مزارع اصم

أدخلت طرف الملقط المعدني أكبر.
الرجل شد أسنانه من الألم.
شيء ما كان عالقًا عميقًا.
سحبت ببطء.
وفجأة
ثم قطعة معدنية صغيرة داخل الصحن الفخاري بصوت خافت.
تجمّدت.
قطعة نحاس صغيرة.
حادة الأطراف.
ومحفور عليها هلال صغير يشبه رمز المسجد القديم في القرية.
رفع الرجل رأسه فجأة.
حدق بالقطعة.
ثم حدث شيء لم تتوقعه أبدًا.
بكى.
ليس كبكاء مرتفع
بل بصمت كامل.
دموع نزلت من عينيه المفتوحتين كأن ذكرى داخله دفعة واحدة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
ما هذه؟
كان يتنفس بصعوبة.
ثم تحركت شفتاه ببطء شديد.
ز
تجمّد جسدها بالكامل.
هو
يتكلم؟
زهراء.
خرج اسمها مبحوحًا، متكسرًا، كأنه صوت لم يُستخدم منذ سنوات طويلة.
غطّت فمها .
لم يناما حتى الفجر.
أما هو، فجلس ممسكًا الدفتر بيد مرتجفة.
ثم بدأ يكتب.
أنا لم أولد أصم.
شعرت أن قلبها توقف لحظة.
رفع عينيه نحوها.
ثم أكمل.
كنت أسمع كل شيء.
كلمات قليلة.
متقطعة.
لكنها كانت كافية لفتح باب عمره عشرون سنة.
كتب عن طفولته.
عن والده.
عن الأرض الواقعة قرب الينابيع الجبلية.
وعن الطريق القديم الذي تمر منه تجارة كثيرة لا يحب الناس الكلام عنها.
ثم كتب اسم صاحب الجمعية.
بعدها توقف طويلًا.
أنفاسه أصبحت أثقل.
ثم كتب
أبي رفض بيع الأرض.
تسارعت نبضات قلبها.
سمعتهم خلف المسجد القديم.
هو والطبيب ورجل من البلدية.
هددوا أبي.
رفعت عينيها عنه ببطء.
كان وجهه شاحبًا تحت ضوء .
لكن نظرته هذه المرة لم تكن نظرة رجل مخيف.
بل نظرة رجل عاش سنوات داخل رعب لم يفهمه أحد.
أكمل الكتابة بصعوبة.
بعد يومين أبي.
قالوا .
لم يكن .
شعرت بأنفاسها تضيق.
ثم جاءت الجملة التي جعلت البرد يختفي تمامًا من حولها.
أخذوني للطبيب.
توقفت يده للحظة.
ثم تابع.
ثبتوني بالقوة.
أغمضت عينيها.
كنت .
ثم لم أعد أسمع جيدًا.
ثم خفت من الكلام.
ثم صار الصمت أسهل.
نزلت دمعة ساخنة فوق خدها دون أن تشعر.
طوال عمرها صدقت ما يقوله الناس عنه.
الوحش.
المجنون.
الرجل المخيف.
لكن الحقيقة؟
كان طفلًا محطمًا تُرك وحده حتى تحول ألمه إلى شيء يخشاه الجميع.
رفعت رأسها نحوه.
لماذا لم تخبر أحدًا؟
ابتسم ابتسامة قصيرة مكسورة.
ثم كتب
لا أحد أراد أن يسمع.
ساد الصمت طويلًا.
بهدوء.
والريح تعصف خارج البيت.
ثم كتبت هي ببطء
سنذهب إلى طبيب خارج القرية.
ما إن قرأ الجملة حتى تغير وجهه فورًا.
هز رأسه .
خوف حقيقي ظهر داخل عينيه.
سيعرفون..
شعرت بقلبها ينقبض.
اقتربت منه أكثر.
لن أتركهم يفعلون.
حدق فيها طويلًا.
كأنه لا يفهم لماذا تساعده.
لماذا تصدقه.
لماذا لم تهرب منه مثل بقية الناس.
ثم كتب ببطء شديد
لماذا؟








