خاتم دهب

أبويا أشار للصايغ التاني -اللي محمود راحله- وقال بصوت جهوري هز الصالة: “اتفضّل يا فنان، قول قدام الكل الخاتم اللي محمود جابهولك كان ماله؟”الصايغ بص لحماتي اللي كانت بتفرك في إيدها ووشها بيجيب ألوان، وقال: “يا جماعة، الأستاذ محمود جالي بالخاتم ده فعلاً، وأنا أول ما شوفته عرفت إنه فالصو ومطلي، بس الغريبة إني أول ما قلبت الخاتم، لقيت دمغة قديمة وممسوحة، والدمغة دي تخص ورشة معينة أنا عارفها كويس.. الورشة دي مبتقفلش غير الشغل المضروب لزباين معينين بيطلبوا حاجة ترفع الراس في الشكل بسعر رخيص.”
حماتي وقفت وزعقت بصوت مرعوش: “وإحنا مالنا ومال الورش دي؟ إنت جاي تخرف تقول إيه في بيتي؟”
هنا اتدخل الصايغ الأولاني -اللي أنا روحتله في الصاغة بتاعة أختي- وطلع من جيبه دفتر صغير وقال ببرود: “الحاجة دولت نسياني تقريبًا، بس أنا منستهاش.. الست دي جاتلي المحل من حوالي سنة ونص، قبل جواز محمود بشهرين، وكانت جايبة الخاتم ده ومعاها غويشتين دهب كسر، وطلبت مني أسيّح الكـ,سر وأعمل بيهم سبيكة، وأطلي لها الخاتم النحاس ده مية دهب نضيفة عشان يبان إنه تقيل وجديد.. ولما سألتها ليه، قالتلي عشان تديه هدية لعروسة ابنها وتوفر الدهب الحقيقي للأيام السودا!”
الدنيا لفّت بمحمود، وبص لأمه بذهول وهو مش مصدق إن الصايغ اللي واقف ده هو نفسه اللي أمه راحتله من وراه من سنة ونص. محمود صوت نفسه بقى عالي، وبلع ريقه وبص لأمه وقال بنبرة مكــ,سورة ومصد,مومة: “الكلام ده بجد يا أمي؟ إنتي عملتي كده؟”
حمايا وقف على رجليه، وبص لمراته بنظرة كفيلة تنهي كل حاجة، وقال بصوت يرعش من الغضب: “يعني البنت متبدلتش حاجة؟ يعني إنتي اللي غشيتيها من أول يوم دخلت فيه بيتنا، ولما اتزنقنا وجابت الخاتم بكل رضا نفس عشان تنقذني، لبستيها التهـ,مة عشان تداري على عملتك؟”
حماتي حاولت تصرخ وتكابر كالعادة: “دول كدابين! دول متفقين مع أهل ندى عشان يلووا دراعنا ويفضــ,حونا!”
لكن الصايغ الأولاني فتح تليفونه وورى حمايا ومحمود صورة من الدفتر القديم بوصل الاستلام اللي عليه إمضاء وبصمة الحاجة دولت بنفسها وهي بتستلم الخاتم المطلي والسبائك السيحة.
في اللحظة دي، حماتي وقعت على الكنبة وهي بتنهج ومش قادرة تنطق كلمة زيادة، القناع اللي عاشت بيه سنين قدام العيلة والناس إنه كلامها ماينزلش الأرض انهار في ثانية قدام جوزها وابنها والصنايعية.
محمود لف ليا، ودموعه نزلت، وقرب مني وهو بيترجاني: “ندى.. أنا أسف، أنا غبي إني صدقت، أنا كنت عميان.. حقك عليا وعلى راسي.”
أبويا مسك محمود من إيده وبعده عني وقال بجمود: “لحد هنا والكلام يخلص يا محمود.. بنتي مش هتقعد في بيت اتهان شرفها وأمانتها فيه، وإنت مش راجل لبيتك عشان تحميها، صباعك كان بيشاور عليها مع أمك قبل ما تتبين الحقيقة.”
أبويا شدني من إيدي عشان نخرج من الشقة، ومحمود فضل يجري ورايا ويبكي ويحلف إنه مش هيسيبني، وحمايا صوته كان بيعلى في الصالة وهو بيحاسب حماتي حساب السنين.
خرجنا من باب البيت وأنا حاسة إن جبل انشال من على صدري، بس الحكاية مخلصتش هنا.. لأن اللي حصل بعد ما رجعت بيت أهلي، والمفاجأة اللي محمود عملها عشان يرجعني، قلبت كل الموازين.
#الكاتب_رومانى_مكرم
مرّ أسبوع كامل وأنا في بيت أهلي، تليفوني مبيفصلش رن من محمود، وبابا رافض تماماً يخليني أرد عليه. بابا كان بيقولي: “اللي ميعرفش قيمتك في أول قلمين تدقهم الدنيا، مأمنش عليكي معاه في الباقي يا بنتي.”
في الأسبوع ده، عرفنا من ناس قرايبنا إن البيت هناك اتقلب جحيم؛ حمايا أصر يبيع نصيب حماتي في دكان قديم عشان يسدد ديونه ويرد اعتباري، ورفض يتكلم معاها تماماً، ومحمود عايش في عزلة تامة، حابــ,س نفسه في شقته ومش طايق يشوف أمه ولا يسمع صوتها بعد ما حطت راسه في الطين قدام أهلي.
وفي يوم جمعة، بعد الصلاة، الباب خبط. فتح أخويا الكبير، ولقينا محمود واقف، بس مكنش لوحده.. كان معاه حمايا، ووراهم اتنين من كبار عيلة محمود اللي ليهم كلمة مسموعة في البلد كلها.
دخلوا الصالة وبابا استقبلهم بترحيب جاف وفيه هيبة. قعدوا، وحمايا اتكلم الأول ونبرة صوته كلها خجل: “يا حاج أحمد.. إحنا جايين وجايبين معانا كبار عيلتنا عشان عارفين إننا غلطنا في حقكوا، واللي حصل من دولت ميرضيش ربنا، وإحنا بريئين من عملتها لحد يوم الدين.”
واحد من كبار العيلة اتكلم وقال: “يا حاج أحمد، الست ندى بنتك هي بنت أصول وست الستات، ومحمود شاريها، والولد غلط لما اتسرع، بس هو جاي وطالب السماح، وإحنا ضامنين ليه ولها إن مفيش مخلوق في البيت هناك هيقدر يبص لها نظرة وحشة بعد النهارده.”
أبويا بص لمحمود وقال برزانة: “والله يا جماعة إنتوا على راسي من فوق، وحما ندى راجل أصيل، بس أنا بنتي اتهربت من بيتها بتهمة سرقة، وجوزها مرفعش عنها الضيم بل كــ,سر خــ,اطرها.. الضمان كلام، والكلام بيمسحه الهوا.”
هنا محمود وقف، ونزل على ركبه قدام بابا، وطلع من جيبه علبة قطيفة زرقا، وفتحها.. وكان جواه طقم دهب كامل، غوايش وكوليه وخاتم، شكلهم يخطَف العين.
محمود دموعه نزلت وقال بصوت مخــ,نوق: “يا عمي.. ده طقم دهب عيار 21، أنا بعت عربيتي اللي حيلتي وروحت الصاغة واشتريته لندى، ومش بس كده..” محمود طلع من جيبه التاني ورقة تانية وحطها في إيد بابا، وكمل: “وده تنازل رسمي وموثق عن الشقة اللي فوق أمي لندى.. الشـ,قة بقت ملكها، ومحدش له كلمة عليها، وأمي مش هتشوف وش ندى تاني ولا ندى هتنزل لها.. أنا شاري مراتي وبطلب رضاها ورضاك.”
الصالة كلها سكتت، وبابا بص للورقة وبص للطقم، وبعدين بصلي وسألني بعينيه: “رأيك إيه يا ندى؟”
جوايا كان فيه صراع رهيب.. محمود أثبت إنه شاري، وباع عربية شغله عشان يراضيني ويكسر مناخير أمه اللي كانت بتعايرني بالدهب، بس الجرح اللي في قلبي من حماتي ونظراتها لسه معلم.
بصيت لمحمود وقلتله: “الدهب والشقة مش هما اللي هيرجعوني يا محمود.. أنا ليا شرط واحد وأخير عشان خطوة رجلي تعتب باب بيتك تاني، والشرط ده لو متنفذش، كل اللي عملته ده ملوش قيمة عندي.”
محمود بصلي بلهفة وقال: “اشرطي اللي إنتي عايزاه يا ندى، لو عايزة عيوني هديهالك!”
الكل سكت ومستني يسمع الشرط اللي هيحدد مصير البيتين..
#الكاتب_رومانى_مكرم
الكل حبس أنفاسه في الصالة، وبابا وحمايا وكبار العيلة بقوا باصين لي ومستنيين الكلمة اللي هتطلع من بوقي.
بصيت لمحمود بكل جمود وقلت: “شرطي يا محمود.. إن الحاجة دولت تجيلي هنا، بيت أبويا، وقدام كبار عيلتك اللي قاعدين دول، وتعتذر لي وتطلب مني السماح وتِقر وتِعترف قدام الكل إنها هي اللي غشتني ويومها اتبلت عليا وظلمتني.. زي ما فضحتني واتهمتني بالسرقة في وسط بيتكوا، ترد لي اعتباري في وسط ناسي.”
محمود وشه اتخطف، وبص لكبار عيلته وبص لحمايا وهو محتار.. هو عارف إن أمه “الحاجة دولت” ست بنبرة ناشفة وكبرياءها واصل للسما، ومستحيل تقبل تكـ,سر نفسها وتيجي تعتذر لمرات ابنها.
لكن حمايا خبط كف بكف ووقف وقال بقوة: “حقك يا بنتي.. والشرط ده هينفذ ورقبتها مشحونة، الست اللي تغش وتتبلى عشان تداري خيبتها، لازم تدفع تمن كبرها.. قوم يا محمود، بكره بالليل أمك هتبقى هنا، ورجليها فوق رقبتها.”
وبالفعل، تاني يوم بالليل، الباب خبط. دخل حمايا ومحمود، ووراهم الحاجة دولت.. كانت داخلة وراسها في الأرض، وشها مكسور وعينيها متدارية من الخجل، مكنتش دي الست اللي كلامها ماينزلش الأرض، كانت ست انفضـ,حت حقيقتها قدام القريب والغريب.
قعدت وهي بتفرك في إيدها، وبابا أشار لي أخرج من الأوضة. وقفت قدامها، وبصت لي ونطقت بصـ,وت مرعوش ومكتوم: “سامحيني يا بنتي.. أنا غلطت في حقك، والخاتم كان مطلي وأنا اللي عملت كده.. وإنتي بنت أصول ومبتمديش إيدك على حاجة مش بتاعتك.”
بصيت لها وقلت براحة ونفس عميق: “المسامح ربنا يا حاجة.. بس عشان تعرفي إن الدينا دوّارة زي ما كنتي بتقولي لي، وإن البنات اليومين دول بيملا عينهم الأصول والكرامة.. مش الدهب الفالصو.”
أبويا بابتسامة نصر، طبطب على كتفي وقال لمحمود: “خد مرتك يا ابني، وروحوا على بيتكوا.. والشرط نور.”
رجعت بيتي وشقتي اللي بقت باسمي، مع جوز عِرف قيمتي وعِرف إن الله حق، وحماتي من يومها مبقتش تقدر ترفع عينها في عيني، وعرفت إن حبل الكدب والغش، مهما طال.. آخره لازم يقع على دماغ صاحبه.
#الكاتب_رومانى_مكرم







