جوزي كل اسبوع يعطر

وصلتُ إلى الصالة، ونظرتُ نحو الباب الخارجي الذي كان يهتز تحت وطأة ، وفجأة، تحطم قفل الباب الخارجي، واندفع إلى داخل الشقة ثلاثة رجال… كان في مقدمتهم شقيقي الأكبر “أحمد”، وبصحبته اثنان من أصدقائه!
أحمد لم ينتظر؛ بمجرد أن رآني من جبهتي وعلامات على رقبتي،بغضب عارم واندفع نحو المطبخ حيث كان ياسر يحاول الخروج مسكاً بذراعه النازفة. في ثوانٍ معدودة، تحولت الصالة إلى ساحة عراك آخر، حيث أحمد وأصدقاؤه على ياسر حركته تماماً وطرحوه أرضاً.
ارتميتُ في زاوية الصالة وأنا أبكي بهستيرية، وجسدي كله ينتفض. التفت إليّ أحمد بعد أن تأكد من تقييد ياسر بالكامل، واقترب مني قميصه ليضعه على وهو إليه قائلاً بصوت يرتجف من :
“فريدة! أنتِ كويسة؟ إيه اللي حصل؟ دكتورة سلمى كلمتني وقالتلي إنك رحتيلها وإن كلامك قلقها جداً، ولما جيت أتصل بيكي لقيت تليفونك مقفول.. قلبي حس إن فيه وجيت جري!”
نظرتُ نحو ياسر الملقى على الأرض؛ كان ينظر إليّ بنظرات غريبة، لم تكن نظرات ندم، بل كانت نظرات حسرة وكأن الوهم الجميل الذي عاش فيه لسنوات قد تحطم الآن إلى الأبد أمام عينيه.
أخرج أحمد هاتفه بسرعة واتصل بالشرطة والإسعاف وهو يصرخ في الهاتف ليبلغ عن محاولة
لكن، بينما كنا ننتظر وصول الشرطة، وياسر مقيد على الأرض، التفتَّ إليّ فجأة بابتسامة صفراء مرعبة، وبالرغم من ألمه والنزيف، قال بصوت هادئ ومخيف هز كياني مجدداً:
“فاكرة إن الموضوع خلص يا فريدة؟ فاكرة إنك لما تمشي من هنا هتخلصي مني؟ السر اللي في الدرج مش مجرد مذكرات… رانيا ما في عادية يا فريدة… رانيا أنا اللي…”
ولم يكمل جملته، لأن أحمد بقدمه ليصمته، لكن الكلمات كانت قد استقرت في عقلي جديدة. أنفاسي تصاعدت، ونظرت إلى باب الشقة بانتظار الشرطة، وأنا أشعر أن لم ينتهِ بعد، بل بدأ يأخذ منحنى أكثر مما تخيلت!
الكاتب_رومانى_مكرم
الجزء السادس
ساد صمت رهيب في الصالة بعد الكلمة المبتورة التي نطق بها ياسر. “رانيا أنا اللي…”! هل كان يقصد أنه ؟ هل كانت تلك الطقوس، وذلك الجنون بالعطور، ليس مجرد حزن مرضي على فراقها، بل كان شعوراً هائلاً بالذنب ومحاولة للتكفير عن ارتكبها في الماضي؟
انقطع النَفَس في صدري، وتجمدت في عروقي وأنا أستمع إلى صوت حركة الباب الخارجي. الصوت كان بطيئاً، حذراً، وكأن مَن بالخارج يحاول ألا يصدر أي جلبة. من يمكنه الدخول إلى أغلقتها الشرطة بالشمع الأحمر أو تحفظت عليها؟ ومن يملك نسخة من المفتاح غيري أنا وياسر؟
ياسر في الحجز، وأحمد نائم في بيت العائلة… الأفكار دارت في عقلي . نظرتُ إلى جهاز التسجيل والتقرير الطبي في يدي، وشعرت أنني لستُ ممسكة بأوراق، بل موقوتة قد في وجهي وتنهي حياتي في ثوانٍ.
تحركتُ بخطوات أشبه بالطيران، دون أن أصدر أي صوت. دخلتُ خلف ستارة الشرفة الثقيلة الموجودة في غرفة المكتب، وحبستُ أنفاسي تماماً، واكتفيتُ بالنظر من خلال شق صغير جداً يطل على الممر المؤدي لصالون الشقة.
انفتح الباب الخارجي بالكامل، ودخل شخص… لم يكن ياسر.
كان رجلاً في أواخر الأربعينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ملامحه كانت صارمة، وعيناه تلتفتان حول المكان بحذر شديد. لم أرَه من قبل في حياتي، لكن حركاته كانت تدل على أنه يعرف الشقة جيداً. تحرك مباشرة نحو غرفة المكتب دون أن يتردد ثانية واحدة!
دخل الغرفة التي أختبئ فيها. كنتُ أرى طيفه من خلف الستارة. توجه فوراً نحو المكتبة الكبيرة، وتحديداً نحو الرف العلوي حيث كان ديوان الشعر!
بدأ يفتش بيده في التجويف الخشبي، وعندما لم يجد العلبة المعدنية، صدرت منه تنهيدة غضب حارقة، حافة المكتب بقبضة يده وهو يتمتم بغيظ:
“راحت فين؟ مستحيل البوليس يكون وصلها بالسرعة دي!”
أخرج هاتفه المحمول بسرعة، وضغط على زر الاتصال، وانتظر لثوانٍ قبل أن يأتيه الرد، ليتحدث بصوت منخفض ومثقل بالتوتر:
“أيوة يا باشا… أنا في الشقة حالا. العلبة مش موجودة في مكانها ورا الكتاب! ياسر شكله غفلنا وشالها في مكان تاني قبل ما يتم القبض عليه، أو أن مراته لقتها… البوليس شمع الشقة بس أنا دخلت من باب المطبخ اللي ورا زي ما قولتلي… العمل إيه دلوقتي؟ الشريط ده لو وقع في إيد النيابة، مش بس ياسر اللي ، إحنا كمان هنروح في داهية! القضية القديمة بتاعة رانيا لو اتفتحت، اسم المستشفى والتقرير المزور هيخربوا بيوتنا كلنا!”
توسعت عيناي من فرط . التقرير الطبي الذي في يدي… لم يكن مجرد تقرير، بل كان دليلاً على مؤامرة وتواطؤ من مستشفى كبير أو أطباء ذوي نفوذ للتغطية على رانيا وتقييدها ضد مجهول أو كجرعة زائدة بالخطأ! وهذا الرجل أرسلته جهة ما لتطهير المكان وإخفاء الدليل قبل أن تصل إليه يد العدالة.
تابع الرجل حديثه على الهاتف وهو يتحرك في أرجاء الغرفة، يقترب أكثر فأكثر من الستارة التي أختبئ خلفها:
تحول انتباه الرجل في ثانية واحدة. ترك الستارة وتراجع للخلف، وأخرج من جيب جاكيته مسدساً أسود صغيراً بكاتم صوت! التفت نحو الباب مستعداً لإطلاق على أحمد بمجرد دخوله الغرفة.
عرفتُ أن أحمد في ، وأنه لا يملك أي فكرة عن وجود رجل مسلح في الداخل. تملكتني شجاعة يائسة؛ خرجتُ من خلف الستارة وبكل قوتي دفعتُ الكرسي الخشبي الثقيل للمكتب نحو ظهر الرجل، به ويفقده توازنه، وصرختُ بأعلى صوتي:
ة كالجبال. وفي صباح اليوم الرابع، أيقظني أحمد وعلى وجهه علامات دهشة وذهول غير طبيعيين. قال لي بصوت منخفض:
“فريدة… البوليس لقى الزجاجة التانية في البلد… ولقوا معاها مصيبة أكبر.”
ارتديت ملابسي وتحركتُ مع أحمد إلى مقر النيابة العامة مجدداً لاستكمال الأقوال بعد المستجدات الأخيرة. هناك، التقينا بوكيل النيابة الذي كان يبدو عليه الإرهاق الشديد جراء السهر ومتابعة
نظر إليّ وكيل النيابة بنظرة إشفاق، ثم أخرج من درج مكتبه كيساً بلاستيكياً شفافاً ومحرزاً، وبداخله زجاجة عطر قديمة جداً، مختلفة تماماً عن زجاجتي وزجاجة رانيا. كانت زجاجة ذات طراز كلاسيكي قديم، وبجوارها في كيس آخر… بطاقة شخصية ممزقة لامرأة، وصورة فوتوغرافية صغيرة.
قال وكيل النيابة:
“قوة المباحث حفرت في المكان اللي اعترف عليه ياسر في بيته القديم. لقوا الزجاجة دي بريحة ‘الياسمين البري’.. ولقوا معاها مقتنيات وبقايا تخص السيدة ‘ماجدة…’، وهي الزوجة السرية الأولى لخالِك ‘سليمان’.. الست دي اختفت من عشر سنين وقيدتوا المحضر وقتها اختفاء غامض!”
انقطع النَفَس في صدري تماماً، وشعرتُ أن جدران الغرفة تضيق عليّ حتى تكاد تسحقني. خالي سليمان؟ ماجدة؟
تابعتُ تتوالى وأنا أستمع لوكيل النيابة وهو يكمل بصوت حازم:
“ياسر انهار تماماً النهاردة الصبح واعترف بالسر الأكبر. ياسر ماجدة… ياسر كان مجرد صبي ومساعد لخالك سليمان! خالك سليمان هو السلسلة الأولى في الموضوع ده، وهو اللي علم ياسر الطقوس دي، ولما ياسر شاف خاله بيخلص من مراته ويعطرها بالياسمين عشان يفضل محتفظ بريحتها وما ينكشفش أمره، ياسر اتعلم منه وطبق ده مع رانيا.. ومعاكي!”
نظرتُ إلى أحمد الذي وقف فجأة وهو يصرخ غير مصدق:
“مستحيل! خالي سليمان رجل دين ومحترم والناس كلها بتحلف بأخلاقه! إزاي يكون هو اللي علم ياسر؟ وإزاي يكون مراته الأولى؟”
رد وكيل النيابة بهدوء مخيف:
“المرض النفسي والشر ملوش مظهر يا أحمد. ياسر اعترف إن خاله سليمان هو اللي كان بيحميه طول السنين اللي فاتت، وخالك هو اللي استخدم نفوذه مع المستشفى الاستثماري عشان يزور تقرير رانيا القديم ويطلع ياسر منها زي الشعرة من العجين… لأن خالك كان عارف إن ياسر لو اتكشف، هيجر رجله معاه في ‘ماجدة’ القديمة!”
شعرتُ فجأة أن كل سنين عمري كانت عبارة عن كذبة هائلة. عائلتي، زوجي، خالي… كل شيء كان مغطى برائحة العطور الفاخرة ليداري على رائحة
وفي تلك اللحظة، فتح عسكري مكتب النيابة الباب، ودخل ضابط المباحث وهو يحمل تقريراً عاجلاً، واقترب من وكيل النيابة وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه وكيل النيابة يتغير تماماً ويتحول إلى اللون الشاحب.
التفت النيابة إلينا، وقال بنبرة حادة وخطيرة:
“أحمد… خذ أختك فريدة واطلعوا على بيتكم فوراً ومتخرجوش، وتحت البيت هيكون فيه حراسة مشددة.”
سألته برعب: “في إيه يا فندم؟ خالي سليمان حجروا عليه؟”
نظر إليّ وكيل النيابة وقال بأسى:








