عام

شيلت حفيدتي

شهقتُ، ليس خوفاً من منظرها، بل ذهولاً من هول ما أخفته أمها عنا. حاولت إرجاع القفاز بسرعة، لكن يدي ارتجفت،  على الأرض. في تلك اللحظة، فتحت الطفلة عينيها. لم تكن عيوناً بشرية ببؤبؤ مستدير، بل كانت شقاً عمودياً ذهبياً يلمع في الظلام، يتسع ويضيق بذكاء . نظرت إليّ، ولم تبكِ. بدلاً من ذلك، أصدرت صوتاً خافتاً، ليس “أغغ” الأطفال، بل كان همساً معدنياً، يشبه احتكاك معدن ببعضه.
فجأة، سمعت صوت خطوات سريعة تقترب من التراس. كانت مرات ابني، وجهها شاحب ، وعيناها تلمعان بغضب . خلفها كان ابني، صامتاً، ينظر إلى الأرض وكأنه يعرف الحقيقة منذ البداية.
قالت بصوت ، محاولة استجماع رباطة جأشها: “أعطيها لي يا حماتي.. الآن.”
لم أستطع الحركة. سألت بصوت مرتجف: “ما هذا يا ابني؟ ما الذي أنجبته زوجتك؟”
هنا، انهار ابني. جلس على ركبتيه وبدأ بالبكاء، واعترف بكل شيء. لم تكن طفلة عادية. قبل زواجهما، كانا يعملان في مختبر أبحاث سري للغاية يتبع لجهة غامضة. كان هناك تجربة لدمج الحمض البشري بـ “كائنات” استُخرجت من نيزك في منطقة نائية. كانا هما المشرفين، ووقعت حين تعرضت زوجته لإشعاع ناتج عن حاوية بيولوجية.
قالت الزوجة، وهي تأخذ الطفلة مني وتلبسها القفاز: “هي ليست وحشاً! هي نتيجة لخطأ لم نكن ندركه! هي ذكية جداً، وتتعلم بسرعة خيالية. منذ ولادتها، وهي تحاول التواصل مع ‘أصلها’ عبر تلك الخربشات التي كنتِ تسمعينها في الجدران. هي تستدعي شيئاً من الخارج.”
في تلك اللحظة، دوّى صوت  قوي من خارج المنزل. خرجنا جميعاً إلى الحديقة. كان هناك شيء يقف عند البوابة الحديدية. كان كائناً ضخماً، يشبه النسخة البالغة من طفلتي الصغيرة، لكنه بطول مترين، وأطرافه طويلة تلمس الأرض. لم تكن الطفلة تحاول الهروب، بل كانت تحاول الخروج إليه.
بدأت “الطفلة” في ذراعي أمها تصدر أصواتاً صاخبة، وبدأ الجوانتي الوردي بفعل نمو مخالبها المتسارع. أدركت حينها أن تلك “التربية” التي كانت أمها لم تكن لحمايتها من الناس، بل لحمايتنا نحن من أن تكتمل قدراتها وتستدعي عائلتها إلى عالمنا.
وقفتُ وسط الحديقة، مذهولة، بينما بدأ ابني ومرات ابني يرجون الكائن الضخم أن يبتعد، لكنه لم يلتفت لهم. كان عيناه موجهتين نحوي أنا فقط. لقد كنت أول من لمسها، وأول من رأى حقيقتها بدون قفازات، وهذا ربما كان “الرابط” الذي كانت تحتاجه لتحدد إحداثيات موقعنا.
في تلك الليلة، لم ينتهِ الأمر . بل انتهى بامتصاص الضوء. شعرت ببرودة شديدة تسري في عروقي، ورأيت الغرفة تلتوي كأنها من ورق. حين أغمضت عيني وفتحتهما، وجدت نفسي وحدي في الصالة. كان المنزل هادئاً، لكنه فارغ بشكل .
لا وجود لابني، ولا لزوجته، ولا للطفلة. حتى القفاز الوردي اختفى. بقيتُ وحدي في بيتٍ هادئ تماماً، لكنني في كل ليلة، لا أزال أسمع تلك “الخربشة” المألوفة خلف جدار غرفتي، وكأنها تذكرني بأنني كنتُ يوماً ما، أول من رأى الحقيقة التي كان يجب أن تظل تحت القفازات الوردية.
الآن، وبعد مرور سنوات، أصبحت أعيش في عزلة تامة، أراقب النجوم في كل ليلة، وأنتظر اللحظة التي ستقرر فيها “حفيدتي” أن تعود لتكمل ما بدأته في ليلة عيد ميلادي . لقد تعلمت درساً : هناك أسرار لا تُحفظ للحب أو الحماية، بل تُحفظ لأن بعض الأشياء في هذا الكون، لا تنتمي إلينا، ولا يجب أن تلمس عالمنا.
تمت الحمدلله.

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى