من خمس سنين

وحسيت إن نفسي اتقطع.
لكن صوت الأجهزة رجعني.
أنا دكتورة.
والمريضة قدامي.
مش أختي.
دخلنا العمليات.
وأربع ساعات كاملة
كنت بحارب علشان أرجعها للحياة.
مش علشان سامحتها.
لكن علشان ضميري ما يسمحليش أسيب حد .
خرجت من العمليات الصبح.
مرهقة.
ومش قادرة أفكر.
ورحت على غرفة الانتظار.
ولأول مرة من خمس سنين
شفت أهلي.
شعر أبيض أكتر.
ووشوش تعبانة.
لكنهم هم.
أبويا أول ما شافني وقف.
وقال بسرعة
يا دكتورة بنتي عاملة إيه؟
في الأول
ما عرفنيش.
شاف البالطو الأبيض.
وشاف الدكتورة.
بس.
لكن لما عينه نزلت على البادج المعلق على صدري
وقرأ اسمي بالكامل
وشه فقد لونه.
وأمي مسكت دراعه.
وبصتلي كأنها شايفة شبح.
في اللحظة دي
حكايات بسمه
الألم والندم بدأت تطلع على وجوههم، وجسد أبيها ارتجف شوية، وكأن الأرض تحت رجليه.
فضل باصص على البادج المكتوب عليه د. دينا محمد رئيسة قسم جراحة الطوارئ، وعينيه مش مصدقة اللي بتقرأه. لحد ما رفع رأسه ببطء شديد، وبص لوشها، وبدأت الملامح تتضح قدامه، بعد خمس سنين كاملة ما شافهاش ولا سمع صوتها.
كانت دينا واقفة قدامهم، بالبالطو الأبيض، وشعرها مربوط للوراء، وعينيها تعبانة من أربع ساعات عمليات متواصلة، لكن نظراتها كانت ثابتة، بلا حقد ولا فرح، بس فيها برودة سنين القطيعة كلها.
سأل أبوها بصوت مبحوح، بالكاد يطلع من حلقه دينا؟ إنتِ دينا بنتي؟
ردت بصوت هادئ، واضح، بلا زيادة ولا نقصان أيوة يا عمي. أنا دينا.
كلمة عمي بس، كانت كفيلة تخلّي قلب أمها يتقطع. خمس سنين كانت بتقول عليها بنت ضاعت، ما لها قيمة، واتعلمت إنها وطُردت من الكلية، وإنها خجلانة من نفسها ومش عايزة تظهر. وكل يوم كانت بتعيط في سرها، لكن كانت بتقول لنفسها هي اللي اختارت الطريق الغلط، مش احنا اللي قفلنا في وشها.








