مزارع اصم

نظرت إلى يديه الخشنتين الممتلئتين بالجروح القديمة.
إلى الرجل الذي عاش عمره كله يُعامل كأنه شيء مشوّه.
ثم قالت بهدوء
لأنك رغم كل ما فعلوه بك لم تؤذني يومًا.
ظل ينظر إليها.
ولأول مرة منذ دخلت هذا البيت
شعرت أن الصمت بينهما لم يعد مخيفًا.
بل صار يشبه الأمان.
وفي الخارج، استمرت الثلوج تتساقط فوق جبال الأردن الباردة
بينما شيء قديم جدًا بدأ أخيرًا يخرج من تحت الصمت.
مع أول ضوء للفجر، كانت السماء فوق جبال شمال الأردن رمادية وثقيلة كأنها لم تنم طوال الليل.
الثلج المتراكم فوق سفوح وادي الريح جعل القرية تبدو معزولة تمامًا عن العالم، كأن الجبال ابتلعتها وأغلقت عليها الصمت.
وقفت زهراء أمام الحظيرة تلفّ الشال الصوفي حول رأسها بينما أنفاسها تتحول إلى ضباب أبيض في الهواء البارد.
خلفها، خرج حيدر من البيت ببطء.
وجهه شاحب.
وعيناه غائرتان من الحمى والسهر.
لكن شيئًا داخله كان مختلفًا.
كأن جزءًا من ذلك الصمت القديم تصدّع أخيرًا.
اقتربت منه وهي تحمل كيسًا صغيرًا فيه خبز يابس وقليلًا من الجبن وبعض المال الذي أخفته سنوات داخل ملابسها القديمة.
كتبت بسرعة في الدفتر
سننزل إلى إربد.
قرأ الجملة.
ثم رفع عينيه نحو الطريق الممتد بين الجبال.
الخوف كان واضحًا على وجهه.
لكنه لم يعترض هذه المرة.
لأن الخوف نفسه لم يعد أسوأ من البقاء هنا.
قبل أن يغادرا، سمعت زهراء صوت حوافر حصان بعيد.
التفتت بسرعة.
رجل يقف أعلى التلة المقابلة للمزرعة.
يرتدي عباءة سوداء.
يراقبهما.
ما إن لمح أنها رأته، حتى استدار بحصانه واختفى بين الأشجار.
شعرت بانقباض داخل معدتها.
لقد عرفوا.
القرية كلها كانت تعرف أخبار بعضها قبل أن تكتمل أصلًا.
وأصحاب النفوذ كانوا يملكون رجالًا يراقبون الطرق والمزارع والدكاكين.
أمسكت يد حيدر بسرعة.
يجب أن نتحرك الآن.
كان الطريق إلى المدينة طويلًا .
الثلوج غطّت أجزاء كبيرة من الممرات الجبلية، والريح كانت وجوههم .
استأجرت زهراء شاحنة قديمة من أحد الرعاة حتى أوصلتهما إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى إربد، لأن سيارات القرية نفسها كانت تتجنب الاقتراب من مزرعة حيدر منذ سنوات.
طوال الرحلة، كان حيدر صامتًا.
أحيانًا يضغط يده فوق أذنه.
وأحيانًا يرفع رأسه فجأة كأنه يحاول التقاط صوت بعيد.
وفي منتصف الطريق، توقف
فجأة.
نظر حوله بتوتر.
ثم قال بصوت مبحوح بالكاد خرج من حنجرته
هذا؟
حدقت به زهراء.
ماذا؟
أشار نحو الوادي البعيد.
صوت.
استمعت للحظة.
ثم ابتسمت رغم خوفها.
مياه.
ظل ينظر نحو الوادي كطفل يسمع العالم للمرة الأولى.
مياه
كرر الكلمة ببطء شديد، كأنه يتذوقها.
شعرت زهراء بشيء يعتصر قلبها.
رجل حُرم من صوت الماء عشرين سنة كاملة.
وصلوا إلى إربد بعد الغروب.
المدينة بدت لحيدر كأنها عالم آخر.
أضواء
السيارات.
أصوات الناس.
أبواب المحلات.
رائحة القهوة والديزل والمطر.
الأذان البعيد الخارج من مسجد مزدحم.
كان يلتفت حوله بارتباك واضح.
الأصوات تصل إليه مشوشة ومتقطعة، لكنه كان يسمعها.
ولأول مرة منذ عرفته، رأته خائفًا من شيء غير الذكريات.
العالم نفسه صار مرتفعًا أكثر من اللازم.
دخلوا مستشفى حكوميًا صغيرًا.
بعد ساعات طويلة من الانتظار، دخل حيدر غرفة الفحص.
الطبيب كان رجلًا خمسينيًا هادئ الملامح.
استمع للقصة بصمت كامل.
ثم بدأ يفحص أذن حيدر بدقة.
دقائق طويلة مرت دون كلمة.
بعدها تغيّرت ملامحه فجأة.
نظر نحو زهراء ببطء.
من فعل هذا به؟
شعرت زهراء ببرودة تمر داخل جسدها.
يعني؟
تنهد الطبيب.
هذه ليست طبيعية.
والالتهابات المزمنة تدل على وجود أجسام غريبة تُركت بالداخل لسنوات طويلة.
وهذا وحده كان كافيًا السمع تدريجيًا لو تُرك دون علاج.
جلس حيدر ساكنًا فوق الكرسي.
كأنه يسمع الحكم النهائي على حياته كلها.
اقترب الطبيب منه قليلًا.
هل تتذكر ما حدث؟
أغمض حيدر عينيه.
ثم قال بصوت متقطع
ثبتوني
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى الطبيب بدا متوترًا.
ثم قال بهدوء
يجب أن نجري تدخلًا جراحيًا بسرعة قبل أن يصل الالتهاب إلى العظم.
كانت العملية طويلة.
زهراء جلست خارج غرفة العمليات ساعات كاملة، تضم التقرير الطبي داخل كأنه الشيء الوحيد الذي يبقيها واقفة.
في كل مرة يُفتح فيها الباب، كانت تنهض بفزع.
حتى خرج الطبيب أخيرًا.
الكمامة ببطء.
ثم قال
أخرجنا ثلاث قطع نحاسية صغيرة أخرى.
شعرت أن الأرض اختفت تحت قدميها.
ثلاث؟
هز رأسه.
هذا لم يكن حادثًا أبدًا.
كان هناك تخريب متعمد للأذن.
ثم نظر إليها بجدية أكبر.
إذا أردتم، يمكنكم تقديم بلاغ رسمي.
ظلت صامتة للحظة.
ثم التفتت نحو الباب المغلق خلفه.
حيدر كان بالداخل.
الرجل الذي عاش عشرين سنة كاملة داخل سجن من الصمت والخوف.
رفعت رأسها أخيرًا.
نعم.
نريد.
كتب الطبيب تقريرًا طبيًا مفصلًا، موثقًا بالإصابات القديمة وآثار الالتهاب المزمن والأجسام المعدنية التي استُخرجت من الأذن.
وللمرة الأولى منذ سنوات
أصبحت الحقيقة مكتوبة على ورق رسمي لا تستطيع القرية تحويله إلى إشاعة.
استيقظ حيدر في منتصف الليل.
كان الضوء الخافت يتسلل من نافذة الغرفة، بينما زهراء نائمة فوق الكرسي قربه.
رفع رأسه ببطء.
تألم.
لكنه فجأة سمع شيئًا.
صوتًا بعيدًا جدًا.
متقطعًا.
ثم أوضح.
الله أكبر
ارتجفت شفتاه.
نظر نحو النافذة.
الأذان.
صوت الأذان.








