سلفتي اتخانقت مع جوزها

فضلت على الحال ده لمدة ثلاثة أيام كاملة. كل يوم فطار وغدا وعشا عندي حماتي، ومحمود جوزي لما كان يرجع من الشغل ملقيش لقمة في الشقة فوق، ينزل ياكل تحت معانا وهو حاسس بالذل والإحراج قدام أمه، لأنه شايف مراته وعياله عايشين على إيد غيرهم وهو راجل وشقيان.
في اليوم الرابع، بدأت الخطة تجيب مفعولها الحقيقي. شيماء سلفتي لما لقت إن محمود مبقاش يطلعلها بالفلوس جاهزة، وإن السهولة اللي كانت بتاخد بيها شقا جوزي اتقطعت، بدأت تزن على أحمد عشان ينزل يشتغل، وأحمد بدأ يزهق من قعد البيت ومن الخناق اللي ملقيش حد يداريه.
أما حماتي، فميزانيتها بدأت تخرم، ومصاريف أكلنا كل يوم بدأت تضغط عليها، وعرفت إن كلمة “بتاكلي من خيري” اللي قالتها في لحظة غضب كلفتها كتير. وفي ليلة، وأنا قاعدة مع حماتي في الصالة بعد العشا، ومحمود كان لسه راجع من بره وتعبان، دخل أحمد أخوه الصغير وعلامات الضيق على وشه، وبص لمحمود وقال بنبرة فيها عتاب قوي: “جرى إيه يا أبو البنات؟ بقالك كام يوم إيدك ناشفة مع أم أمير، والبيت مفيش فيه اللقمه، وأنت عارف البير وغطاه وعارف إن الشغل مريح معايا!”
محمود لسه هيتكلم ويبرر بضعفه المعتاد، لكن أنا وقفت في وسط الصالة، وبصيت لأحمد وحماتي، وجهزت كلامي اللي هيقلب التربيزة تماماً على الكل…
وقفت في وسط الصالة، وحطيت إيدي في وسطي وبصيت لأحمد بنظرة كلها ثقة وقوة، وقولتله بصوت مسمع هز جدران البيت: “جرى إيه يا أبو أمير؟ أنت بتعاتب أخوك الكبير إنه منشف إيده معاك؟ ولا كأنك بتطالبه بنفقة متأخرة! هو محمود كان اتجوزك أنت ومراتك وأنا مش دريانة؟!”
أحمد وشه احمر واتعصب وقال: “جرى إيه يا هدى؟ لِمي لسانك، أنا بكلم أخويا الكبير، والدم عمره ما يبقى مية، وهو طول عمره بيشيلني في الأزمات.”
رديت عليه بضحكة استهزاء: “الأزمات دي لما تكون راجل شقيان وربنا كارمك ويجي عليك وقت تقع فيه، مش لما تكون مقضيها على القهوة عشر أيام وتشتغل يوم واحد وتستني أخوك يرجع هادد حيله وشايل طوب عشان يديك شقاه وعرق عياله! الدم مش مية يا سيدي، بس عرق جوزي مش مية برضه عشان تدلقوه في الأرض.”
حماتي وقفت وزعقت: ” جرى إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ هتسوقي فيها ولا إيه؟ ما خلاص عدينا الأيام اللي فاتت وأكلتي أنتِ وعيالك وجوزك من خيري ومن قُوتي لما قُلتي معندناش، جاية دلوقتي تعملي فتنة بين الأخوات في بيتي؟”
بصيت لحماتي بكل برود وقولت: “لا يا حماتي، أنا مبعملش فتنة، أنا جاية أرجع الحق لأصحابه. والأيام اللي فاتت دي أنا جيت أكلت عندك عشان أعرفك إن كلمة (خيرك) دي غالية أوي، واللقمة اللي كنا بناكلها عندك كانت بتطلع من عنينا قصادها كلام يوجع. فمادام محمود معاه فلوس ومبيحوشهاش لبيته وبيديها لأخوه، يبقى أولى بيه يأكلنا هو من شقاه، وأخوه ينزل يشوف لقمة عيشه.”
لفيت لمحمود اللي كان قاعد حاطط راسه بين إيديه من كتر الكسوف والخزي، وقولتله: “سمعت يا محمود؟ سمعت أخوك بيقولك إيه؟ بيعاتبك على شقاك اللي كنت بتحرمنا منه! وسمعت والدتك بتقول إيه؟ عيرتنا باللقمة اللي أكلناها! ها يا أبو البنات؟ هتروح تفتح الدرج وتديله الـ ١٠٠٠ جنيه وتبيت عيالك من غير عشا تاني، عشان ترضي الناس على حساب لحمك ودمك؟”
محمود رفع راسه، وبص لأخوه ولأمه، ولأول مرة أشوف في عينه نظرة غضب حقيقية مش كسرة. وقف على حيله وبص لأحمد وقال بصوت حازم: “هدى معاها حق يا أحمد.. أنا اتقصمت ومبقتش قادر، وشقايا أولى بيه عيالي. من النهاردة كل واحد فينا يشيل شيلته، والشغل على قفا من يشيل في البلد، انزل وشوف لقمة عيشك ومتبصش في جيب غيرك.”
أحمد اتصدم من رد فعل محمود اللي عمره ما قاله “لا”، وحماتي برقت ومكنتش متوقعة إن ابنها الكبير يقف في وشها ووش أخوه الصغير عشان مراته.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط ورزع فوق.. شيماء كانت نازلة على السلم وهي شقا عينيها برضه، وشايلة الشنطة ومنهارة من العياط وبتقول: “بقى كده يا أحمد؟ مخليني قاعدة فوق جعانة ومستني أخوك يديك حسنة؟ أنا ماشية ورايحة لأهلي ومش هقعد في البيت ده تاني!”
أحمد بص لمحمود مستني منه يتحرك أو يجري وراها كالعادة ويمسكها ويديها فلوس، ومحمود بصلي أنا.. وأنا بصيتلهم كلهم بابتسامة نصر، والخطوة اللي جاية كانت هي القاضية اللي هتقلب موازين البيت كله…
شيماء كانت واقفة على السلم عيناها بتلف بيننا مستنية حد يجري وراها ويمسك فيها كالعادة، وأحمد عينُه كانت على جيب محمود مستني الفلوس تطلع. أحمد بص لمحمود بزعيق وقال: “مش هتلحق سلفتك يا محمود؟ هتسيبها تخرج بفضيحة وسط البلد؟”
محمود بصلي وهو متردد، فأنا أخدت خطوتين بكل ثقة لحد باب السلم، وبصيت لشيماء وقولت بعلو صوتي المسمع: “مع السلامة يا شيماء، طريق السلامة يا حبيبتي وأنتي رايحة لأهلك.. بس وأنتي بتشتكي وبتقولي معندناش أكل، خدي بالك وقوليلهم الحقيقة كاملة! قوليلهم أنا غضبانة عشان جوزي مبيشتغلش ومقضيها على القهوة، مش عشان محمود مأصر معاكم! وقوليلهم إن أخو جوزي هو اللي كان شايل مصاريف بيتي وعلاجي ولبن ابني الشهور اللي فاتت دي كلها من قوت عياله لحد ما حيلته اتقطعت!”
شيماء اتسمرت مكانها على السلم، ووشها بقى يجيب ألوان، لأن اللعبة اتكشفت والبلد كلها لو عرفت هتعرف إن العيب في جوزها مش في قلة أصل من بيت عيلته. لما لقت مفيش فايدة ومحدش هيجري وراها بفلوس، نزلت جري وهي بتعيط من قهرتها ومشت فعلاً بره البيت.
أحمد لما شاف مراته مشت بجد ومحدش وقفها، اتجنن وبص لمحمود وقال بغل: “بقى بتسمع كلام مرأتك يا محمود؟ بتخرب بيتي عشان خاطر كلام حريم؟”
حماتي قامت من مكانها وهي بتصرخ وتلطم على صدرها: “يالهوي يا فضيحتنا في البلد! الست مشت وغضبت وأهلها ناس صعبة ومش هيعدوها.. منك لله يا هدى يا حرباية، دخلتي بيتنا ووقفتي الأخوات في وش بعض وخربتي البيت!”
هنا محمود نطق، وصوته كان قوي وزلزل جدران الصالة لأول مرة: “للاحد هنا وبس يا أمي! هدى مخربتش حاجة، هدى فوقتني من الغيبوبة اللي كنت فيها. أنا اللي كنت هخرب بيتي بإيديا عشان أداري على خيبة أخويا.. أحمد طول ما هو شايف جيب ممدود له وعارف إن فيه مغفل هيدفع، عمره ما هيتحرك من على القهوة، ومراته واخدة الغضب نمرة ووسيلة عشان تبتزني وتلم فلوس شقايا وعرق عيالي.”








