روايات وقصص

وجع من نوع خاص حكايات اسما السيد 3

فضلت ماسكة الصورة وإيدي بتترعش. أنا حضرت جنازة جوزي. شفت النعش. استقبلت العزا. قعدت شهور أصحى من النوم وأنادي اسمه، وبعدها أفتكر إنه مات. إزاي يبقى واقف قدام عِشّ الفراخ من 11 شهر؟ المحامي مد إيده للصورة وقال: — محتاجين نتأكد الأول إن التاريخ حقيقي، وإن الصورة مش متلاعب فيها.

 

قلت:

— والراجل؟

— حضرتك متأكدة إنه زوجك؟

بصيت للصورة تاني.

السنين غيرته.

خس.

شعره بقى أبيض.

لكن فيه حاجات الزوجة ما بتغلطش فيها.

طريقة وقفته.

ميل كتفه الشمال.

الأثر الصغير جنب حاجبه.

قلت:

— ده محمود… جوزي.

أم سمر سألت:

— طب إزاي دفنتوه؟

السؤال نزل عليا زي حجر.

قعدت.

وبدأت أرجع بذاكرتي لسبع سنين فاتوا.

محمود وقتها كان مسافر محافظة تانية علشان يخلص شغل متعلق بالأرض.

بعد يومين…

نوال اتصلت بيا.

كانت بتصرخ.

قالت إن محمود عمل حادثة.

وإن حالته صعبة.

كنت وقتها بره مصر.

حاولت أرجع فورًا.

لكن قبل ما أوصل…

قالولي إنه مات.

قلت فجأة:

— أنا ما شفتش وشه.

المحامي رفع عينه.

— إيه؟

— وقت الدفن… قالوا إن حالته بعد الحادث ما تسمحش إننا نفتح الكفن.

سكت المكان.

قلت:

— نوال هي اللي استلمت الإجراءات.

المحامي سأل:

— وابنك؟

— أحمد كان موجود.

— مين أكد لك هوية المتوفى؟

حاولت أفتكر.

وكل ما أفتكر، أحس إني كنت عايشة جوه قصة اتكتبتلي مخصوص علشان أصدقها.

قلت:

— نوال… وأحمد.

المحامي جمع الأوراق.

— من فضلك، من هنا مفيش اتصال بيهم. ولا مواجهة. كل حاجة عن طريق الجهات المختصة.

قلت:

— بس لو محمود عايش…

بصلي وقال:

— يبقى السؤال مش بس “إزاي؟”… السؤال الأهم: كان فين سبع سنين؟

في اليوم التالي، سمر فضلت في المستشفى.

أمها ما سابتش إيدها.

وأنا قعدت مع المحامي ساعات نراجع كل ورقة قدرت أوصل لها.

جواز سفر قديم.

صور.

تواريخ سفر.

مستندات ميراث.

وبعد مراجعة أولية للسجلات المتاحة قانونيًا…

ظهرت أول كارثة.

جزء كبير من الأرض اللي كنت فاكرة إنه لسه باسم محمود…

اتباع.

قلت:

— مين باعه؟

المحامي حط قدامي صور مستندات.

— فيه سلسلة توكيلات وتصرفات محتاجة فحص رسمي، لكن اسم حضرتك ظاهر في أكتر من مستند.

قلت:

— مزور.

— غالبًا هنحتاج خبير خطوط وتحقيق رسمي علشان يثبت ده.

قلب ورقة تانية.

— واسم سمر ظاهر كشاهدة أو طرف في مستندات تانية.

سمر كانت مضت وهي محبوسة.

وأنا توقيعي اتستخدم وأنا خارج البلد.

ومحمود…

الميت…

كان يمكن يكون عايش طول الوقت.

قلت:

— ونوال؟

المحامي طلع ورقة أخيرة.

— الشركة اللي استقبلت جزء من الفلوس… المدير المسجل فيها وقت إحدى العمليات كان شخص اسمه سامح عبدالسلام.

الاسم ماكانش غريب.

لكني احتجت ثواني علشان أفتكر.

وبعدين شهقت.

— سامح؟

— تعرفيه؟

— ده كان محاسب محمود.

المحامي سأل:

— تثقي فيه؟

ضحكت بمرارة.

— بعد اللي شوفته؟ أنا مبقتش عارفة أثق في مين.

بعد الظهر، حصل شيء ماكنش في الحسبان.

أمن المستشفى كلمني.

قالوا إن فيه راجل كبير تحت بيسأل عن سمر.

رفض يقول اسمه.

قلبي دق بعنف.

قلت:

— شكله إيه؟

وصفه.

شعر أبيض.

جسم نحيف.

بيعرج بسيط برجله الشمال.

بصيت للصورة.

نفس الراجل.

قلت للمحامي:

— هو.

المحامي وقف فورًا.

— محدش ينزل له لوحده.

تم إبلاغ الأمن، واتطلب منه يستنى في مكان ظاهر لحد ما يتم التأكد من هويته.

وأنا…

ماقدرتش أستنى.

نزلت وأنا حاسة إن كل خطوة بتاخد مني سنة من عمري.

وصلت آخر الممر.

وشوفته.

كان قاعد على كرسي.

راسه لتحت.

إيده ماسكة عصاية.

وقفت بعيد عنه كام متر.

وقلت:

— محمود؟

رفع راسه.

العصاية وقعت من إيده.

فضل باصصلي.

وبعدين قال اسمي.

بنفس الطريقة اللي كان بيناديني بيها من ثلاثين سنة.

ماقدرتش أتحرك.

هو حاول يقوم.

رجله خانته.

الأمن قرب.

قلت:

— سيبوه.

قربت منه.

كنت عايزة أحضنه.

وفي نفس اللحظة كنت عايزة أضربه.

قلت:

— إنت مين؟

دموعه نزلت.

— أنا محمود.

— محمود مات.

— عارف.

صرخت:

— لأ، مش عارف! أنا دفنتك بإيدي!

الناس في الممر بدأت تبص.

المحامي قرب مني.

محمود قال:

— أنا ماكنتش أعرف إنهم قالولك إني مت.

قلت:

— سبع سنين يا محمود!

هز راسه.

— أول تلات سنين… أنا نفسي ماكنتش عارف أنا مين.

سكت.

حتى المحامي اتفاجئ.

قلت:

— يعني إيه؟

قال:

— الحادثة حصلت فعلًا… لكني ما متش.

— كنت فين؟

— لما فوقت، كنت في مكان رعاية بعيد. إصابة في الرأس… وذاكرتي كانت متلخبطة جدًا.

المحامي سأله:

— مين نقلك هناك؟

محمود بص للأرض.

— أختي.

نوال.

حسيت الدم بيغلي في عروقي.

قلت:

— ولما ذاكرتك رجعت؟

رفع عينه ليا.

— اكتشفت إن رسميًا… أنا ميت.

— ليه ما رجعتليش؟

سكت.

قلت:

— رد!

قال:

— علشان أول ما حاولت أرجع… هددوني بيكي.

— مين؟

— نوال… وأحمد.

حسيت قلبي بيتقطع لما سمعت اسم ابني.

محمود كمل:

— قالولي إن لو ظهرت، هيلبسوكي في قضايا تزوير واستيلاء على أموال… وكان معاهم ورق عليه توقيعات باسمك.

المحامي قال:

— مزورة؟

— أيوه.

قلت:

— وإنت صدقتهم؟

— ما صدقتش… لكنهم وروني مستندات، وصور، وعناوين الأماكن اللي كنتِ عايشة فيها بره. كانوا عارفين كل تحركاتك.

قعدت قدامه.

— وسمر؟

وش محمود اتغير.

— سمر هي السبب إني جيت النهارده.

من بعيد، كانت أم سمر واقفة عند باب المصعد.

سمعت الاسم وقربت.

قال محمود:

— من حوالي سنة رجعت البيت في السر.

— ليه؟

— كنت بدور على أصل مستند.

— مستند إيه؟

بص للمحامي.

— وصيتي.

قلت:

— وصيتك؟

— قبل الحادث بأسبوع، اكتشفت تلاعب في حسابات الأرض والشركة. كنت شاكك في سامح.

المحامي سأله:

— المحاسب؟

— أيوه. لكن بعدين عرفت إنه مش لوحده.

سألته:

— نوال؟

هز راسه.

ثم قال:

— وأحمد.

الكلمة وجعتني أكتر مما توقعت.

محمود كمل:

— عملت وصية جديدة، وجهزت ملف كامل بالأوراق اللي تثبت التلاعب.

— حطيته فين؟

— خبيته.

المحامي سأله:

— فين؟

محمود بصلي.

— في البيت.

افتكرت كلام سمر.

الخزنة تحت السلم.

قلت:

— الخزنة؟

قال:

— لأ.

وسكت لحظة.

— الخزنة طُعم.

اتصدمت.

— طُعم؟

— كنت عارف إنهم بيفتشوا ورايا. حطيت فيها نسخ ناقصة.

— والأصل؟

محمود قال:

— في مكان أحمد عمره ما فكر يدور فيه.

المحامي سأله:

— فين؟

محمود بص ناحية الدور اللي فيه سمر.

وقال:

— عِشّ الفراخ.

اتجمدت.

نفس المكان اللي حبس فيه ابني مراته.

قلت:

— فين بالضبط؟

— تحت الأرضية القديمة، ناحية الحائط الشرقي. فيه بلاطة مختلفة عن الباقي.

وبعدين وشه اتغير.

— بس لما رجعت من 11 شهر علشان آخد الملف… لقيت سمر هناك.

قلت:

— محبوسة؟

هز راسه.

— كانت مربوطة.

أم سمر حطت إيدها على بقها.

محمود قال:

— حاولت أفكها. لكن أحمد وصل.

— عمل إيه؟

— شافني.

هنا فهمت الصورة.

الصورة اللي ظهر فيها محمود مع أحمد ونوال.

قلت:

— الصورة اتصورت يومها؟

— أيوه.

— مين صورها؟

— سامح.

المحامي قال:

— ليه؟

محمود رد:

— علشان يثبتوا إني حي.

استغربت.

— ما ده ضدهم!

هز راسه.

— لأ… كان تأمين بينهم وبين بعض.

— مش فاهمة.

قال:

— كل واحد فيهم كان ماسك على التاني دليل.

سامح عنده صورة تثبت إن نوال وأحمد أخفوا حقيقة إني حي.

نوال عندها أوراق تثبت إن سامح زور حسابات.

وأحمد…

سكت محمود.

قلت:

— أحمد عنده إيه؟

بصلي.

— أحمد عنده أصل التسجيل.

قلت:

— تسجيل إيه؟

محمود بلع ريقه.

— تسجيل ليلة الحادث.

الممر كله سكت.

قلت:

— حادثتك؟

— أيوه.

— مش كانت حادثة عربية؟

محمود هز راسه ببطء.

— العربية اتكسرت بعدين.

قلت:

— يعني إيه؟

قرب مني وقال:

— أنا ما عملتش حادثة.

— أمال حصل لك إيه؟

قال:

— حد ضربني على راسي في المخزن… وبعدها حطوني في العربية وعملوا شكل حادث.

حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.

سألته:

— مين ضربك؟

محمود بص بعيد.

— طول السنين دي كنت فاكر إنها نوال.

— وطلعت مين؟

قبل ما يرد…

جرس إنذار اشتغل في المستشفى.

أحد أفراد الأمن جري ناحيتنا.

قال للمحامي:

— حضرتك لازم تطلع فوق حالًا.

— ليه؟

— المريضة اللي اسمها سمر.

أم سمر صرخت:

— مالها بنتي؟!

الرجل قال:

— في واحدة حاولت تدخل لها وقالت إنها قريبتها… ولما الأمن طلب بطاقتها، جريت.

جرينا ناحية المصعد.

لما وصلنا الأوضة…

لقينا سمر سليمة، لكن مرعوبة.

وعلى سريرها ظرف أبيض.

المحامي لبس قفاز قبل ما يلمسه.

فتح الظرف.

جواه مفتاح صغير.

وصورة.

الصورة كانت ليا أنا.

متصورة النهارده.

وأنا داخلة المستشفى.

وعلى ظهرها مكتوب:

“لو فتحتوا عِشّ الفراخ… محمود هيموت المرة دي بجد.”

بصيت لمحمود.

لكن سمر قالت من السرير:

— المفتاح.

لفينا ناحيتها.

كانت باصة للمفتاح كأنها شافته قبل كده.

قلت:

— تعرفيه؟

هزت راسها.

— أيوه.

— بتاع إيه؟

قالت:

— ده كان مع جوزي طول الوقت… وكان بيخبيه في سلسلة تحت هدومه.

المحامي قرب.

— بيفتح إيه؟

سمر قالت:

— معرفش… بس مرة سمعته بيتخانق مع عمته نوال، وقال لها: “طول ما المفتاح معايا، محدش فيكم يقدر يلمس التسجيل.”

بصيت لمحمود.

وقلت:

— يبقى أحمد ماعندوش التسجيل.

محمود هز راسه.

— عنده المفتاح بس.

المحامي قال:

— والسؤال دلوقتي: التسجيل فين؟

فجأة محمود بص للمفتاح.

قرب منه.

وشه اتغير.

وقال:

— أنا عارف المفتاح ده.

قلت:

— بتاع إيه؟

رفع عينه ليا.

— ده مفتاح صندوق الأمانات اللي كنت مأجره قبل الحادث.

المحامي سأله:

— في بنك؟

قال:

— لأ.

ثم ذكر اسم شركة خاصة لحفظ المستندات.

وسكت لحظة.

— بس فيه مشكلة.

— إيه؟

قال:

— الصندوق ماكانش باسمي لوحدي.

قلت:

— باسم مين؟

محمود بصلي.

— باسمك إنتِ كمان.

أنا ما افتكرتش أي صندوق.

ولا أي مفتاح.

ولا حتى إني دخلت المكان ده قبل كده.

لكن محمود قال الجملة اللي رجعتني لليلة كنت دفنتها في ذاكرتي من سنين:

— إنتِ اللي حطيتي التسجيل جوه الصندوق.

قلت:

— أنا؟!

هز راسه.

— قبل سفرك بيوم.

قرب مني.

— وإنتِ ساعتها كنتِ عارفة كل حاجة.

رجعت خطوة لورا.

— مستحيل.

قال:

— مش مستحيل.

وبعدين طلع من جيبه ورقة قديمة مطوية.

فتحها.

كان عليها خطي.

عرفته فورًا.

ثلاث كلمات بس:

“لو محمود حصله حاجة… افتحوا الصندوق.”

وتحتها…

توقيعي.

وقتها أدركت إن فيه جزء من الحكاية أنا نفسي كنت مخبياه عن نفسي.

وإن السر الحقيقي…

ماكنش عند ابني.

ولا عند نوال.

ولا حتى عند محمود.

السر كان عندي أنا.

يتبع…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى