المغارة

لكنها لم تكن تعلم أنها نامت فوق سرٍّ والجوع والسلطة. وحين استيقظت، لم تجد النجاة بل حقيقةً كفيلة بتغيير مصير قريتها إلى الأبد. لم يكن الليل يهبط على الجبال بل كان يلتهمها. شعرت كريمة بنت سالم بذلك منذ اللحظة الأولى التي اختفى فيها آخر خيطٍ من ضوء الشمس خلف تلال جبال الصحراء الكبرى، وبدأ البرد يتسلّل بين الصخور كأنّ له أصابع حيّة.
لم تكن المغارة سوى جرحٍ مفتوح في جسد الجبل فمٍ أسود بين صخرتين التوتهما السنين. لم تكن بيتًا. لم تكن ملاذًا يليق بالبشر. لم تكن شيئًا يمكن لأمٍّ أن تتخيّله يومًا لأطفالها ومع ذلك، كانت في تلك الليلة كلّ ما تبقّى لهم من العالم.
في الداخل، فوق بطّانيةٍ مهترئةٍ أكلها الزمن، تتقلب أكثر مما تدفئ، كان أطفالها الثلاثة نائمين أو يحاولون .
طارق، ذو الأعوام التسعة، كان جسده متصلّبًا حتى في ، كأنّ عليه أن يبقى متأهّبًا، حتى وهو يحلم.
لُجين، ذات الستة أعوام، كانت تهمس بكلماتٍ غير مفهومة، ربّما أغنية وربّما دعاء.
أمّا سامي الصغير، ابن الأعوام الثلاثة، فكان ملتصقًا بجانب أمّه، يتنفّس بأنفاسٍ قصيرة، مع كل شهيق.
كانت كريمة مستيقظة.
أسندت ظهرها إلى جدار المغارة الرطب، وشدّت يديها إلى صدرها لا طلبًا للدفء، بل لتمنع قلبها من أن يتفتّت. لم تكن تصلّي. منذ زمنٍ طويلٍ جفّت الصلوات داخلها. ليس لأنها فقدت إيمانها بل لأن الإيمان نفسه يرهق، حين تبكي امرأةٌ كثيرًا ولا يأتيها أيّ جواب.
في الخارج، كان الريح يصفّر بين الأشجار اليابسة ونباتات الصبّار، كأنّ الجبل يهمس بسرٍّ قديم. كلّما تكسّر غصنٌ أو تدحرج حجرٌ نحو السفح، كانت كريمة ترفع رأسها، والخوف ينهش عنقها.
كانت تخاف الأفاعي.
وتخاف العقارب.
وتخاف الرجال.
وتخاف الظلام.
لكنّها، فوق كلّ ذلك كانت تخاف من شيءٍ واحد
أن يفتح أطفالها أعينهم ويسألوها
سؤالًا بسيطًا لكنه كفيلٌ بتحطيمها
أمّاه هل سنأكل غدًا؟
لأنها، هذه المرّة، لم تكن تملك حتى كذبةً تطمئنهم بها.
لم تكن تعرف ماذا تقول.
قبل أربعة أشهر فقط، كان لديهم كوخٌ بسيط من الطين، وطاولةٌ مائلة، وموقدٌ بدائي، وتعبٌ عاديّ يشبه تعب الفقر. لم يكونوا سعداء كما في الصور المزيّفة لكنهم كانوا عائلة.
كان سالم، زوجها، يعمل من شروق الشمس حتى غروبها في أرض عزّات البدري، أقوى رجل في قرية عين الجبل. الرجل الذي يملك الماء والأرض والقمح والديون والمواسم والخدمات وحتى الصمت.
كان سالم يعود كل ليلة منهكًا، كتفاه منحنيتان ويداه لكنه كان يعود. وأحيانًا، حين كانت لُجين تغنّي بينما تقدّم كريمة طبق العدس الخفيف، كان الفقر يبدو أقلّ .
إلى أن عليه عارضٌ خشبيّ غير مُثبّت داخل مخزن الحبوب في أرض الحاج.
أعادوه محمولًا على الأكتاف عيناه مفتوحتان لكن بلا حياة.
أرسل عزّات عشرة جنيهات .
عشرة جنيهات مقابل سنواتٍ من العمل.
عشرة جنيهات مقابل حياةٍ انتهت.
عشرة جنيهات كأنّ الإنسان يُقاس كدجاجةٍ هزيلة أو كيس قمحٍ .
دفعت كريمة ثمن التابوت الخشبي، وصلاةً سريعة، وقليلًا من الطعام حتى لا يمرّ الأطفال بالحزن وبطونهم خاوية تمامًا.
ثم جاء الانهيار الحقيقي.
من دون سالم فقدت حقّها في البقاء في الكوخ. كان الحاج يحتاجه لعاملٍ آخر. خلال أسبوع واحد فقط أصبحت في الشارع.
طرقت الأبواب واحدًا تلو الآخر تعرض الغسيل الخياطة تنظيف الحظائر طحن القمح أيّ شيء.
النساء كنّ يغلقن الأبواب بشفقةٍ باردة.
أعطاها إمام المسجد صورةً صغيرة وكلماتٍ مستهلكة.
الدكّان لم يعد يُقرضها شيئًا.
باعت بطانية إناءين حجر الطحن والصليب الخشبي الذي أهداها إيّاه سالم يوم زواجهما.
ثم لم يتبقَّ شيء.
ولا حتى الكرامة.
في تلك الأمسية التي جلست فيها أمام دكّان القرية تستجدي، رأسها منخفض وأطفالها ملتصقون بها شعرت أن شيئًا بداخلها تمامًا.
امرأة وصفتها .
وأخرى قالت إن عليها أن تبحث عن رجل بدلًا من استدرار الشفقة.
رجل ضحك عليها بصوتٍ عالٍ.
وصاحب الدكّان طردها بالمكنسة كما لو كانت هي وأطفالها .
عندها نهضت كريمة.
لم تبكِ.
أمسكت بيد طارق، وحملت سامي، وقالت ل لُجين ألا تترك طرف ثوبها.
ثم سارت.
خرجت من القرية عبر الطريق الترابي الصاعد نحو الجبل تاركةً خلفها بيوت الطين والكلاب الهزيلة والعار.
صعدت حتى احترقت ساقاها وضاق صدرها وابتلعها الليل تمامًا.
وهكذا وجدت المغارة.
والآن، في العتمة، نظرت إلى ملامح أطفالها وشعرت بصفعة الحقيقة
العالم كلّه لفظهم.
لكنها لم تُهزم بعد.
نعم، أُهينت.
نعم، تكاد تنكسر.
نعم، مات شيءٌ بداخلها مرارًا
لكنها لم تُهزم.
تحرّك طارق في قليلًا ثم فتح عينيه لثوانٍ.
هل حل الصباح؟ همس.
لا يا بني نم قليلًا.
أنا جائع.
امتلأ فم كريمة بدمٍ خفيّ من شدّة ما عضّت على لسانها.
غدًا سأجد شيئًا قالت.
لم تكن تعرف إن كانت تكذب أم تعد بمعجزة. كل ما كانت تعرفه أن الأم لا تستطيع أن تقول لا أدري حين يرتجف طفلها من البرد تحت بطّانيةٍ ممزّقة داخل مغارةٍ غريبة.
أغلق طارق عينيه من جديد.
تقلبت لُجين وهي تهمس بأنها تريد العودة إلى البيت.
أما سامي فبدأ يبكي بصوتٍ خافت، بلا قوّة.
احتضنته كريمة وراحت تغنّي.
أغنية قديمة تتذكّرها من أمّها.
لحنٌ ريفيّ عتيق عن القمر والحقول والطرق البعيدة.
غنّت بصوتٍ مكسور بالكاد يخرج منه النفس حتى غفا الطفل من جديد.
ثم ساد الصمت.
جلست تحدّق في فم المغارة الأسود.
وهنا سمعته.
صوتٌ بعيد مكتوم كأنّ أحدًا تحت الجبل يحرّك الحجارة.
حبست كريمة أنفاسها.
تكرّر الصوت مرّة ثم مرّة أخرى ثم اختفى.
ربما كان الجبل يستقرّ.
ربما حيوانًا.
ربما وهمًا صنعه الخوف.
لكن في تلك الليلة بين الرطوبة والفقر والخذلان خطر لها لأول مرة أن الجبل قد يخفي ما هو أسوأ من الجوع.
لم تدرِ متى بدأ الضوء يتسرّب.
كان البرد لا يزال مغروسًا في العظام لكن الظلام بدأ يتراجع. خيطٌ ذهبيّ من النور تسلّل من بين الصخور ثم آخر حتى انبثق الفجر كرحمةٍ دافئة.
نهضت كريمة بحذر كي لا توقظ أطفالها.
كان جسدها كلّه يؤلمها.
خرجت من المغارة الهواء البارد في وجهها.
امتدّت أمامها الجبال واسعة صامتة تتدرّج بين الأخضر والرمادي حتى آخر مدى البصر. وفي الأسفل، بالكاد تُرى ظهرت بيوت قرية عين الجبل الصغيرة.
وهنا رأتها.
على بُعد أمتار قليلة من المغارة كانت هناك بناية قديمة شبه مخفيّة بين الأعشاب الجافة والحجارة.
لم تنتبه لها في الليل.
بدت كبيتٍ مهجور أو ربّما مصلّى متهدّم. سقفه منهار جزئيًا بابٌ مائل يتدلّى والطحالب تلتصق بالجدران كمرضٍ أخضر.
اقتربت كريمة بحذر.
دفعت الباب.
صرخ الخشب صريرًا كأنّه يحتجّ على أن يُلمس بعد عقود.
في الداخل رائحة رطوبة وخشبٍ متعفّن وعزلة.
عوارض ساقطة قرميد مكسور أعشاش جافة وغبار في كل مكان.
لكن في وسط الأرض تحت التراب والأغصان برز لوحٌ خشبي مستطيل.
جثت على ركبتيها.
أزاحت الحجارة بيديها اقتلعت جذورًا رفيعة نظّفت السطح حتى ظهرت فتحة قديمة بغطاءٍ خشبي وقفلٍ صدئ أكلته الأعوام.
شدّته بقوّة.
تكسّر المعدن وانفصل.
رفعت الغطاء
فصعد من الأسفل نفسٌ بارد.
درجات حجرية تنزل إلى قبوٍ مظلم.
ترددت لحظة
ثم نزلت.
مع كل خطوة كان الهواء يزداد برودة وثقلًا. ضوء الفجر بالكاد يتسلّل من الأعلى لكنه كان كافيًا ليكشف صناديق خشبية مكدّسة على الجدار أكياسًا مهترئة وجرارًا يغطيها الغبار.
وفي صندوقٍ مفتوح لمع شيء.
اقتربت كريمة ترتجف.
مدّت يدها
وأخرجت قطعة نقدية فضيّة.
ثقيلة.
باردة.
حقيقية.
قلّبتها بين أصابعها فرأت تاريخًا باهتًا
1898
رفعت عينيها ببطء
حولها كان هناك المزيد.
الكثير
عشرات
وربما مئات.
صعدت الدرجات وقلبها يدقّ في
صدرها، ثم اندفعت عائدة إلى المغارة، وكان الأطفال قد استيقظوا، وكان طارق أوّل من رآها.
هل وجدتِ طعامًا؟
فتحت كريمة كفّها، ولمعت القطعة الفضية تحت ضوء الصباح.
لم تُجب.
جثت أمامهم واحتضنتهم جميعًا بيأسٍ ممزوجٍ برجاءٍ خافت، كأنها، في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ شهور، لمست شيئًا يشبه الأمل.
لكنها لم تكن تعلم أن تلك الفضة لم تكن مصادفة، وأنها حين أخذتها أيقظت سرًّا مدفونًا منذ عقود سرًّا مصنوعًا من الدم، والطمع، وأرواحٍ لم تهدأ.
قضت بقية الصباح جالسة فوق بطّانيتها المهترئة، تحدّق مرارًا في القطع الخمس التي جلبتها، وقد لفّتها في طرف شالها، وكانت تفركها بطرف ثوبها حتى تلمع أكثر.
لم تكن تعرف لمن تعود، ولا إن كان الأخذ من المجهول سرقة، ولا إن كان ذلك القبو ملكًا لأحد أم أنه هدية سقطت من السماء لامرأة لم يعد لديها شيء.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط
أطفالها لم يذوقوا طعامًا حقيقيًا منذ ما يقارب يومين.
اقترب طارق، وأشار إلى القطع.
هل تكفي للفاصوليا؟
نظرت إليه وقالت
تكفي ولأكثر.
قالتها دون يقين.
اتّسعت عينا لُجين.
هل أصبحنا أغنياء؟
شعرت كريمة بوخزةٍ في صدرها، أرادت أن تضحك لكنها لم تستطع.
لا يا صغيرتي لكننا لن ننام الليلة وبطوننا خاوية.
أخفت أربع قطع، واحتفظت بواحدة، ثم جعلتهم ينهضون.
ساروا نحو القرية عبر الطريق الحجري، كان طارق يحمل سامي أحيانًا وتحمله كريمة أحيانًا أخرى، بينما كانت لُجين تلتقط الحصى اللامعة من الطريق، لا تزال ترى الجمال حيث لم يعد الكبار يرون سوى التعب.
وعندما دخلوا قرية عين الجبل، عادت النظرات نفسها شفقة، ، فضول.
لكن كريمة لم تتوقف.
توجّهت مباشرة إلى الدكّان.
رفع الحاج رُوقي رأسه بضيق.
ماذا تريدين الآن؟
لم تتكلم.
وضعت القطعة الفضية على الطاولة.
أخذها الرجل، قلّبها بين أصابعه، عضّها بأسنانه ثم تغيّر وجهه.
من أين لكِ هذه؟
أعطاني إياها
قريبٌ مرّ من هنا.
كذبت دون أن ترمش.
ظلّ ينظر إليها طويلًا، ثم، دون أن تختفي الشكوك تمامًا من ملامحه، أعطاها كيس قمح، ونصف كيس فاصوليا، وخبزًا باردًا، وشمعتين، وقطعة دهنٍ قديم.
لم يُعطها باقيًا.
فقط قال ببرود
هذا يكفي.
كانت كريمة تعرف أنه يسرقها، لكنها لم تجادل، جمعت ما أعطاها وخرجت، تشعر بوخزٍ خفيف يسري في ظهرها.
وقبل أن تنعطف عند الزاوية سمعت الهمسات الأولى الأرملة معها مال، الأرملة لم تعد تتسوّل، الأرملة تُخفي شيئًا.
في تلك الأمسية طهت الفاصوليا في علبةٍ معدنية قديمة وجدتها بين أنقاض البيت المهجور، بلا ملح ولا توابل ولا أي شيء، ومع ذلك أكل الأطفال كأنهم أمام مائدة عيد.
لحست لُجين أصابعها، وطلب سامي المزيد، أما طارق فأخفض عينيه نحو طبقه، وللمرة الأولى منذ أبيه رأته كريمة يُرخي جسده قليلًا.
أما هي، فأكلت في النهاية، قليلًا كأنها تفعل ذلك فقط لأنها مضطرة.
لكن الراحة لم تدم.
فمع غروب الشمس، وامتداد ظلّ الجبل، عادت الأسئلة تثقل صدرها من جديد من الذي خبّأ تلك النقود؟ ولماذا لم يطالب بها أحد؟ وماذا ستفعل إن جاء صاحبها يومًا؟
وفي صباح اليوم التالي، بينما كانت تغسل ثياب أطفالها في بركةٍ صغيرة من ماء المطر، سمعت صوت حوافر خيل.
وكان ذلك الصوت وحده كافيًا
ليجعل الدم ينسحب من أطرافها.
نظرت كريمة نحو الطريق الضيّق فرأت ثلاثة رجال يصعدون، اثنان منهم من عمّال أرض آل البدري، أمّا الثالث فكان يعقوب، رئيس العمّال عند عزّات، رجلًا طويلًا، نحيفًا، على خده ندبة قديمة، وعيناه تحملان تلك الابتسامة الباردة التي لا تحتاج إلى شفاه.
وقفت كريمة فورًا، وقالت لأطفالها دون أن تلتفت إليهم حتى، بصوتٍ خافتٍ حازم، أن يدخلوا إلى عمق المغارة وألا يُصدروا أي صوت.
ترجّل يعقوب ببطء، وأخذ يتأمّل المكان بنظرةٍ واثقةٍ سامة، كأن الأرض وما عليها ملكٌ له.
انظري فقط الأرملة وجدت لنفسها مأوى في الجبل.
لم تُجب كريمة.
هذه الأرض لها صاحب وكل ما فيها كذلك، المغارة، والكوخ، والحجارة حتى الغبار.
أنا فقط أحتمي مع أطفالي لا مكان لنا نذهب إليه.
اقترب خطوة أخرى.
عزّات رجل كريم لكنه لا يحب من يقتحم ما يخصه، إن أردتِ البقاء فعليكِ أن تدفعي.
لا أملك شيئًا.
دائمًا هناك ما يُدفع.
، وتراجعت خطوة إلى الخلف.
لا.
ضحك ضحكة قصيرة.
إذن لديكِ ثلاثة أيام إمّا أن ترحلي أو تدفعي عشرين جنيهًا.
عشرون جنيهًا مبلغ مستحيل.
هذا كثير.
لا تفاوضيني السيّد هو من يأمر.
ثم مال برأسه قليلًا نحو المغارة، وخفّض صوته
وإيّاكِ أن تعبثي فيما لا يعنيك في الجبل أشياء سيئة تحدث، الناس تختفي والأطفال يضيعون.
قبضت كريمة على يديها بقوة، أرادت أن تبصق في وجهه، أن ، أن لكنها لم تفعل، فقط نظرت إليه بكراهيةٍ صافية جعلته يتوقف عن الابتسام لحظة.
ثم امتطى حصانه، وغادر مع رجاله، تاركًا خلفه الغبار والتهديد.
خرج طارق من المغارة، شاحب الوجه.
هل سيطردوننا؟
نظرت كريمة نحو البيت المهجور.
خلف تلك الجدران وتحت الغطاء الخشبي كانت الصناديق المليئة بالنقود القديمة تنتظر، مالٌ يكفي ربما للطعام، وربما لشراء سقف وربما لشراء وقت، لكن معه أيضًا الخوف، والشك، وذلك الصوت الغامض في الليلة الأولى، والإحساس بأن الجبل لا يعطي شيئًا مجانًا.
لا أدري.
في تلك الليلة، وبعد أن نام الأطفال، عادت كريمة إلى البيت الطيني، تحمل شمعة مشتعلة، ونزلت إلى القبو، وبدأت تفحص الصناديق بعناية أكبر، فوجدت في أحدها فضة، وفي آخر أوعية مغلقة بداخلها شيء جاف، وفي صندوقٍ في الزاوية كتابًا بغطاء جلدي متآكل.
فتحته.
لم تكن تقرأ بطلاقة، لكنها كانت تفهم ما يكفي أسماء، تواريخ، أرقام، بعض الصفحات بدت حسابات، وأخرى قوائم، وفي النهاية وجدت جملة مكتوبة بحبر أسود غليظ، استطاعت أن تقرأها كاملة، وهي تتهجّا
من هذا الكنز يحمل
مرّت قشعريرة باردة في جسدها.
وفي تلك اللحظة
سمعت خدشًا.
ليس من الخارج ولا من الأعلى
بل من الجدار الخلفي.
رفعت الشمعة، فعاد الصوت حكّ بطيء، مُلحّ، كأن أظافر تنغرس في طينٍ رطب.
تراجعت.
ثم سمعت نفسًا.
بطيئًا ثقيلًا قريبًا جدًا.
تجمّد الدم في عروقها، وصعدت الدرج مسرعة، سقطت الشمعة من يدها، تعثرت، خرجت إلى الهواء الطلق، ولم تتوقف حتى وصلت إلى المغارة، تحت سماءٍ مكتظة بالنجوم.
انحنت، تلهث، وقلبها يكاد يقفز من صدرها.
حاولت أن تقنع نفسها أنه حيوان حاولت أن تصدّق ذلك فعلًا لكنها في أعماقها، كانت تعرف أن ذلك البيت يخفي أكثر من نقود.
مرّ اليومان التاليان كجحيمٍ صامت.
تظاهرت كريمة بالهدوء أمام أطفالها، تحكي لهم القصص، وتقسّم آخر ما تبقّى من الطعام بدقّة، وتغنّي لهم بينما في داخلها كان الخوف ينمو ساعة بعد ساعة، لأنها كانت تعلم أن يعقوب سيعود، وتعلم أنهم لن يستطيعوا الهرب بعيدًا، وتعلم أيضًا أنه إن كانت تلك النقود قد تنقذهم فعليها أن تعرف كم منها نعمة وكم منها .
في الليلة الثانية نزلت مجددًا.
هذه المرة، لم تحمل شمعة، بل شعلة صنعتها من خِرقٍ ودهنٍ قديم.
كان الضوء أقوى.
وفي عمق القبو، خلف صندوقين كبيرين لاحظت أن الجدار ليس من الحجر كباقي المكان، بل من طينٍ أحدث.
وكان فيه ثقب صغير.
خرج منه هواء بارد ورائحة غريبة، طينٍ مبتل ممزوج بشيءٍ حلوٍ .
أزاحت الصناديق، وأمسكت معولًا صدئًا، الجدار.
تفتّت بسهولة.
فتحت فجوة ونظرت.
كان خلفه نفق ضيّق ينحدر داخل الجبل.
شعرت برغبةٍ في الهرب
لكنها دخلت.
انحنت لتسير، والعوارض
الخشبية فوقها كانت متآكلة، والهواء ثقيل، وتحت ضوء الشعلة المرتعش ظهر شيء أبيض على الأرض.
انحنت والتقطته..
كل خطوة كانت تشعرها بأنها شيءٍ قديم، حتى النفق، وانحدر أكثر ثم فتح على غرفة صغيرة محفورة في الصخر.
وهناك
كان يجلس .
ظهره إلى الجدار، رأسه مائل،
وضعت كريمة يدها على فمها كي لا .
حولها
عشرات الصناديق.
فتحت واحدًا.
ذهب.
ليس عملات فقط بل حُليّ، وقطع مصوغة، وأوانٍ، وسبائك صغيرة، وسلاسل، وتمائم، وفي صندوق آخر فضة وفي آخر أحجار كريمة.
لم تكن بحاجة إلى
المشهد وحده كان كافيًا.
تراجعت كريمة خطوة ودوارٌ خفيف يدور برأسها.
وفي تلك اللحظة
سمعت أصواتًا.
من الأعلى.
خطوات.
أكثر من شخص ينزلون عبر النفق.
أطفأت الشعلة سريعًا، والتصقت بالجدار، تحبس أنفاسها.
ظهر ضوء مصباحين كيروسين عند المنعطف.
دخل عزّات البدري ويعقوب.
تعرّفت عليه حتى في الظلال، كان شيخًا منحنياً، لكنه لا يزال يفرض حضوره، وقف أمام الجثة، ونظر إليها برضاٍ مقزز.
انظر إلى نفسك كل هذه السنوات، وما زلت تحرس ما لم تستطع أخذه معك.
ضحك يعقوب بخفّة.
الأرملة اقتربت كثيرًا يا سيّدي دخلت البيت القديم الأفضل أن ننقل كل شيء الآن.
ليس بعد.
إن تحدّثت
مع من؟ قال بازدراء في تلك القرية، الجميع مدين لي الجميع يخافني ثم إنها لا تعرف ما وجدت.
خفض يعقوب صوته
وماذا لو اكتشفت النفق؟
نظر عزّات إلى ، وقال ببرودٍ ثقيل إنّها إن اكتشفت الأمر فستلقى المصير نفسه الذي لقيته عائلة المدينة حين ظنّوا أنفسهم أصحاب هذه الأرض، فتجمّد في عروق كريمة، وارتبطت في ذهنها الخيوط فجأة عائلة المدينة الرجل الكنز وبدأت الصورة تكتمل رغم أنّها لم تفهم كل شيء بعد.
تابع عزّات حديثه بنبرة يكاد يفاخر بها، قائلاً إنّه قضى أكثر من ثلاثين عامًا يحرس هذه الثروة، ثمنها كان دمًا وصمتًا، ولن يسمح لأرملة جائعة أن تفسد عليه جائزته، فسأله يعقوب إن كانوا سيتخلّصون منها، فتأنّى الرجل العجوز لحظات قبل أن يجيب بأن يخيفوها أولًا، وإن لم تفهم فلكل حادث حديث، ثم ظلّوا دقائق يتفحّصون الصناديق ويعدّونها بعينٍ تقدّر دون عدّ حقيقي، حتى اطمأنّوا أنّ كل شيء في مكانه، وغادروا.
لم تتحرّك كريمة حتى اختفى الضوء تمامًا، وحين أشعلت الشعلة من جديد بدا وجه مختلفًا؛ لم يعد فقط، بل صار ظالمًا أيضًا، رجل حيًا وسط ثروة لم تنقذه، بينما عزّات، الذي حياة كثيرين، ما زال فوق الأرض يحكم القرية كأنها ملكه.
عندها أدركت كريمة أنّ الكنز لم يكن صدفة ولا هدية، بل جرحًا مفتوحًا، فأمسكت بأصغر صندوق وجدته، كان ثقيلًا، لكنها سحبته بصعوبة عبر النفق ثم إلى القبو ثم إلى المغارة حيث أخفته بين الحجارة.
كانت تعرف أنها لا تستطيع الهرب الآن، ولا بيع شيء كبير دون أن تثير الشبهات، ولا الوثوق بأحد لكنها تستطيع القتال.
ومع الفجر، تركت أطفالها في المغارة بوصايا صارمة، ونزلت إلى القرية عبر طرق جانبية حتى وصلت إلى بيت الشيخ أنس، إمام الجامع، الذي استقبلها بدهشة، فلم تضيّع وقتًا، بل روت له كل شيء العملات، النفق، ، وكلام عزّات.
استمع إليها بصمت، ومع كل كلمة كان وجهه يبهت أكثر، ثم قال إنّ ما تقوله خطير للغاية، فأكدت
له أنه الحق، وسألها إن كانت متأكدة، فأجابته بثبات أنّها متأكدة كما هي متأكدة من جوع أطفالها، وأنّ ذلك الرجل قاتل وأن الذهب ليس له.
أغمض الشيخ عينيه لحظة، وظنّت أنه سيطلب منها الدعاء فقط، لكنه حين فتحهما كان فيهما تعبٌ وإصرار، وقال إنه يعرف قاضيًا في المدينة رجلًا نزيهًا لا يخضع للمتسلّطين، وإنه إن أرسل برقية اليوم فقد لكنها قاطعته بأنها لا تملك الوقت، وأن يعقوب منحها ثلاثة أيام فقط.
أومأ برأسه وقال إن عليهم أن يحرّكوا السماء، ثم أعطاها خبزًا وجبنًا يابسًا وتفاحًا ذابلًا، ووعدها أن يرسل الرسالة فورًا، وأمرها ألا تخبر أحدًا.
عادت كريمة تشعر لأول مرة أنها ليست وحدها، لكن قرية عين الجبل كانت مكانًا حتى الغبار فيه ينقل الأخبار، فقد رآها الحاج رُوقي تخرج من بيت الإمام، وفهم فورًا أن الأرملة تورّطت في أمر خطير، ولأن أمثال هؤلاء يبيعون أنفسهم سريعًا لأصحاب النفوذ، أسرع إلى المزرعة ليخبر.
لم تعلم كريمة شيئًا عن ذلك حتى المساء، حين كانت تقسم الخبز بين أطفالها وسمعت وقع خيول من جديد، لكنها هذه المرة أكثر، فصعد خمسة رجال إلى المغارة، يتقدمهم عزّات، وإلى جواره يعقوب، وخلفهما ثلاثة من الرعاة يحملون البنادق.
نهضت كريمة فورًا وأمرت الأطفال أن يختبئوا في الداخل، فأخذ طارق بيد لُجين وسامي وأطاع دون بكاء، لكن بوجهٍ شاحب.
نزل عزّات عن حصانه بهدوءٍ بارد، واقترب منها كأنّه يتمشّى بين ممتلكاته، وقال إنه علم أنها تتحرّك كثيرًا، فادعت أنها لا تفهم، فردّ بحدّة أنه لا يريد تضييع وقته، فقد دخلت البيت ونزلت إلى القبو وأخذت ما ليس لها.
نظرت إليه بثبات وقالت إنها لم تسرق شيئًا، فأشار بيده، ودخل يعقوب مع رجلين إلى المغارة، حاولت منعهما، لكن أحدهم دفعها بقوة فسقطت على ركبتيها فوق الصخر، وخدشت يداها وشعرت بطعم الخوف يملأ فمها.
ومن الداخل سُمعت أصوات ارتطام وحجارة تتحرّك وبكاء مكتوم ثم ، فقفزت كريمة واقفة وحاولت الاندفاع إلى الداخل، لكن عزّات وقف في طريقها ومنعها.
خرج يعقوب وهو يحمل الصندوق الصغير المليء بالكنز بين يديه، وخلفه كان طارق يتعارك مع أحد الرجال الذي أمسكه من ذراعه .
وجدناها يا حاج.
ابتسم الحاج عزّات ابتسامة باردة.
إذن لم تسرقي شيئًا؟
نظرت كريمة إلى ابنها؛ قميصه ممزّق، وجهه مبلّل بدموعٍ حاول كتمها، لُجين تبكي في الداخل، وسامي يرتجف كحيوانٍ صغير مريض عندها اشتعل بداخلها شيء أقوى من الخوف.
هذا الذهب ليس لك.
اختفت ابتسامة العجوز فورًا.
احذري لسانك.
أعرف أمر النفق وأعرف الرجل وأعرف ما فعلتموه بعائلة المدينة.
نظر يعقوب إليها واضحة.
ولستُ وحدي تابعت كريمة، وصوتها يزداد ثباتًا مع كل كلمة، الشيخ أنس يعلم أيضًا، وقد أرسل خبرًا إلى المدينة وهم في طريقهم إليك.
تجمّد الحاج عزّات في مكانه، لم يتحرّك منه سوى عيناه، وقد تحوّلتا من احتقارٍ بارد إلى كراهيةٍ خالصة.
يعقوب أسكتها.
رفع يعقوب بندقيته.
في تلك اللحظة، مرّت الصور في ذهن كريمة كوميضٍ خاطف سالم ليلة المغارة الصندوق الخشبي وأطفالها وهم يُتركون وحدهم في هذا العالم.
أغلقت عينيها.
لكن الطلقة لم تُطلق.
ما دوّى كان صوتًا آخر، قويًا حادًا، قادمًا من جهة الطريق
أنزلوا أسلحتكم!
فتحت كريمة عينيها.
كان الشيخ أنس يصعد وسط الغبار، ومعه ستة من الجنود، يتقدّمهم ضابط شاب بملامح صارمة، وملابس نظيفة رغم وعورة الطريق، يده فوق سلاحه، وهيئته لا توحي برجلٍ يساوم أصحاب النفوذ.
أنا الملازم رامي قال بصوتٍ حازم، لديّ أمر بالقبض على كل من تورّط في بلاغ يتعلّق بالقتل، والاختطاف، وإخفاء الممتلكات.
تردّد يعقوب لحظة، ونظر إلى الحاج عزّات، لكن العجوز أدرك فورًا أن هؤلاء ليسوا من أولئك الذين يُشترون بسهولة، فخفض رأسه قليلًا ثم قال بامتعاض
نفّذوا.








