أخبار

من خمس سنين

لكن دلوقتي؟ قدامها بنت بالبالطو الأبيض، ولقب دكتورة، ورئيسة قسم في مستشفى كبير، واسمها مكتوب بكل فخر على البادج. كل اللي رشا قالته انهار فجأة، وبدأت الشكوك تدخل قلوبهم، وبعدها اليقين.
قرب أبوها خطوة صغيرة، ويده  إزاي ده يحصل؟ إزاي بقيتِ دكتورة؟ رشا قالتلنا إنك في أول سنة، وطردوكي، وإنك كنتِ بتضيعي وقتك ومش بتدرسي، وإنك مكسوفة تكلمنا عشان كده
بتقطعي كل حاجة!
ابتسمت دينا ابتسامة باهتة، فيها مرارة السنين كلها، وقالت رشا قالت لكم كده؟ ولا حد فيكم فكر يسألني؟ ولا حد فكر يفتح رسالة من الرسايل الكتير اللي كنت ببعتها كل شهر؟ ولا حد فكر ييجي يشوف التخرج اللي حجزت لكم فيه مقاعد في أول صف؟ ولا حد فكر يكلمني في يوم فرحي؟
كل سؤال كان بيجي لهم. أمها بدأت تعيط، ومسكت وشها بإيديها، وقالت بصوت متقطع كنت فاكرة إنك مش عايزة تتكلمي، وإنك غلطانة ومش عايزة تواجهينا رشا قالت إنك قلتلها إنك هتغيري حياتك ومش هتكلمي حد فينا، وإنك شايفة إننا بنحكم عليكِ بسرعة
ردت دينا بجدية، وعينيها ما بتنزلش دموع رشا كذبت. من أول يوم سافرت إسكندرية، كانت بتغير كلامي، وبتحرف الرسايل، وبتزرع في قلوبكم الشك. كل مرة كنت أقولها إن الدراسة صعبة، وإن المنهج كبير، كانت بتقول لكم إني مش قادرة أستمر. لما كنت أشتكي من التعب، كانت بتقول لكم إني بضيع وقتي. وآخر مرة قالت لكم إني وطردت، وبدون أي سؤال، قفلتوا تليفوناتكم، ورديتوا جواباتي مقفولة، ونسيتوا إن لكم بنت اسمها دينا.
سكتت لحظة، وبدأت تسترجع الكلام كنت ببعت لكم كل شهر جواب، أشرح فيه دراستي، ونجاحي، وإنني باجتهد. كنت ببعت لكم صور الكتب، ونتائج الامتحانات، بس كلها كانت بتترجع لي، مغلقة، زي ما تكونوا مش عايزين تعرفوا الحقيقة. لما تخرجت، كنت فاكرة إنكم مهما حصل هتجوا،
بس الكراسي فضلت فاضية. وفي فرحي، وقفت لوحدي تقريبًا، وكنت فاكرة إنكم على الأقل هتسألوا عني، بس محدش

سأل.
أبوها اتأثر، وبدأت الدموع تلمع في عينيه، وقال وإزاي كملتِ؟ وإزاي وصلتِ لليوم ده؟
ردت دينا، وهي بتحس بتعب العمليات اللي لسه موجود كملت عشان حلمي، وعشان أثبت لنفسي قبل أي حد. درست ليل ونهار، اشتغلت في إجازاتي عشان أدفع مصاريفي، سهرت أيام كتير في المستشفى، وكنت بحس إن الدنيا كلها ضدي، بس كنت بقول لنفسي مش هخلي كذبة تضيع تعبي. نجحت بامتياز، أخذت الماجستير، وبعدها التخصص في الجراحة، واشتغلت لحد ما بقيت رئيسة القسم ده. كل ده، وكل ما كنت أحقق إنجاز، كنت أتمنى إنكم تعرفوا، بس الباب كان مقفول من عندكم.
في اللحظة دي، خرجت الممرضة من غرفة العناية المركزة، وقالت لدينا يا دكتورة، المريضة مستقرة دلوقتي، النزيف وقف، وهي في حالة أمان، بس محتاجة راحة تامة.
هزت دينا راسها، وقالت تمام، أي تغيير في حالتها بلغوني فورًا.
بعدين التفتت لأهلها، وقالت بهدوء رشا نجت، والعمليات نجحت، وهي دلوقتي مستقرة. ده كل اللي أقدر أقوله كدكتورة. أما كأخت فما عنديش كتير أقوله.
أمها قربت منها، ومدت إيدها عشان تلمسها، بس دينا رجعت خطوة للوراء، وقالت متلمسنيش من فضلك. خمس سنين، وكل ما كنت أحتاج لكم، ما كنتوش موجودين. لما كنت أفرح، ما كنتوش معايا. لما كنت أتعب، ما كانش حد يسأل عني.

دلوقتي، لما رشا وقعت، جيتوا، وشفتوني، وعرفتوا الحقيقة. بس الجرح مش بيلتئم بسرعة.
أبوها قال بصوت متألم احنا غلطنا يا دينا، غلطنا إننا صدقنا من غير ما نتأكد، وغلطنا إننا تركناكي، وغلطنا إننا استسلمنا للكلام. بس ارحمينا، احنا أهلك، وندمنا، وكل يوم كنا بنحس إننا فقدنا بنتنا، بس ما كنا نعرف الطريق.
ردت دينا الطريق كان مفتوح. تليفوني كان شغال، رسايلي كانت بتوصل، عنواني كان معروف. بس أنتم اخترتوا تصدقوا الكلام السهل، بدل ما تسألوا البنت اللي كبرتوا عليها. رشا كانت دايماً تحب تكون الأفضل، دايماً تحب تاخد الاهتمام كله، وكنت أنا في الطريق، فحاولت تزيلني بكذبة. ونجحت، لإنكم سمحتوا لها.
بدأت تشرح أكتر، والكلام بيطلع معاه مرارة السنين كنت بسمع من صديقاتي إنها بتقول لكم إنني عايزة أتجاهلكم، وإنني مش عايزة أكون معاكم، وإنني اخترت حياتي بعيد عنكم. وصدقتوها. لما كنت ببعت صور تخرجي، كانت بتقول لكم إنها صور وهمية، أو إنها من كلية تانية. لما كنت ببعت نتائج الامتحانات، كانت بتقول إنها مزورة. وكل مرة، كنتم بتأكدوا من قراركم إنكم تبعدوني.
أمها بكت أكتر، وقالت ما كنتش أتخيل إنها تعمل كده، ما كنتش أتخيل إنها تكرهك للدرجة دي كانت بتقول إنها بتحاول تصلح الأمور، وإنك اللي
مش راضية تتكلمي
لأنها عرفت إنكم بتصدقوها أكتر مني، قالتها دينا بثقة. كانت تعرف إنها الكبرى، وإنها اللي قاعدة جنبكم، وإن الكلام منها بياخد وزن أكبر. فاستغلت المكانة دي، وضيعتني، وضيعتكم معايا.
بعد فترة، سمحوا لهم يدخلوا يشوفوا رشا. كانت مستلقية، وجهها شاحب، والأنابيب موصولة بيها، وعينيها مغمضة. جلسوا جنبها، وانتظروا لحد ما فتحت عينيها ببطء.
أول ما شافت أمها وأبوها، ابتسمت ابتسامة ضعيفة، وقالت بصوت واطي ماما بابا إيه حصل؟
أبوها قال لها بجدية حصل كتير يا رشا. كتير أوي. دينا هي اللي عملتلك العملية، وهي اللي أنقذت حياتك.
اتسعت عيني رشا، وبدأت ترتعش، وقالت دينا؟ دينا فين؟ هي هنا؟ إزاي؟
أمها قالت لها بصرامة، وهي بتمسك إيدها إزاي؟ إزاي بقيت دكتورة، وإزاي نجحت، وإزاي وصلت لليوم ده، رغم إنك قلتي لنا إنها وطردت؟ إيه الكلام اللي قلتيه؟ ليه كذبتِ علينا؟
شافت رشا إن الحقيقة اتكشفت، وبدأت تعيط، وبدأت تعترف، بصوت متقطع أنا أنا كنت خايفة كنت خايفة إنها تنجح، وإنها تكون أحسن مني، وإنكم تحبوها أكتر. هي دايماً كانت أذكى، وأنا كنت بحس إنني مش في مستواها. لما سافرت إسكندرية، وبدأت تقول إن الدراسة صعبة، استغلت الفرصة، وبدأت أحرف الكلام. قلت لكم إنها مش قادرة،

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى