتعبه كان باين، كأنه كان حاسس إنه مش هيطول معانا ومش هيلحق يفرح بينا.

مقالات ذات صلة

كنت بسمعه باهتمام قوي، ودماغي بتسبقه في توقع الأحداث، عشان يكمل كلامه:

وافقت أنا و”معتز” على جواز أمي، إنما “مراد” فضل رافض ولحد آخر يوم رافض. ما كانش بيحبه، وطول الأربع سنين اللي عاشهم معاه كان بيتجاهله، وما كانش بيحب يشوفه مع أمي، وكان أصلًا بيكره وجوده قدامه.

لدرجة إنه عمل أوضة في الدور اللي فوقينا وعاش فيها لوحده، ورفض إني أقعد أنا أو “معتز” معاه.

دموعه اللي نازلة، والقهر والوجع اللي في صوته خلوني أركز في كل حرف بيقوله، وقلبي كان حاسس بكل كلمة، خصوصًا وهو بيقول:

بعد عننا، وبقى بينه وبين أمي مسافة كبيرة، حتى الأكل اللي كانت بتعمله ليه بقى يرفضه، وبقى يعتمد على الأكل من بره من مطعم كان فاتح جنب البيت.

عدت سنة والتانية والتالتة، وفجأة “مراد” جسمه ابتدى يضعف، وكان دايمًا مرهق. حاولت معاه كتير يروح لطبيب، لكنه كان بيرفض، لحد ما في يوم تعب جدًا وبقى ملازم السرير، وفي يوم طلعت أشوفه وما لقيتوش استجاب لأي حد.

غمضت عيني بصدمة، ودموعي نازلة، وسحبت الكرسي وقعدت قبل ما رجليا تخونّي، وأنا سامع بقية الكلام…

#حكايات_مشيره_محمد

​الجزء الثاني والاخير: الحقيقة المُرّة

​غرق المكان في صمت رهيب، ما كانش مسموع فيه غير صوت نََفَس “معتز” العالي والمخنوق بالدموع. كمل كلامه وصوته بيرتجف كأنه بيفتكر كل لحظة عاشها في الكابوس ده:

​— “كسرنا باب الأوضة يا صاحبي.. لقيت مراد مرمي على الأرض، وشه أصفر زي الليمونة، وجسمه عبارة عن هيكل عظمي. جَرينا بيه على المستشفى اللي بنتدرب فيها. كنا بنصرخ في الطوارئ زي المجانين، زمايلنا والدكاترة اتلموا حوالينا، ودخلوه الرعاية المركزة فورًا. أجهزة القلب كانت بتلقط نبضات ضعيفة جدًا، ومكانش حد فاهم جسم شاب في العشرينيات ينهار بالشكل ده ليه!”

​مسح معتز دموعه بكف إيده، وكمل وهو بيفرك إيديه في بعض بقلة حيلة:

​— “الدكاترة طلبوا تحاليل سموم كاملة وإشاعات على كل جسمه. وأنا ومعتز كنا وافقين بره الأوضة ركبنا بتخبط في بعضها. أمي كانت واقفة جنب عمي، بتعيط وبتدعي، وعمي كان عمال يطبطب عليها ويقولها: ‘اهدي يا كثرين، إن شاء الله هيكون بخير، ده تلاقيه أهمل في نفسه وفي أكله عشان كان قاعد لوحده فوق!’.. الكلمة دي وقعت في ودني زي الصاعقة، بس ما ركزتش، كان كل همي مراد يفوق.”

​مفاجأة تقرير السموم

​سكت “معتز” شوية، وبلع ريقه بصعوبة قبل ما يكمل السرد:

​— “بعد ساعتين، خرج الدكتور “عادل” أستاذ الباطنة، ووشه ما يطمنش خالص. نادانا أنا وعمي على جنَب، وقالنا بنبرة حادة وصادمة:

– ‘انتوا متأكدين إن أخوكوا ما كانش بياخد أي أدوية غريبة؟ أو في حد بينه وبينه خصومة؟’

رديت بذهول: ‘لا يا دكتور، مراد طول عمره في حاله، من بيته لكليته.. في إيه يا دكتور قلقنا؟’

​الدكتور طلع نتائج التحاليل وحطها في إيدينا وقال:

– ‘تقرير السموم مطلع نسبة عالية جدًا من مادة الزرنيخ في دمه، وده مش مسموم دفعة واحدة.. ده بيتاخد على فترات طويلة وبجرعات صغيرة جدًا، هو ده اللي سبب له الفشل الكلوي الحاد والضمور اللي في جسمه!’

​أول ما الدكتور قال كدة، لقيت عمي اتوتر بشكل مش طبيعي، عرق غريزي نزل على وشه، وقال بسرعة وبصوت متلجلج:

– ‘زرنيخ؟! أكيد المطعم القذر اللي كان بياكل منه هو السبب! الأكل بره ملوث وما فيش عليه رقابة!’

​بس أنا ودماغي بتوع طب، عارفين كويس إن الزرنيخ مش مادة بتتحط في الأكل بالصدفة من مطعم! دي مادة مفيهاش طعم ولا ريحة، وتدبيرها بيبقى بمقدار ونظام عشان تموت الضحية بالبطيء من غير ما حد يشك.. في اللحظة دي، افتكرت رفض مراد الأكل من البيت، وافتكرت نظرات الرعب اللي كانت في عينه كل ما يشوف عمي.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى