عام

فيزا

أنا عندي دلوقتي خمسة وستين سنة، ومطلة بقالي خمس سنين. في اليوم اللي طليي خرج فيه من حياتي، حدفلي “فيزا بنك” في إيدي وقالي إن فيها حوالي 300 دولار (يعني حوالي 15 ألف جنيه). ملمىىىتهاش ولا جيت جنبها ولا مرة. وبعد خمس سنين، لما الدنيا ضافت بيا وقررت أسحب الفلوس، رجلي مكنتش شايلاني من الصدة.

أنا ضيت أغلب عمري “ست بيت”.
كنت متجوزة من “كمال الشاذلي” لمدة سبعة وتلاتين سنة. جوازنا مكنش مثالي، بس كان هادي.. روتين بنصحى وننام فيه، قهوة الصبح، وصبر على عيوب بعض، وراحة إننا بنعجز سوا. كنت فاكرة، ومن غير ذرة شك، إننا هنواجه أي حاجة في الدنيا وإيدنا في إيد بعض.
بس الثقة دي كلها اتهدت في محكمة الأسرة في مصر الجديدة.
الطلا.ق خلص في ثانية. مفيش زعيق.. مفيش دموع.. مجرد إمضاءات، وكلام رسمي، وشوية ورق بيخلص. وإحنا خارجين، كمال مد إيده في جيب الجاكيت وطلع الفيزا وحطها في كف إيدي. مكنش على وشه أي تعبير.
قالي ببرود: “فيها حوالي 300 دولار.. هيساعدوكي تمشي أمورك.”
كلمته دي كانت أصعب من أي خاقة مرينا بيها. أربعين سنة من عمرنا سوا اتلصوا في مبلغ ميكفيش أسبوعين! وقفت مكاني مذهولة، وبصيت عليه وهو بيمشي من غير ما يبص وراه حتى. اللحظة دي فضلت محفورة في ذاكرتي أكتر من سنين جوازنا كلها.
الكبرياء والجوع
شلت الفيزا في درج، وقررت إني مش هستخدمها أبداً.
حسيت إنها “صدقة” أو تأكيد إني خلاص اتمسحت من حياته بكلمتين. بعد الطلا.ق، حياتي صغرت قوي. أجرت أوضة صغيرة فوق محل بقالة قديم، وبقيت أصحى قبل الفجر عشان أنظف مكاتب الشركات، واتعلمت إزاي أمشي حالي بأقل وأرخص أكل. الجوع بقى صاحبي، ومفاصلي كانت بتوعني من قلة التغذية والتعب. بس برضه، الفيزا فضلت في الدرج. كنت حاسة إن لو صرفت منها، كأني بعترف إني مليش قيمة من غيره.
مرت خمس سنين..
صحتي بدأت تقع بالتدريج. وفي يوم، جسمي منهار تماماً، ووقعت قدام باب الأوضة، ومفوقتش غير في المستشفى. الدكتور قالي إني عندي سوء تغذية حاد وهبوط، ومحتاجة رعاية فورية. ولأول مرة، غريزة البقاء غلبت كبريائي.
الصدة في البنك
تاني يوم الصبح، رحت البنك. إيدي كانت بتترش وأنا بدي الموظفة الفيزا.
قلت لها بصوت واطي: “لو سمحتي، عايزة أسحب الرصيد كله.”
الموظفة فضلت تبص في الشاشة كتير، أكتر مما كنت متوقعة. وبعدين رفعت عينها وبصت لي باستغراب.
قالت لي بهدوء: “يا مدام، الرصيد اللي هنا مش 300 دولار خالص.”
قلبي انقض وقلت أكيد مفيهاش فلوس أصلاً.. لفت لي الشاشة ناحيتي.
الأرقام زغللت عيني.. مكنتش شايفة من الصدة.
987,000 دولار! (يعني داخلة على 50 مليون جنيه!)
ركبي سابت ومقدرتش أقف. في اللحظة دي، كل اللي كنت مصدقاه في الخمس سنين اللي فاتوا عن جوازي، وقيمتي، وماضيّ.. كله انهار.
خرجت من البنك وأنا تايهة، مش حاسة بالعربيات ولا بالناس اللي ماشية. حوالي مليون دولار! كشف الحساب كان فيه تحويلات شهرية ثابتة ومنتظمة، وكلها باسم واحد:
كمال الشاذلي.

منمتش ليلتها. قعدت أفتكر آخر سنة في جوازنا.. الليالي اللي كان بيسهر فيها لوحده، الحزن اللي كان في عينه وكنت فاكراه بُعد أو زهق مني، المكالمات اللي كان بيخبيها. الصور بدأت تتركب في دماغي وبقت واضحة وموعة. الصبح، قررت إني لازم ألاقي إجابات.
ركبت القطر وسافرت بلد في الأرياف في “الغربية” عشان أقابل “هدى”، أخت كمال الكبيرة. كانت عايشة لوحدها في بيت قديم وهادي. أول ما فتحت الباب وشافتني، عينيها اتملت دموع.
قالت لي بحنان: “كنت عارفة إنك هتيجي يا حبيبتي.”
سألتها بلهفة: “فين كمال؟ أنا لازم أتكلم معاه.”
سكوتها كان هو الرد. دخلت جوه وجابت صندوق خشب صغير.
قالت لي بصوت مكور: كمال ما.ت يا حبيبتي.. بقاله سنين.”

فتحت “هدى” الصندوق الخشب بإيد بتترش، وطلعت منه جواب متطبق، وقالتلي بصوت واطي: “كمال سابلك الجواب ده، وقالي مدهولكيش غير لما تيجي تسألي بنفسك.”
مسكت الجواب، وبمجرد ما شفت خط إيده، قلبي اتنض.. الجواب كان بيقول:
“يا عشرة عمري، يا أطيب قلب قابلته..
أنا عارف إنك دلوقتي بتكريني، وشايفة إني رصت سنيننا سوا بـ 300 دولار. بس كان لازم أعمل كدة. لما عرفت إني مريض بـ ‘المرض ’ (السـ,ـرطان) والدكاترة قالوا إن أيامي معدودة، مكنتش عايزك تشوفي ضعفي، ولا تخلصي قرشك وصحتك في المستشفيات وأنا بضيع قدام عينيكي.
كان لازم أبعدك عني عشان تبدأي حياة جديدة بعيد عن ريحة المر.ض والمو.ت. طلتك وأنا قلبي بيتطع، ومثلت البرود عشان تقىىىي قلبك عليا وتنسيني. الفيزا دي مكنش فيها 300 دولار، دي كانت كل ثروتي، وكل مليم كنت بحوشه طول عمري كان عشان تأمّنك. كنت ببعت نصيبي من المعاش وأرباح الشركة كل شهر للحساب ده عشان لما أمشي، متتحوجيش لمخلوق.
سامحيني إني قىىىيت عليكي، بس ده كان النوع الوحيد من الحب اللي قدرت أقدمهولك في الآخر.. حبيت أحميكي حتى من حزني عليا.”

لحظة الحقيقة
وقعت من طولى وأنا برخ وببكي.. الخمس سنين اللي عشتهم في فقر وتعب وجوع، وهو كان شايل همي حتى وهو بيمو.ت! البرود اللي شفته في المحكمة كان “قناع” عشان يحميني. هو مبعنيش، هو اشترى راحتي بأغلى تمن ممكن يدفعوا راجل: سمعته في نظري.
هدى كملت كلامها وهي بتمسح دموعي: “كمال كان بيتابع أخبارك من بعيد لبعيد لحد آخر يوم في عمره. كان بيوصيني عليكي، ويقولي ‘هي قوية وهتستحمل، بس الفلوس دي اللي هتسندها لما الدنيا تضيق عليها’.”
الدرس المستفاد (الخلاصة)
رجعت قتي الصغيرة، بس المرة دي وأنا “غنية” مش بس بالفلوس، غنية بالحب اللي اكتشفته بعد فوات الأوان. اتعلمت من الحكاية دي دروس غيرت نظرتي للحياة:
* المظاهر خاعة: أحياناً القىىىوة اللي بنشوفها من اللي بنحبهم بتكون قمة التحية عشان مصلحتنا، بس إحنا بنحكم بالظاهر.
* قيمة الكرامة: كبريائي اللي منعني ألمس الفيزا 5 سنين هو اللي خلاني أحس بقيمة القرش اللي بيجي من تعبي، بس برضه علمني إن “السؤال” أحياناً بيكون ضرورة مش ضعف.
* التخطيط للمستقبل: كمال رغم غلطة “السر” اللي عملها، إلا إنه أمن مراته من در الزمن، وده درس لكل راجل وست إن الأمان المادي مهم جداً.
الخاتمة:
قررت أتبرع بجزء كبير من الفلوس دي لعمل مستشفى لعلاج الحالات اللي زي كمال، وفتحت بيت كبير لاستضافة الستات اللي ملهمش عائل. الفلوس مكنتش مجرد “ورق”، كانت “رسالة اعتذار” مأخرة من كمال.. وأنا قبلت الاعتذار.
تمت
لو عجبتك القصه وعندك ادعمها بلايك وكومنت لاستمرار الباقي مع تحياتي نور محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى