رجعت البيت بدري

رجعت بدري لقيت مراتي مغمى عليها على الكنبة، وأمي قاعدة بتاكل الأكل اللي غصبتها تعمله وسامعة صريخ الواد ومطنشة! بصت لجثتها وقالت ببرود بتاعة دراما.. في اللحظة دي عرفت إن أمي وحش، وطلعت بيهم على لوكاندة في نفس الساعة!صريخ الواد خبط في ودني قبل ما أفتح باب الشقة حتى. صرخة حادة، مخــ,ـنوقة، من نوع الصريخ اللي بيشرخ العضم من الوجع.رميت المفاتيح في الطرقة وجريت.
الصالون كان شكله زي مسرح جريمة متموه على شكل بيت عيلة. حلة اللبن فارت على البوتجاز في المطبخ. الغسيل نص متطبق ومرمي على الأرض. الببرونات مرصوصة على الرخامة زي الأحراز. وعلى الكنبة.. مراتي ندى مرمية من غير حركة، إيد من إيديها مدلدلة على الأرض، ووشها أبيض زي ورقة الكشكول.
وجنبها.. أمي قاعدة على السفرة.. بتاكل!
لا بتاكل الواد، ولا بتطلب إسعاف، ولا قلقانة.. قاعدة تضــ,ـرب بالمعلقة!
طبق محشي وفراخ محمرة ملوخية محطوط قدامها. نفس الأكل اللي ندى وعدتني الصبح إنها مش هتعمله لأنها مكنتش قادرة تقف على رجليها من قلة النوم والتعب.
ابننا اللي لسه مولود كان بيصرخ في سريره الصغير، وشه أحمر دم وبيترعش.
أمي رفعت الشوكة، بصت ل ندى ب احتقار، وهمست ببرود بتاعة دراما ومحن!
في حاجة جوايا سكتت تماماً.
مش انفجــ,ـرت.. مش اتكــ,ـسرت..
سكتت.. السكوت المرعب اللي قبل العاصفة.
مشيت في الأوــ,ـضة، شلت ابني الأول، ضميته لصدري
وحسيت بجسمه الصغير وهو بيترعش من كتر العياط. وبعدين قعدت على ركبي جنب ندى.
ندى.. قلتها وأنا بلمس خدها الساقع. حبيبتي.. فوقي معايا.
رموشها اتهزت حاجة بسيطة. حاولت تتكلم، بس مخرجش منها غير نَفَس ضعيف ومخــ,ـنوق.
أمي نفخت بزهق ما تدلعهاش بزيادة. الأمهات الجداد دول ديماً بيمثلوا ويعملوا حوارات. أنا مربياك ومربية إخواتك وعمري ما وقعت من طولي كل خمس دقائق كدة.
بصيت لها.. ولأول مرة أشوفها على حقيقتها.
لمدة 34 سنة، كنت بقول على الست دي إنها ست شديدة. ب تحب تحكم؟ أيوة. مسيطرة؟ أيوة. بس كنت فاكرها أصيلة. كانت ديماً تقولي إن القــ,ـسوة دي صراحة، وإن التربية محتاجة عين حمرا. كنت بصدقها، لأن العيال الصغيرة بتصدق الوحوش لما الوحوش دي تغطيهم بالليل وهما نايمين.
بس دلوقتي.. أنا شفت الوحش عريان قدامي.
سألتها بصوت مكتوم أنتي اللي غصبتيها تطبخ؟
أمي مسحت بوقها بالمنديل بمنتهى البرود هي اللي عرضت وقالت هعملكم لقمة.
صوابع ندى اتشدت على إيدي بضعف، وهمست لأ.. كدابة..
عين أمي بقيت حادة وزي الســ,ـــكين كان لازم تتعلم وتتجرر في البيت! أنت مدلعها ومبوظها. الشقة تضرب يقلب، والواد عمال يزن، وهي فاكرة إن قلة النوم حجة عشان تقصر في بيتها!
قمت وقفت ببطء.. وائل هنا جاب آخره.
أنا هاخدهم وأمشي من هنا فوراً.
أمي ضحكت ب استهزاء وبجاحة بلاش هبل وجنان عيال.. ده بيت ابني!
لفيت وشي وبصيت لها، ب هدوء مرعب يخوفني أنا شخصياً من نفسي
لأ يا أمي.. ده بيتي أنا.. ومراتي.. وابني.. اتفضلي أنتي بره.
ابتسامتها اتهزت ووشها جاب ألوان.
شلت ندى على إيدي والواد مربوط على صدري بالشيالة. أمي مشيت ورايا لحد باب الشــ,ـقة وهي بتزعق وتتكلم عن الأصول، والعقوّق، وقلة رباية الجيل ده.
ما ردتش عليها بكلمة.
بصيت ورايا بصة واحدة بس.
كانت واقفة على الباب.. الست اللي كانت فاكرة إنها بتملك البيت وبتملكني معاها.
ولأول مرة في حياتها كلها.. كان باين في عينيها الخوف والشك!
كان الهيكل الخارجي للوكاندة القديمة في وسط البلد يبدو باهتاً تحت أضواء الشوارع الصفراء، لكنه بالنسبة لي كان يشبه طوق النجاة وسط بحر متلاطم الأمواج. حملتُ ندى التي كانت شبه مغيبة عن الوعي، ورأس ابني الصغير مستند إلى صدري، يهدأ نَفَسه ببطء بعد ساعات من الصــ,ـراخ المتواصل الذي كاد يمزق حنجرته الصغيرة.
أدخلتُهما إلى الغرفة البسيطة، وضعتُ ندى على السرير برفق ودثرتها بالأغطية، ثم بدأتُ في إعداد زجاجة حليب دافئة للصغير بعد أن طهرتُ الأدوات بما تيسر لي من مياه ساخنة. جلس وائل الرجل الذي كان يظن طوال عمره أن برّ أمه يعني التغاضي عن قسوتها على الأرض بجانب السرير، وراسه بين يديه، يبكي صامتاً لأول مرة منذ أن كان طفلاً.
ندى بصوت يرتجف كخيط واهن وائل.. إحنا فين؟
أسرعتُ إليها، أمسكتُ بيديها الباردتين وقبلتهما بعمق إحنا في أمان يا قلب وائل. إحنا في مكان مفيش فيه وحوش، مفيش فيه حد هيجبرك تقفي على رجلك وأنتي بتنزفي من تعب الولادة. سامحيني.. أنا اللي سبتك ليها وأنا فاكر إنها أم هتحن على بنتي.
دموع ندى انهمرت بغزارة على الوسادة، ولم تكن دموع تعب جسدي فحسب، بل كانت دموع قهر دفين انفك عقاله فجأة
ندى وائل.. مامتك مكنتش بس بتخليني أطبخ ونظف الشقة وأنا مش قادرة أصلب طولي.. مامتك كانت بتعمل حاجات تانية أبشع بكتير.
ثبتُّ مكاني، وشعرت برعب جديد يتسلل إلى أوصالي حاجات إيه يا ندى؟ قوليلي متخافيش، الست دي مابقاش ليها سلطة علينا تاني.
ندى بنشيج ومروق الأسبوع اللي فات.. لما إنت كنت في المأمورية بتاعة الشغل في بورسعيد. مامتك جات البيت بحجة إنها بتساعدني في البيبي. دخلت أوضة نومنا، ولما لقيتني نايمة من التعب والمهدئات اللي الدكتور كتبهالي بعد الولادة، فتحت الخزنة الصغيرة اللي ورا الدولاب.. الخزنة اللي إنتي سيبت مفتاحها في درج الكومودينو.
أخذت ندى نَفَساً متقطعاً وأكملت
أنا صحيت على صوت تكة القفل. شفتها بعيني وهي بتلم الطقم الألماسي اللي بابا الله يرحمه جابهولي في شبكتي، وبتسحب السبائك الدهب الصغيرة اللي كنا محوشينها عشان مصاريف المستشفى والولادة. ولما قمت وأنا مرعوبة وبقولها بتعملي إيه يا طنط.. بصتلي بمنتهى الجحود وقالت لي الدهب ده هيتشال في حتة أمان، لإن واحدة زيك جاية من منطقة
وقعت الكلمات على رأسي كالمطرقة التي حطمت بقايا الصنم الذي بنيته لأمي طوال ٣٤ سنة. تذكرتُ كيف كانت دائماً تزرع الشك في قلبي تجاه عائلة ندى، وكيف كانت تصر على أن ندى مبذرة ولا تصلح لإدارة الأموال. كانت تخطط لتجريد زوجتي من كل ما تملك، مستغلة ضعفها بعد الولادة، ومستندة إلى ولائي الأعمى لها وثقتي التي لم تكن تهتز.
قمتُ وقفت بكامل طولي، وعيناي تحولتا إلى جمرتين من الغضب الصافي.
وائل الدهب والسبائك دول تمنهم يعدي ال ٨٠٠ ألف جنيه يا نورا.. دي مش سرقة عادية، دي جريمة خيانة أمانة وابتزاز مستغلة حالة صحية حرجة.
في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، تركتُ ندى وابني تحت رعاية ممرضة خاصة استأجرتها من المستشفى القريب لحمايتهما، وتوجهتُ فوراً إلى شقــ,ـتي في التجمع الخامس.
فتحتُ الباب بهدوء. كانت أمي الحاجة وفيقة لا تزال تجلس في الصالون، ترتدي عباءتها الفخمة، وتشرب الشاي باللبن وكأن شيئاً لم يكن. أول ما رأتني، رفعت حاجبها وقالت بنبرة حادة تحاول بها استعادة سيطرتها
وفيقة أهلاً يا سي وائل.. المحترم اللي طرد أمه عشان خاطر حتة بت بتاعة دراما. جيت وراجعت لعقلك؟ عرفت إن مالكش غير حضن أمك اللي ربتك؟
لم أرد عليها بكلمة. مشيتُ نحو غرفتي، فتحتُ درج الكومودينو واكتشفتُ غياب المفتاح. التفتُّ إليها وقلت بصوت هادئ ومخيف كهدوء ما قبل المقصلة
وائل فين المفتاح يا أمي؟ وفين الطقم الألماسي وسبائك الدهب بتاعة ندى؟
ملامح وفيقة اتهزت لثانية، لكنها سرعان ما لبست قناع الجبروت والتبلي
وفيقة بسخرية أهو.. بدأت تهمات السنيورة تشتغل! أنا أسرق؟ أنا الحاجة وفيقة اللي الناس بتحلف باسمها في العيلة؟ البت دي كدابة ومخرفة، دي شكلها كانت مأثرة عليها أدوية الهلوسة وقامت تتبلى عليا عشان تخرب العلاقة بيني وبينك!
أخرجتُ موبايلي من جيب وفجرتُ القنبلة الموقوتة في وجهها
وائل بابتسامة نصر مريرة كنت عارف إنك هتقولي كدة.. عشان كدة أنا مكنتش محتاج كلام ندى بس. أنا كلمت الشركة بتاعة كاميرات المراقبة السرية اللي أنا زرعتها في الصالون والممر المؤدي للأوــ,ـضة من شهرين عشان أطمن على البيبي وأنا في الشغل.. والتسجيل بتاع يوم الثلاث اللي فات شغال معايا هنا لايف يا أمي.
شغلتُ الفيديو. ظهرت الحاجة وفيقة وهي تتسلل للأوــ,ـضة، تفتح الخزنة، وتضع الذهب في حقيبتها الكبيرة، وصوتها وهي تهدد ندى وتطعن في شرفها كان واضحاً ونقياً لدرجة تخرق الآذان.
الحاجة وفيقة سقطت منها كوباية الشاي وتحطمت على الرخام. شحب وجهها لدرجة غريبة، وتراجعت للخلف وهي تلهث وتتأتأ
وفيقة برعب وتوسل وائل.. يا ابني.. أنا كنت بشيلهم ليكم! كنت خايفة البت دي تضيعهم أو أهلها يطمعوا فيهم! أنا أمك يا وائل.. إنت هتعمل فيا إيه؟
وائل بقوة لم تعهدها مني طوال حياتي إنتي مش أمي يا وفيقة هانم.. الأم هي اللي تحن، الأم هي اللي تصون العِرض، الأم هي اللي لما تشوف طفل صغير بيصــ,ـرخ من الجوع ومراته ابنه ميتة من التعب على الكنبة، تشيلهم في عينها مش تقعد تضرب بالمحشي وتقول بتاعة دراما! إنتي وحش نرجسي، عيشتينا ٣٠ سنة في كدبة الكبرياء والالتزام، والحقيقة إنك مبتحبيش غير نفسك والسيطرة.
انفتح باب الشقة فجأه، ودخل المحامي بتاعي ومعه اثنان من رجال الشرطة بملابسهم الرسمية.
وائل ببرود قاتل الدهب والسبائك مرجعتش خلال ساعة واحدة يا وفيقة هانم، البلاغ ده هيتحرك للنيابة بتهمة السرقة والابتزاز والطعن في المحصنات.. والتوكيل العام اللي كنت كاتبهولك لإدارة الشقة القديمة بتاعة بابا الله يرحمه اتلغى الصبح في الشهر العقاري.
وفيقة بدأت تصرخ وتلطم على وشها بانهيار بتسجن أمك يا وائل؟ بتبيع شقا عمري عشان خاطر الغريبة؟
وائل الغريبة دي صانتني وصانت بيتي، وإنتي اللي جيتي تخربيه بدم بارد. خدي حاجتك واطلعي برة حياتنا.. المرة دي بلا رجعة.
اضطرت وفيقة تحت ضغط المحضر وكاميرات المراقبة ترجع كل مليم وكل قطعة دهب سرقتها وهي بتترعش من الفضيحة أمام باقي أفراد العيلة الذين عرفوا حقيقتها، وخرجت من البيت مطرودة، وحيدة، ومكسورة الكبرياء الزائف للأبد.
النهاية العوض الخالص وشروق النور
بعد مرور شهرين على الليلة الموعودة..
شقتنا في التجمع رجع ليها النور والدفا من تاني. حلة اللبن المغلية بقت تفور بالحب والأمان، والغسيل بقى متطبق بنظام يملأ الأوضة بريحة الفانيليا والورد. ندى صحت وبقت زي الفل، وشها رجع له اللون الوردي وصحتها بقت بمبي، وابننا الصغير ياسين كان قاعد في سريره بيضحك ويمسك لعبه بنقاء.
كنتُ واقف في المطبخ بعملها كوباية عصير دافي، وقربت مني وحضــ,ـنتني من ضهري وسندت راسها على كتفي
ندى بابتسامة مليانة دموع فرحة عارف يا وائل؟ الليلة اللي أخدتنا فيها ورحت اللوكاندة.. كانت الليلة اللي حسيت فيها إن ليا ضهر بجد في الدنيا دي.. ربنا يخليك لينا.
وائل التفت وباس راسها بحنية أنا اللي بشكرك لأنك صليتي واستحملتي لحد ما النور شق ضلمة عيني وشفت الحقيقة. بيتنا ده مبقاش فيه مكان للوحوش.. فيه مكان ليكي ولابننا وبس.
اتعلم وائل إن البرّ مش معناه الطاعة العمياء للظلم، وإن الست اللي بتسيب بيت أهلها عشان تبني معاك بيت جديد، تستحق إنك تهد الدنيا وتبنيها من تاني عشان تحمي كرامتها ونفسها الغالية. وسيبنا وفيقة تشبع بكسرتها ووحدتها في قصرها الفاضي، وعشنا احنا فوق السحاب بالصدق والرحمة والنور اللي مابيموتش أبداً.
تمت.








