وصلتني حوالة بالخطأ…

فتح حيدر فمه كأنه سيقول شيئًا قـ,ـاسيًا، شيئًا ينهي به الكلام كعادته، لكنه لم يجد الجملة. لأول مرة، لم تملأ سلطته الصالة. كان الصمت بيننا أقوى من أي صراخ. وفي الخارج، كان المطر يطرق زجاج شقـ,ـتنا في الكرادة كحبات صغيرة من الحصى، بينما بقيتُ أطوي ملـ,ـابس طفلتي قطعة قطعة، بهدوء لم يكن موجودًا داخلي. قال منو دا يدخل براسك هالكلام؟ أجبته لا أحد. حدق بي أكثر. سارة؟ لم أرد. وهناك فهمت أنه خائف. لم يسألني ماذا أعـ,ـرف. سألني من يساعدني.
الكاـ,ـذبون لا يخافون الحقيقة وحدها بل يخافون من الشخص الذي يعرف كيف يستخدمها. اقترب حيدر خطوتين.
قال ببرود
اسمعي مريم، أنا ما راح أتناقش مع امرأة حامل ومتـ,ـوترة.
وقفت ببطء وأنا أضع يدي على ظهري.
إذن لا تتناقش.
شدّ فكه.
لا يناسبك أن تقفي ضدي.
هذه الجملة حفظتها.
ليس بصورة شاشة.
بل بتسجيل صوتي كان يعمل منذ اللحظة التي فتح فيها الباب.
في صباح اليوم التالي، جاءت أم حيدر دون موعد.
كانت تحمل كيس كعك من مخبز معروف في المنصور، وعلى وجهها تلك الابتسامة الهادئة التي تستخدمها حين تريد أن تخفي شيئًا مؤذيًا خلف كلمات ناعمة.
قالت وهي تدخل كأن الشـ,ـقة ما زالت بيت ابنها وحده
يمّه مريم، وجهك تعبان الحمل مأثر عليكِ هواية.
كانت تحمل شالًا أزرق مطويًا على ذراعها.
وضعته على كتفي دون أن تسألني، ثم نظرت حولها بعين سريعة، كأنها تتأكد أن كل شيء ثمين
ما زال في مكانه.
قالت
حيدر حكى لي أنكِ صايرة عصبية هذه الأيام.
قلت
أنا متعبة لست عصبية.
تنهدت وجلست قرب الطاولة.
ولهذا جئت. المرأة الحامل لا يصير تحمل هـ,ـموم. جبت لكِ أوراق بسيطة، لا شيء معقد.
ثم أخرجت ملفًا بيج من حقيبتها.
تحركت طفلتي داخل بطني.
ها هي.
الخطة دخلت إلى صالتي برائحة كعك طازج وكلام ناعم.
سألتها
أوراق ماذا؟
ابتسمت
نفس الموضوع يا بنتي. ترتيب الملكية. الشقة. أنتِ تعرفين، شغل الشركات والديون لا أحد يعرف ظروفه. الأفضل أن يكون كل شيء بيد حيدر حتى يديره بشكل صحيح.
قلت بهدوء
كل شيء؟
الشقة بالأخص. أنتِ الآن حامل، وبعد الولادة لن تقدري على متابعة بنوك ومحامين وأوراق.
ابتسمت أنا هذه المرة.
ولماذا كل هذه العجلة؟
رمشت بعينها رمشة خفيفة جدًا.
لكنني أصبحت أقرأ الارتباك الصغير.
قالت
لأنك بعد الولادة ستكونين مرهقة. ننجزها الآن ونرتاح.
قلت
لن أوقّع.
اختفت ابتسامتها كأن أحدًا مسحها بالماء.
مريم، لا تكوني عنيدة.
لن أوقّع على أي شيء.
انخفض صوتها.
هذه الشـ,ـقة دفع ثمنها ابني.
كدت أضحك.
ابنك لم يستطع دفع ثمن سـ,ـرير طفلته.
وصلتها الجملة.
رأيت ذلك في عينيها.
لثانية واحدة توقفت عن التمثيل.
قالت
أنتِ لا تعرفين كم فعل حيدر من أجلك.
أجبت
أعرف أكثر مما تظنون.
اقتربت مني والملف على صدرها.
المرأة وحدها مع طفل لا تصمد كثيرًا. أقولها لك من باب النصيـ,ـحة. أحيانًا التواضع ينفع.
نظرت إلى الباب.
الأفضل أن تخرجي.
تجمدت في مكانها.
تطردينني؟
قلت
نعم.
وقفت كأنني أهنت تاريخ العائلة كله.
قالت قبل أن تخرج
ستندمين.
أجبت
ربما لكن ليس على هذا.
عندما أغلقت الباب خلفها، ارتجفت يداي لدرجة أنني جلست فورًا.
اتصلت بسارة.
لم أبكِ إلا عندما سمعت صوتها.
قلت
بدأوا يتحركون.
قالت
ممتاز. هذا يعني أنهم خائفون.
في ذلك المساء التقينا في مكتبها قرب المنصور.
كان صوت السيارات يصل من الشارع، وزحمة بغداد تمضي كأن شيئًا لم يحدث، كأن حياتي الزوجية لا تتفكك بهدوء داخل ملفات وأختام ورسائل.
راجعت سارة التسجيل.
زيارة أم حيدر.
الرسائل.
الصور التي أخذتها من شاشة هاتف حيدر.
ثم قالت
سنسبقهم.
سألت
كيف؟
أولًا نبلغ البنك. ثانيًا نثبت الاستغلال المالي والضغط النفسي. ثالثًا نطلب حماية قانونية. ورابعًا نحصّن الشـ,ـقة بكل الأوراق اللازمة.
قلت
اليوم؟
نظرت إليّ بجدية
كان يجب أن يكون أمس يا مريم.
شرحت لي كل خطوة دون تجميل.
كنت أهز رأسي، لكن داخلي كان يفكر في طفلتي فقط.
في أنها لم تولد بعد، وهناك من يحاول أن يسلبها سقفًا آمنًا.
قبل أن أغادر، قالت سارة
لا تواـ,ـجهي نور وحدك.
قلت
لم أكن أفكر بذلك.
نظرت إليّ بصمت.
ففهمت أنها لا تصدقني.
قالت
أعرفك. المرأة الحامل لا تحتاج أن تثبت قوتها بدخول مكان مليء بالفخاخ. تحتاج أن تخرج منه سالمة.
لكن الدعوة وصلت في تلك الليلة.
ليس إليّ مباشرة.
بل إلى بريدي الإلكتروني.
حيدر، من شدة ارتباكه، كان قد استخدم حسابي لطباعة فواتير، وترك جلسة البريد مفتوحة على جهاز البيت.
تأكيد حجز مناسبة استقبال مولود نور. قاعة خاصة في الجادرية. السبت، الساعة الخامسة مساءً.
المرفقات
قائمة الطعام.
الديكور.
العربون.
كانت هناك طاولات ضيافة، زهور بلون هادئ، بالونات بيج وذهبية، ولوحة كبيرة مكتوب عليها
أهلًا بعلي.
علي.
طفلهما.
كلمة طفلنا لم تعد كلمة.
صارت شيئًا يغرس في الصدر بصمت.
جاء السبت بهدوء غريب.
كانت شمس بغداد خفيفة بعد المطر، والشوارع مغسولة كأن المدينة تحاول أن تبدأ يومًا جديدًا.
ارتديت فستانًا أسود واسعًا ومريحًا، وربطت شعري إلى الخلف.
لو كانت أمي حية لغضبت لأنني أخرج في شهري السابع إلى مواجهة كهذه.
لكنها أيضًا كانت ستلبس عباءتها وتقول
خلينا نشوف وجوههم.
مرت سارة عليّ بسيارتها.
كانت تحمل ملفًا، وهاتفين مشحونين، وهدوء امرأة تعرف تمامًا أين تضع قدمها.
قالت
لا تتكلمين كثيرًا.
قلت
لا أعدك.
إذن عِديني ألا تلدين هناك.
قلت
هذا ليس بيدي.
وصلنا إلى القاعة في الجادرية قبل المغرب بقليل.
كانت الواجهة مضاءة، والسيارات مصطفة أمام الباب، والناس يدخلون بملاـ,ـبس أنيقة وابتسامات عائلية مصطنعة.
من الخارج كانت تصل أصوات ضحك وموسيقى هادئة.
دخلت دون أن أطرق.
كانت القاعة مزينة ببالونات بيج وذهبية، وطاولات عليها حلويات مرتبة بعناية، وكاسات عصير، وورود بيضاء.
كل شيء كان هادئًا وجميلًا بطريقة تؤلم المعدة.
ثم رأيت حيدر.
كان واقفًا قرب نور.
يده
على بطنها.
ووجهه يحمل ابتسامة رجل فخور بما بناه بمال امرأة أخرى.
نور كانت ترتدي فستانًا أبيض ضيقًا، وشعرها منسدل على كتفيها، وعلى وجهها ثقة هشة تشبه زجاجًا رقيقًا.
لم تتفاجأ بوجوده.
لكنها تجمدت عندما رأتني.
انخفض صوت الموسيقى قليلًا، كأن أحدًا لمس زرًا غير مرئي.
شحَب وجه حيدر.
قال
مريم.
التفت الجميع.
كانت أم حيدر قرب الطاولة الرئيسية، ترتدي عقد لؤلؤ وابتسامة توقفت في منتصف وجهها.
عندما رأتني، وقفت بسرعة حتى كادت تسقط كأس العصير من يدها.
قالت
ماذا تفعلين هنا؟
تقدمت ببطء.
كان ظهري يؤلمني، لكنني لم أتوقف.
قلت
جئت أبارك للعائلة.
ارتبكت نور ونظرت إلى حيدر.
حيدر، ما هذا؟
نظرت إليها.
كانت أصغر مما تخيلت.
بعينين واسعتين وأظافر مثالية وثقة امرأة ظنت أن الرجل المتزوج مكسب.
قلت
أنتِ نور؟
رفعت ذقنها.
نعم.
نظرت حولي وقلت
مناسبة جميلة. يبدو أن الاثنين وخمسين مليون دينار كانت كافية فعلًا.
مرّ همس سريع بين الحضور.
اقترب حيدر مني.
نخرج الآن.
قلت
لا.
مريم، لا تحولي الأمر إلى مشـ,ـهد.
نظرت إليه.
غريب. أنت أقمت مشهدًا كاملًا.
بقيت سارة إلى جانبي صامتة.
وجودها كان مثل حائط أستند عليه.
حاول حيدر أن يمسك ذراعي.
قال
قلت لك نخرج.
خطت سارة خطوة للأمام.
لا تلمسها.
تعرف عليها فورًا.
أنتِ.
قالت بثبات
نعم، أنا. وأنصحك أن تنتبه لكل حركة أمام الناس.
وصلت أم حيدر ووجهها محمر.
قالت
مريم متعبة ومتوترة، لا تعرف ماذا تقول. الحمل مأثر عليها.
فتحت حقيبتي.
أخرجت أوراقًا.
لم تكن كل الأدلة.
سارة لم تسمح لي بحمل النسخ الأصلية.
لكنها كانت كافية لتجعل القاعة كلها تصمت.
رفعت الورقة الأولى وقلت
حوالة وصلت إلى حسابي بالخطأ، والملاحظة كانت لحفل نور وطفلكما.
ثم رفعت ورقة ثانية.
رسائل من نور تعترف أن الحوالة ذهبت للحساب الخطأ.
ثم نظرت إلى أم حيدر.
ورسالة تقول إنكِ ستقنعينني بتوقيع أوراق الشقة بعد الولادة.
تراجعت خطوة.
هذا غير صحيح.
قلت
لدي أيضًا كشوفات حساب، ومصاريف ديكور، وحجز قاعة، ومدفوعات من بطاقتي.
نظرت نور إلى حيدر فجأة.
وكأنها بدأت تفهم أن الرجل الذي وعدها بحياة مستقرة كان يدفع ثمن الوعود من حساب زوجته.
همست
حيدر أنت قلت إنك منفصل عنها.
شعرت بتعب عميق.
ليس شفقة.
ولا غضبًا فقط.
بل إرهاق من كمية الكذب.
قلت
قال للجميع ما يناسبه.
شدّ حيدر على أسنانه.
يكفي.
قلت
لا. نحن بدأنا للتو.
وهنا فعلت نور شيئًا لم أتوقعه.
أبعدت يده عن بطنها.
قالت بصوت منخفض
أنا لا أعرف شيئًا عن موضوع الشقة.
التفت إليها حيدر بحدة.
اسكتي.
سقطت الكلمة على القاعة بقسوة.
جافة.
باردة.
لي، ولها، ولكل امرأة ظنت يومًا أن الصمت يحميها.
تجمدت نور، ثم تبدلت نظرتها.
قالت
لا تتكلم معي هكذا.
اقترب منها.
قلت لك اسكتي.
رفعت سارة هاتفها.
التسجيل يعمل.
توقف.
كان يتنفس بقوة.
والناس لم يعودوا يتهامسون.
كانوا يشاهدون فقط.
أم حيدر حاولت إنقاذ الموقف.
قالت
ابني أخطأ، هذا كل شيء. ومريم دائمًا صعبة. منذ حملها وهي لا تُطاق.
هناك انكسر شيء بداخلي.
لكنني لم أصرخ.
نظرت إليها فقط.
قلت
ابنك كان يقول لا يوجد مال، وأنا أدفع الفيتامينات والمراجعات ومصاريف البيت. ابنك استخدم بطاقاتي ليغطي هذه الكذبة. وابنك سمح لكِ أن تدخلي بيتي وتضغطين عليّ لأوقع على شقة اشتريتها من مال والدي بعد وفاته.
ساد صمت كامل.
حتى العامل الذي كان يحمل صينية العصير توقف في مكانه.
تابعت
ومع ذلك، أنا لم آتِ لأطلب خجلكم. جئت لأقول إنكم لم تعودوا تملكون أي طريق إلى مالي، ولا إلى بيتي، ولا إلى طفلتي.
ضحك حيدر ضحكة قصيرة ومرة.
طفلتك؟ هي ابنتي أيضًا.
اشتد بطني فجأة.
تنفست.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
قلت
بالدم نعم. لكن الأب لا يهدد امرأة حامل ليسلبها سقفها.
تغير وجهه.
اقترب خطوة وعيناه مشتعلتان.
سأخذ منك كل شيء.
وأخيرًا
سمعوه جميعًا.
لم تكن رسالة.
ولا ظنًا.
ولا خوفًا في قلبي.
كانت جملته هو، بصوته، وسط الزينة والورود والبالونات.
ابتسمت سارة بخفة.
شكرًا يا حيدر.
فهم متأخرًا.
بدأت نور تبكي.
وطلبت أم حيدر من أحد أقاربها أن يخرج السيارة.
كنت أريد أن أغادر بكرامة كاملة، لكن جسدي سبقني.
شعرت بألم منخفض وقوي، كأن قبضة داخلية أغلقت على بطني.
انحنيت قليلًا.
أمسكتني سارة فورًا.
مريم؟
قلت
أنا بخير.
كنت أكذب.
جاء ألم آخر أقوى.
تحركت القاعة أمام عيني.
الأصوات ابتعدت.
سمعت أحدهم يقول
اتصلوا بالإسعاف.
وآخر
جيبوا ماء.
اقترب حيدر.
ما بك؟
نظرت إليه بكل ما تبقى داخلي من هدوء قاسٍ.
قلت
لا شيء تستطيع إصلاحه.
أخرجتني سارة من القاعة.
لم تنتظر كثيرًا.
أركبتني السيارة واتصلت بالطبيبة وهي تقود في شوارع بغداد، بين زحام الجادرية وأضواء الكرادة، والمدينة تمر من حولي كأنها صور متقطعة.
في المستشفى كان كل شيء أبيض وسريعًا ومربكًا.
أسئلة.
أجهزة.
ممرضة تطلب مني أن أتنفس.
وطبيبة تقول إن الطفلة بخير، وإن الخوف والتوتر سببا تقلصات مبكرة، لكنهم سيحاولون السيطرة عليها.
أنا فقط كنت أريد سماع نبضها.
وعندما ظهر الصوت على الجهاز
ذلك النبض الصغير المنتظم ملأ الغرفة كلها.
هناك بكيت.
بكيت كما لم أبكِ في المطبخ.
بقيت سارة معي حتى الفجر.
اتصل حيدر مرات كثيرة.
وأرسلت أم حيدر رسائل تقول إنني فعلت كل هذا لأهدم عائلتها.
أما نور، فأرسلت رسالة واحدة فقط
لم أكن أعرف موضوع الشقة. عندي رسائل أكثر. أرسلها لك إذا احتجتِ.
احتجتها.
وأرسلتها.
في الأيام التالية، بدأت الكذبة تتفكك دون أن أضغط كثيرًا.
نور لم تكن بريئة تمامًا، لكنها لم تكن صاحبة الخطة كلها.
كانت امرأة أخرى باع لها حيدر مستقبلًا من مال غيره.
حملها كان حقيقيًا، لكن الحكاية كلها كانت مبنية على وعود وديون وضغط.
سارة قدمت كل ما يلزم.
البنك راجع المعاملات.
المكتب الذي حاولت أم حيدر دفعي إليه أكد أنه لا يمكن تنفيذ أي إجراء دون حضوري وموافقتي الصريحة.
أما شقتي، فأصبحت محمية بأوراق واضحة ونسخ مصدقة وإنذار قانوني جعل حيدر يتوقف عن طرق الباب.
وصلت الإجراءات في عصر ممطر.
كانت بغدادش







