عام

مؤامرة مرات الأب

وبابا قاعد على الكرسي الهزاز وبيلعب مع ابني الصغير محمود، اللي سميته على اسم أغلى راجل في حياتي، التفت ليا ولقاني سرحانة وباصة للسما ودموعي في عيني. وقف وجه عليا، حط إيده على كتفي وطبطب عليا بحنان وقالي: “سرحانة في إيه يا دكتورة؟ إيه اللي مبكي عيونك الجميلة دي والنهاردة يوم عيد ميلادك؟”
​ابتسمت ومسحت دموعي بسرعة ولفيت حركت راسي في حــ,ضنه وقولتله: “أبدًا يا بابا، كنت بفتكر شريط حياتي.. بفتكر اليوم اللي كنت محبوسة فيه وكنت فاكرة إن الدنيا اسودت في وشي وخلاص انتهيت، وشايفة نفسي النهاردة وأنا في حضــ,نك، ومعايا جوزي الحنين وابني، والناس كلها بتشاور عليا بالخير.”

​بابا باس راسي وقالي بصوت كله فخر ويقين: “المؤمن دايماً مصاب يا سارة، وربنا لما بيبتلي حد بيحبه عشان يشوف صبره، وأنتي صبرتي ونجحتي وعافرتي، ومستسلمتيش للوجع. شوفتي بقى إن تدبير ربنا أحسن من تدبيرنا بمليون مرة؟ لو مكنش اللي حصل ده حصل، مكنتش عنايات وأشكالها اتكشفوا، ومكنتيش بقيتي الدكتورة القوية اللي واقفة قدامي دي.”
​في اللحظة دي، دخل جوزي أحمد الأوـ,ضة وشايل في إيده تورته كبيرة منورة بالشمع، وابني محمود بيجري قدامه وبيغني بصوته الصغير: “تشا تشا تشا.. سنة حلوة يا ماما!”

​أحمد بصلي بحب وقال: “كل سنة وأنتي منورة حياتي يا سارة، وكل سنة وأنتي أجدع دكتورة وأجمل زوجة وأم في الدنيا.”
​ضحكت من قلبي وجمعتهم كلهم في حــ,ضني، وبصيت لصورة ماما اللي متعلقة في الصالة وحسيت إنها شيفاني ومبتسمة ليا. في اللحظة دي اتأكدت إن القصة مكنتش مجرد محنة وعيتني، دي كانت البداية الحقيقية لحياتي، البداية اللي عرفتني إن الحق مبيموتش، وإن اللي يتقي الله ويثق فيه، ربنا بيعوضه بعوض ينسيه مرار السنين كله. وطول ما الراس مرفوعة والأصل طيب، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكــ,سرنا.

مقالات ذات صلة

عدت السنين، ومحمود ابني كبر وبقى في المدرسة، وأنا اسمي كبر أكتر في عالم الطب، وبقيت بلقي محاضرات للطلبة الصغار في نفس المدرج اللي كنت قاعدة فيه زمان وببكي وخايفة من بكرة.
​في يوم وأنا في المستشفى الكبيرة اللي بشتغل فيها، لقيت الممرضة بتخبط على مكتبي وبتقولي: “يا دكتورة سارة، في حالة في الاستقبال برة صعبة جداً، ست مسنة وجاية في غيبوبة سكر ومفيش معاها حد خالص غير فاعل خير جابها من الشارع وسابها ومشي، ومش عارفين نتواصل مع حد من أهلها.”

​قومت بسرعة ونزلت الاستقبال، قلبي الواجب الإنساني فيه مبيخلينيش أتأخر عن أي مريض. أول ما دخلت الأوضة وبصيت على السرير، حسيت إن الزمن وقف بيا لثواني.. الملامح كانت متغيرة، الوش كان دبلان، والشعر كله بقى أبيض، والكــ,سرة والمرض هادين حيلها.. لكن عيني مكنتش بتغلط.. دي كانت عنايات!
​وقفت مكاني، شريط العمر كله مر قدام عيني في لحظة.. افتكرتها وهي بتقفل عليا الباب، وافتكرت صوتها وهي بتقول لابنها “اكــ,سر عينها”.. وافتكرت حبــ,ستي ودموعي ورعبي.

​الممرضة بصتلي باستغراب وقالت: “في إيه يا دكتورة؟ حضرتك عارفاها؟”
​أخدت نفس طويل، وبلعت ريقي، وبصيت للسما وقولت في ســ,ري: “سبحانك يا رب.. سبحان المعز المذل.. دارت الأيام ووقعت تحت إيدي وبقت حياتها بين إيدين البنت اللي كانت عايزة تد,مرها.”

​بصيت للممرضة وبكل ثبات وهدوء ومهنية قولت لها: “جهزيلي التحاليل فوراً، وعلقي لها المحاليل دي.. الست دي حالتها حرجة ومفيش وقت، هنسعفها الأول وبعدين نشوف أهلها.”
​اشتغلت معاها بكل أمانة وضمير، مكنتش شايفاها عنايات الحرباية، كنت شايفاها مريضة غلــ,بانة ملهاش حول ولا قوة، وربنا حطني في طريقها عشان يختبر قلبي.. والحمد لله قلبي طلع نضيف ومبيعرفش يشيل غل ولا ينتــ,قم.

​بعد كام ساعة، عنايات بدأت تفوق.. فتحت عينيها ببطء وبتعب، وبقت تلتفت حواليها، لحد ما عينيها جت في عيني.. أنا كنت واقفة بالبالطو الأبيض والسمّاعة في رقبتي وبتابع أجهزتها.
​أول ما شافتني، عينيها اتسعت برعب وزهول، وحاولت تتكلم وصوتها طلع مخــ,نوق ومتحشرج: “سـ.. سارة؟!”
​ابتسمت لها ابتسامة هادية وقولت لها: “حمد الله على سلامتك يا طنط عنايات.. أزمتك عدت وبقيتي كويسة.”
​دموعها نزلت فجأة على خدودها، وبقت تحاول ترفع إيدها المرتعشة عشان تمسك إيدي، وصوتها كله كـ,سرة وند,م وعياط: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني.. ربنا عاقبني وخد مني كل حاجة.. ابني ضاع وشقايا ضاع وأنا بقيت مرمية في الشوارع ومحدش بيسأل فيا.. أنتي ملاك يا سارة، وأنا كنت شيطان.”

​طبطبت على إيدها بالراحة وقولت لها: “المسامح كريم يا طنط، وأنا مسامحاكي من زمان.. المهم صحتك دلوقتي.”
​خرجت من الأو,ضة وأنا حاسة بروحانية غريبة، حاسة إني طايرة في السما.. ربنا مش بس نجاني ورفعني، ده كمان خلاني أنا الطرف الأقوى والرحيم، خلاني أثبت لنفسي وللدنيا كلها إن الأصل الطيب بيفضل طيب مهما انداس عليه.
​خرجت من المستشفى ولقيت بابا وأحمد ومحمود مستنييني في العربية برة.. ركبت معاهم وبابا بص في وشي وقالي: “مالك يا سارة؟ وشك منور ومرتاح أوي النهاردة.”

​سندت راسي على كتف بابا وقولتله: “النهاردة يا بابا، قفلت آخر صفحة في كتاب الوجع.. والحمد لله، طلعنا إحنا الكسبانين في الآخر.. كسبنا نفسنا وكسبنا رضا ربنا.”

أحمد دور العربية ومشينا في شوارع القاهرة والجو كان مغيم وجميل، الهوا اللي داخل من الشباك كان بيطير شعري وكأنه بيغسل من على قلبي أي هم باقي من الماضي. طول الطريق كنت باصة لطيف الشوارع والبيوت، وحاسة إن كل طوبة في البلد دي شهدت على حكايتي، من أول الوجع والكـ,سرة لحد العياط على سجادة الصلاة، والنهاردة الشوارع نفسها بتشهد على جبر ربنا ليا.

​محمود ابني قعد في حجري وبقى يرمي عليّا أسئلة من أسئلته الكتيرة: “ماما.. هو أنتي شاطرة في المستشفى زي ما بتذاكريلي في البيت؟”
ضحكت وبوسته من خده وقولتله: “أنا شاطرة عشان ربنا معايا وعشان جِدك محمود دايماً بيدعيلي، وأنت كمان لازم تطلع شاطر وتحب الناس عشان ربنا يحبك.”

​بابا لف وشه وبصلي وابتسامته الواسعة مالية وشه، عينيه كانت بتقول كلام كتير أوي من غير ما ينطق، كان باصصلي بنظرة الراجل اللي أدى رسالته في الدنيا وضميره مرتاح، الراجل اللي قدر يحمي بنته ويوصلها لبر الأمان رغم كل العواصف.
​أحمد شغل كاسيت العربية على أغنية هادية، وبقى يســ,وق وهو مستمتع باللمة، وقال بصوت كله رضا: “إيه رأيكم بمناسبة الروقان ده، نطلع كلنا نتعشى برة النهاردة؟ الحاج محمود يختار المكان وعلى حسابي.”
بابا ضحك وقال: “لا يا سيدي، العزومة دي عليا أنا، بمناسبة إن بنتي النهاردة أثبتتلي للمرة الألف إنها بملــ,يون راجل، وإن تربية أمها ليها تعيش وتعمر.”

​وصلنا البيت، وأول ما دخلت، روحت على طول على أو,ضتي، غيرت هدومي ووقفت قدام المراية. بصيت لوشي، الملامح كبرت شوية، وبقى فيها هيبة الدكاترة، بس عينيا لسه فيها نفس النظرة الطيبة بتاعة سارة الطفلة. قلعت السماعة الطبية من رقبتي وحطيتها على المكتب جمب كتب الطب والمراجع الكبيرة.
​فتحت درج المكتب وطلعت منه مصحف صغير، المصحف ده كان بتاع ماما الله يرحمها، كانت دايماً تقرأ فيه قبل ما تنام. حضنته جامد وشميت ريحته اللي لسه باقية فيه، وقولت في ســ,ري: “شايفة يا ماما؟ بنتك وحبيبتك بقت فين؟ طمنيني عليكي، أنا عمري ما نسيت كلامك ولا حلمك.”

​خرجت الصالة لقيت أحمد ومحمود وبابا قاعدين مع بعض وبيضحكوا على حركة عملها محمود الصغير. وقفت أراقبهم من بعيد، والدموع نزلت من عيني، بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا قهر، دي كانت دموع شكر لله.
​الدنيا دارت، والصفحة اتقفلت تماماً، والشرور اللي اتزرعت زمان حصدت صاحبها، أما الخير والصبر والأصل الطيب ففضلوا عايشين ومثمرين. عرفت إن كل محنة بنمر بيها هي مجرد سطر في رواية طويلة كاتبها ربنا بحكمة، ونهايتها دايماً بتكون أحسن بكتير من اللي بنتمناه. قعدت وسطهم، وأنا كلي يقين إن اللي جاي في حياتي هيبقى كله نور وأمان.

الليل جه، والدنيا هديت بره، ومحمود ابني نام في سريره زي الملاك. دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا براحة، لقيت أحمد قاعد على السـ,رير وبيتصفح تليفونه، أول ما شافني ابتسم وقفل الشاشة وحط التليفون جمبه.
​قعدت على طرف السرير وتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتلخص سنين من عمري، أحمد حس بيا، قرب مني وأخد إيدي بين إيديه وطبطب عليها وقالي بحنية: “سارة.. أنا حاسس إنك النهاردة مش سارة بتاعة كل يوم.. فيكي حتة هدوء وسكينة غريبة، كأن كان في حمل على كتافك والنهاردة بس رميتيه.”

​بصيت في عينيه وقولتله بصوت دافي: “فعلاً يا أحمد.. النهاردة بس قدرت أقول إن الماضي مات واندفن، والنهاردة بس حسيت إني مش خايفة من أي حاجة جاية.”
أحمد باس إيدي وقال: “طول ما أنا فيا النفس، وطول ما الحاج محمود منور دنيتنا، مفيش حاجة في الدنيا هتمسك بسوء يا قلب أحمد.. أنتي تعبتي وياما شوفتي، وجه الوقت اللي ترتاحي فيه وتجني ثمار صبرك.”

​قومت وقفت ورحت ناحية الشباك الكبير، فتحته ووقفت في البلكونة أشم الهوا الساقع بتاع نص الليل. الشوارع كانت فاضية وضلمة، مفيش غير العواميد منورة الطريق برقة، والنسمة كانت بتداعب وشي.
​وفجأة، حسيت بحركة ورايا، لفيت لقيت بابا واقف في البلكونة جمبي، ساند إيديه على السور وباصص للسما. بصلي وابتسم وقالي: “عارفة يا سارة.. زمان وأنتي صغيرة كنتي لما تخافي من ضلمة الليل، تيجي تستخبي في ضهري.. النهاردة وأنا باصص ليكي، حاسس إن ضهرك بقى قوي لدرجة إنه يشيل عيلة بحالها.”

​دموعي نزلت، بس كانت دموع صافية وراضية، مسكت إيد بابا المحفرة من شــ,قى السنين وبوستها وقولتله: “أنا قوتي دي كلها منك يا بابا.. أنت الجبل اللي ساندني، وعمري ما هنسى إنك في أصعب لحظة في حياتي كنت البطل اللي أنقذني.”
​بابا أخدني في حضنه، الحــ,ضن الدافي اللي طول عمري بستخبى فيه من قــ,سوة الدنيا، وفضلنا واقفين كده ثواني، باصين للمدى الواسع قدامنا.
​في اللحظة دي، حسيت إن روحي بقت خفيفة وزي الريشة.. الخوف، الوجع، التهــ,ديد، وظلم مرات أبويا وابنها.. كل ده بقى مجرد حكايات قديمة بتتحكي في كتب الماضي، وبقت حياتي الجديدة هي الحقيقة الوحيدة اللي بعيشها.
​بصيت للسما الصافية والنجوم اللي بتلمع، وقولت في بالي بابتسامة نصر ويقين: “القصة خلصت يا سارة.. والحمد لله، النهاية طلعت أجمل بكتير من كل التوقعات.”
​وقفلنا باب البلكونة، ودخلنا لبيتنا المنور بالحب والأمان، والستارة نزلت على حكاية بنت حــ,اربت الدنيا بأصلها وعلمها.. وانتصرت.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى