قصص و روايات

ابو ولادى

بس أنا خلاص، الست اللي كانت بتخاف من كلام الناس ومن المحاكم ومن لقب مطلقة ماتت من تلات سنين.
قومت من وسط ولادي ودخلت أوضتي، قفلت الباب عليا وبدأت أفكر بترتيب وعقل بارد، بعيد تماماً عن العاطفة أو الغل. قولت لنفسي هو جاي وفاكر إنه هيدخل البيت يفرض شروطه ويقسم الأسبوع على مزاجه؟ لاء، ده بُعده. أنا مش هستناه لما ييجي يمارس عليا الأستاذية بتاعته، ولا هدخل معاه في خناقة يلم فيها علينا الجيران ويهز فيها صورتي قدام عيالي. أنا هتحرك في الساكت، ومن وراه.
فتحت الموبايل وكلمت قريبتي اللي كنت عارفة إنها بتتعامل مع محامي شاطر وكبير في قضايا الأحوال الشخصية. أخدت منها الرقم والعنوان، وكل ده وأنا حريصة إن نبرة صوتي تكون عادية ومفيش أي حاجة تبان عليا. اتفقت مع المحامي على ميعاد تاني يوم الصبح علطول.
الخطة في دماغي كانت واضحة وزي الشمس هرفع قضية طلاق . أنا معايا كل الأدلة اللي تثبت إنه ولاده تلات سنين، معايا رسايله اللي بيعترف فيها إنه متجوز وعايش حياته ومقصر في حقنا، ومعايا شهادة الشهود من أهلي ومن الجيران اللي عارفين إنه عتبة البيت دي مداسهاش من سنين. والأهم من كل ده، إني مش هنطق بحرف واحد قدامه.
مش هعرفه إني رايحة لمحامي، ولا هقوله إني هرفع قضية. هسيبه عايش في وهمه وغروره، فاكر إن الفيلم ده كله لعبة عشان أجرجله يرجعلي. لو عرف إني ناوية على المحاكم، هيبدأ يخطط ويفكر ويشيل الفلوس اللي في البنك أو يتهرب من النفقة، أو يروح يعمل حوارات ويلعب بالأوراق عشان يلوّي دراعي بالعيال. لما بيحس بالخطر بيتحول لوحش ومبيسمّيش على حد، وأنا مش هيداله الفرصة دي أبداً عشان ياخد احتياطاته أو يسبقني بخطوة.
أنا هخليه ييجي، ويخبط، ويتكلم براحته ويهدد بأعلى ما في خيله.. وأنا هقابه بابتسامة باردة وهادية تقتله من جواها. هسيبه غرقان في ثقته المريضة لحد ما يصحى في يوم على إعلان المحكمة نازل فوق دماغه زي الصاعقة. وقتها بس هيعرف إن الست اللي استضعفها واستخف بوجعها تلات سنين، هي هي الست اللي هتنهي حكايته بالقانون، وبمنتهى الشياكة والنظافة
نمت الليلة دي وأنا حاسة براحة غريبة مكنتش حساها من تلات سنين. النوم هرب من عيني شوية، بس مكنش بسبب الخوف، كان بسبب الأدرينالين اللي بيجرى في عروقي وأنا برتب خطواتي في دماغي خطوة بخطوة. الصبح صحيت بدري، جهزت فطار العيال ونزلتهم، ولبست أشيك طقم عندي، وحطيت ميكب خفيف يخبي إرهاق السنين، وكنت ببص لنفسي في المراية وبقول يا واد يا ثقيل، جه اليوم اللي هتاخدي فيه حقك وتنهي المهزلة دي.
وصلت مكتب المحامي في الميعاد بالظبط. دخلت وكنت متخيلة إني هبقى متوترة، بس لقيت نفسي بتكلم بمنتهى الثبات والقوة. حكيتله الحكاية من طقطق لسلام عليكم؛ عن جوازه، وعن لينا تلات سنين، وعن الرسايل والمكالمة الأخيرة اللي قالي فيها أعلى ما في خيلك اركبيه. المحامي كان بيسمع وهو بيهز رأسه ويدون الملاحظات، وفي الآخر ابتسم وقالي متقلقيش يا مدام، موقفك القانوني قوي جداً. طالما اتجوز عليكي وإنتي رفضتي الوضع، ومعانا إثبات والتقصير في النفقة، قضية طلاق مضمونة بإذن الله. بس أهم حاجة زي ما اتفقنا مش عايزينه يحس بأي حاجة لحد ما الإعلان يوصله في إيده.
طمنّي كلامه وخلاني أحس إن القانون واقف في ضهري. دفعتله الأتعاب وطلعت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة، كأن جبل كان كاتم على نفسي واتشال.
رجعت البيت، ومفيش ساعتين ولقيت جرس الباب بيرن برنة كلها غشم واستعلاء. قلبي

دق، بس المرة دي عرفت أتحكم في ملامحي تماماً. فتحت الباب، ولقيته واقف قدامي بكامل أناقته، والابتسامة السخيفة والغرور مالين وشه، وكأنه داخل قصر فتح خيبر. دخل وبص حواليه بنظرة فاحصة، وقال بنبرة كلها ثقة أهو أنا جيت يا ستي، جهزتي نفسك وظبطي أمورك ولا لسه؟
بصيتله من فوق لتحت ببرود تام، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقولتله أهلاً يا ابن الناس، نورت.. ادخل اقعد علبال ما أعملك حاجة تشربها.
اتصدم من هدوئي، كان متوقع إني هعيط، أو هصرخ في وشه، أو على الأقل هعاتبه على السنين اللي فاتت. مكنش فاهم إن السكوت ده هو الهدوء الذي يسبق العاصفة، وإن الابتسامة دي مش رضا، دي ابتسامة الشماتة في المغفل اللي مش دريان إن حبل المشنقة القانونية بدأ يلف حوالين رقبته. دخل قعد وهو حاطط رجل على رجل ومطمن لآخره، وأنا دخلت المطبخ وأنا بقول في بالي عيش اللحظة يا سيّد الناس، واشبع بغرورك كام يوم دول.. لحد ما المحضر يخبط على بابك ويفوقك من الوهم اللي أنت عايش فيه!
طلعت من المطبخ شايلة صينية الشاي، وبمنتهى الثبات حطيتها قدامه. قعدت على الكنبة اللي في الوش، وربعت إيدي وأنا ببص له ونظراتي ثابتة في عينه. هو أخد كباية الشاي، ورجع ضهره لورا بكل غطرسة، وبدأ يتكلم بنغمة الصوت اللي كان متخيل إنها هتكسرني
أهو أنا جيت وجنبك يا ستي.. قوليلي بقى، إيه موضوع الطلاق والجواز اللي كنتِ بتهرتلي بيه في الرسائل؟ لسه برضه مصممة على الأوهام دي، ولا عقلتِ وعرفتي إن مالكيش غير بيتك وجوزك اللي هيستر عليكي وعلى عيالك؟
كنت سامعة الكلمات وهي طالعة من بقه مليانة سم واستحقار، بس العجيب إني متهزتش. بالعكس، كنت ببص له وأنا حاسة بشفق عليه! الراجل ده عايش في غيبوبة مخلية مش شايف غير خياله. ابتسمت نفس الابتسامة الباردة وقولتله بنبرة هادية جداً
والله يا ابن الناس، أنت قولت اللي عندك وأنا سمعتك.. ودلوقتي أنت جيت، يعني خلاص مفيش داعي للكلام والكلام المعاد.
بصلي باستغراب، عينيه كانت بتدور في الوش عايز يلمح أي أثرللكسرة أو الغل، بس لقى جبل واقف قدامه. هدوئي ده جننه ولخبط كل حساباته، مكنش ده رد الفعل اللي مرتبه في دماغه. هو كان جاي مستني ست بتعيط وبتندب حظها، أو ست بتخانق عشان تاخد منه يوم زيادة في الأسبوع. لما لقاني باردة ومش مدياله حجم، بدأ يتوتر، نزل رجله من فوق الرجل التانية وقال بحدة

مقالات ذات صلة
الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى